فكر قادة وأعلام مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

كامل شياع اليوتوبي اليساري

سلسلة مفكرون عراقيون ٧

كامل شياع اليوتوبي اليساري

لم أن أعرف من هو كامل شياع قبل عام 2003، ولكنني عرفته بعد أن شغل منصب مستشار وزير الثقافة، وعرفت توجهه اليساري، وقد كُنت أسمع عن عمق تفكيره وجمال أخلاقه، وبعد حين عرفت أنه حاصل على الماجستير في الفلسفة عن رسالته الموسومة (اليوتوبيا كموقف نقدي) من جامعة (لوفان) في بلجيكا.

لماذا لم يكتب عن المادية أو الماركسية؟ أظنه يبحث عن كشف في فكر يبدو أنه (لا عقلاني) ليكشف لنا عما هو (عقلاني) فيه، فلم ينظر لليوتبيا بوصفها فكراً يعيش فلاسفته في (أبراج عاجة) ينظرون للواقع من خلال عدسة نظارتهم!.

لقد كتب (كارل مانهايم) عن علاقة الفلسفة باليوتوبيا، وكأن اليوتوبيا رديفة الأيديولوجيا.

حاول كامل شياع بروحه المقبلة على الحياة والأمل أن يستمد من فلسفة (أرنست بلوخ) “مبدأ الأمل”.

في عام 2010 حصلت على جائزة الإبداع الأولى في الفلسفة، كانت بإسم (جائزة كامل شياع)! عن كتابي (البرجماتية أصولها ومبادؤها ـ دراسة تحليلية في فلسفة مؤسسها تشارلس ساندرس بيرس)، ومنذ ذلك الحين رغبت بتتبع نتاج الشهيد (كامل شياع) الفكري والنقدي.

عُرف بوسطيته ونزعته للاعتدال. كان يحلم ويعمل على ضرورة وجود (نظام حكم مدني) في العراق، ونبذ العنف والطائفية.

لم لا وهو المعروف بمواجهته الصريحة للنظام الديكتاتوري في المنطقة ألا وهو نظام البعث؟!

يقبل التحدي ويُجيد مواجهة النظام الديكتاوري العراقي الذي يحكم العراق وفق سياسة (بسمارك) (النار والحديد)، ولم يخش النار ولا الحديد، فعمل على معارضة هذا النظام بكتاباته النقدية والفكرية.

آمن بمقولة (فصل الدين عن الدولة) بوصفها مقولة تنطبق على الوضع العراقي المتعدد الأعراق والأديان والمذاهب.

عمل في المعارضة ضد نظام صدام حسين، ولكن هل قُتل لأنه معارض لكل نزعة (توليتارية) أو شمولية، غايتها اقصاء كل معارض لهكذا نظام يقود الدولة؟ أم قُتل لأنه شيوعي (يساري)؟!.

أظن أن قاتله لا يعرف قدره، ولكنه قُتل بدفع من جماعات الإسلام السياسي، لأنها لا ترتضي ولن تقبل بتوجهات كامل شياع المدنية المنفتحة على أفق العالم الغربي باحثاً عن “الأنسنة” (من أجل بناء عراق حر وسعيد)!.
ميزته الأثيرة في كونه ينتمي للفلسفة وفكرها النقدي بكل إنفتاحه على رؤى مغايرة من أجل قبول التعايش مع العقل المختلف.
كان مشغولاً بكيفية الرجوع لوعي (الهوية الوطنية) بعد أن تشظت بفعل دعاة (الهوية الفرعية) وتغليبهم لها في مقابل التنكر للهوية الوطنية، ولا يستثني من هذا الفعل غير البريء كل أثنيات العراق وقياداتهم.

وبتعبير (كامل شياع) “الهوية مُعطى طبيعي يأتينا من الماضي ويُشكحلنا، جماعات وأفراداً، بطريقة لا نقوى على تغييرها أو الإفلات منها بقوة الوعي أو اللاوعي”.

ظل يحلم ويأمل بوجود نظام ديمقراطي يُحكم به العراق، لا نظام (محاصصة) أو ما سُميَ بـ “الديمقراطية التوافقية” التي كانت أحد خراب اللحمة الوطنية وضياع الهوية العراقية الجامعة للهويات الفرعية، فقد رفض فكرة (الإسلام السياسي) في التعامل مع (الديموقراطية) بوصفها وسيلة للوصول للحكم، لأنه يعدها “منهجاً للحياة وثقافة تدعو لسيادة الشعب في تقرير شؤونه، وضمان سلطة القانون والتضامن الطوعي بين مواطنين أحرار…، لأنها تقوم على الخيار الحرللمواطن والمساواة وتعدد مصادر السلط (الفصل بين السلطات)، وضمان حقوق الأقلية”.

هو من دعاة المساواة وتسييد القانون وتطبيقه على الجميع بالتساوي.

ما يُميزه أنه بقي متيقناً من دور المثقف في التغيير والتجديد، منتقداً توظيف المثقف والمفكر لفكره لصالح أيديولوجيا متطرفة، لأن مهمة (المثقف الملتزم) بتعبير (سارتر).

وهو ناقد لنزعة (التتريث) التي يذوب دعاتها في الماضي، فيقيسون كل حاضر الأمة ومستقبلها وفق (مسطرة) هذا الماضي، فما تطابق منه قبلوه، وما تعارض منه رفضوه!.

لا تُبنى الدول فقط بالركون للماضي (التليد)، ولا بتسييد (الثقافة الشعبية) على (الثقافة العالمة)، ولا بدعم (الدين الشعائري) على (الدين التصحيحي)، فلا يدعو شياع للتنكر للدين، لأنه يعد الدين جزءاً أساسياً في حياة الشعوب، ولا يدعو لعلمانية مناهضة للدين، بل كما ذكرت، هو يدعو لـ (علمانية مرنة) لا تُعادي الدين، ولأعيدكم لرسالته للماجستير وربطه بين اليوتوبيا والنقد، لأكشف لكم عن موقفه القابل للدين حينما يكون نزعة ثورية إصلاحية أو تصحيحية، ليذكرنا بتبني علي الوردي وعلي شريعتي لهذه الفكرة.
ذكرت أكثر من مرة قول علي الوردي:
“أن النفس الإنسانية تهوى التدين، فإن لم تجد لها ديناً في السماء أوجدته في الأرض”، وكأن الدين يُماثل مفهوم (أرنست بلوخ) عن “اأمل”، فلا (وجود لمعرفة (حقيقية) إن لم تتوافق مع الأمل).
يُميز بين اليسار كفكر، وفكر الأحزاب التي تدعي تمثيل اليسار، لأن فكر اليسار يتمثل بالسعي لتحقيق (العدالة الاجتماعية)
تجده في كتابه (قراءات في الفكر الإسلامي) يُفصل في فلسفة إبن رشد ويعطيه مساحة كبيرة، لأنه يجد في فكره العقلاني ملاذاً نستظل به بعد أن غيبناه عصوراً.
هو ابن رشد الذي يُعيد حضور العقل العربي ـ الإسلامي في ردوده على الغزالي ودفاعه عن الفلسفة الأرسطية لا بوصفها إعادة تمثل للفلسفة اليونانية، بل بكونها إعادة تشكيل للعقل العربي (السببي) (العقلني)، في محاولة منه لكتابة تاريخ الفلسفة خارج سطوة (الغزالي) (الأشعري) أو (الصوفي).
مشكلة العرب والمسلمين تكمن في أنهم جعلوا من فلسفة ابن رشد (العقلانية) هامشاً، ومن فلسفة الغزالي (اللاعقلانية) بعبارة محمد عابد الجابري متناً، كما يرى (نصر حامد أبو زيد)، ليكتب (كامل شياع) عن رؤية الفيلسوفين وفق (جدلية المتن والهامش)، ليكون (التأويل) بمفهومه اللغوي التشريعي عند الغزالي هو الحاضر والمؤثر في سيادة الفكر الفقهي وحضوره، وغياب الفكر التأويلي الرشدي!، بكل حمولته العقلانية ودفاعه عن الفلاسفة بوصفهم من “كمل عندهم الحق” بعبارة رشدية يمتدح بها أرسطو.
في كتابه (تأملات في الشأن العراقي) ينتقد (كامل شياع) قضايا أعدها من مفاصل (نقد العقل السياسي العراقي):
1ـ نقد فصل الأخلاق عن السياسة وشيوعها في تاريخ العراق القديم والحديث والمعاصر.
2ـ نقد فكرة الإيمان بالمخلص (الديكتاتور)، بل والانحياز له والتطبيل والتهليل لسياسته (اللا أخلاقية).
3ـ نقد الاستلاب والاغتراب، وتفضيل العزلة والانكفاء الداخلي.
4ـ نقد السياسة (الامبريالية) وتقنيتها (العولمية) في التظليل والإيهام.
5ـ نقد خطاب الاستبداد وخطاب المدافعين عنه، لما فيه من نزعة اختزالية تختزل الشعب في معطى واحد ألا وهو تبعية اتلرعية للراعي.
6ـ نقد غياب المثقف أو ضعف حضوره وتأثيره في التغيير أو التجديد ليظهر لنا بوصفه “قوة مدنية ذات مشروع تاريخي”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق