سياسة مختارات مقالات

الكعكة الليبية.. لعبة المحاور للدول الإقليمية والولاءات القبائلية

الكعكة الليبية.. لعبة المحاور للدول الإقليمية والولاءات القبائلية

بقلم: ا. هبة داودي

تطورات متسارعة تشهدها ليبيا، مصحوبة بامتدادات وارتدادات على مستوى النظام الفرعي الاقليمي، وأبرز الفاعلين في الملف الليبي، فبعد الاعلان عن اتفاق وقف اطلاق النار بمعية كل من رئيس حكومة الوفاق فايز السراج ورئيس مجلس النواب بطبرق عقيلة صالح، و رغم الترحيب بمبادرة وقف إطلاق النار التي أعلنتها حكومة الوفاق الليبية، وتأييد رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح لها، إلا أن تصريحات المتحدث باسم قوات ما يعرف بالجيش الوطني الليبي، أحمد المسماري، قلبت الطاولة، وسارعت الى اتهام تركيا بحشد السفن والقوات البرية للهجوم على سرت، وعاد الحديث عن حشد قوات على مناطق التماس من سرت بالخصوص، و اقدام قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بقطع الاتصالات وشبكة الانترنت على المدينة الاستراتيجية، موازاة مع التأكيد على رفض الاتفاق الخاص بوقف اطلاق النار، في مؤشر فسره الملاحظون بأنه رد فعل على بروز معطيات عن تحييد موقع حفتر في ترتيبات يتم التحضير لها، بإشراك الفاعلين الرئيسيين تركيا وروسيا مع تداخلات لباريس وواشنطن .

وطرح اتفاق وقف اطلاق النار عددا من الاشكاليات، اولها الابقاء على وضع الامر الواقع بنقاط تماس، دون أن تسوى مشكل السلطة المركزية الليبي، التي تنبثق عن انتخابات بعد تسوية سياسية، ففي قراءة متأنية للوثيقتين الصادرتين من قبل كل من حكومة الوفاق من جهة، وبرلمان طبرق من جهة ثانية، يتضح مدى التباعد في الرؤى بين الفرقاء الليبيين، فقد نصت الوثيقة الصادرة عن حكومة الوفاق عن تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في مارس 2021 أي في حدود 7 أشهر، بينما اقترحت مبادرة عقيلة صالح مرحلة انتقالية جديدة تمتد بين 18 و 24 شهرا لتنظيم بعدها انتخابات رئاسية وبرلمانية أي آفاق 2022، وبالتالي الخروج من مرحلة انتقالية للدخول الى مرحلة انتقالية جديدة، وتبرز الرؤية الأولى المقاربة التركية التي تسعى الى دعم موقع الحلفاء حكومة الوفاق وتشكيل سلطة مركزية تضمن دعم المصالح التركية، بينما تظهر المقاربة الثانية الامريكية والفرنسية، والتي تفترض اعادة توزيع الادوار ولو تطلب ذلك اعادة رسم خارطة ليبيا، وعلى هذا الاساس تضمن مقترح برلمان طبرق تقسيم البلاد الى ثلاثة اقاليم شرق وجنوب وغرب، مع تعيين رئيس في كل اقليم، وتشكيل مجلس رئاسي، وكل عضو يمتلك حق الفيتو.

ومن مظاهر لعبة المحاور التي تعتمدها الاطراف الاقليمية، عودة قوية للحديث عن ابن القذافي سيف الاسلام، وبروزه مجددا على الساحة مع خلفية داعمة روسية بالخصوص، ويتم ذلك في وقت يتم استبعاد او تحييد خليفة حفتر من المشهد.

ويشير العارفون بالشأن الليبي الى أن الخلافات في ليبيا، لها صلة بجهات نافذة ومؤثرة تسعى الى تحييد الحل السياسي، وتعقيد المشهد الليبي أكثر للوصول الى مخطط التقسيم.

بالمقابل، فإن تركيا التي اضحت لاعبا أساسيا مؤثرا، ترغب في ضمان التموقع في منطقة مفتاحية، لضمان منفذ هام عبر قاعدة مصراتة، وتواجدا عسكريا في الضفة الجنوبية للمتوسط، عبر قاعدة الوطية الجوية، فضلا عن فتح مجال استغلال المحروقات، ولعل هذان العاملان هما ما أججا الصراعات اكثر بين الاطراف الاقليمية، ودفع بمصر الى التحالف مع اليونان، وتقديم تنازلات جوهرية في اتفاق التقسيم البحري، فضلا عن دعم التنسيق والتعاون العسكري والامني، كما برز في المناورات العسكرية الكبيرة التي شاركت فيها القاهرة الى جانب اليونان وقبرص قرب جزيرة كريت، وهي المنطقة التي تشهد نزاعا تركيا يونانيا خاصة على الاستكشاف.

ورغم المد والجزر الذي ميز الموقف المصري بخصوص تسليح القبائل والتدخل العسكري، الا ان القاهرة وسعت دائرة التجاذب مع انقرة، لاسيما الاصطفاف اكثر مع الغريم اليوناني، وبالمقابل ايضا برز معطى جديد في ردود فعل ايران، حيث عبرت على لسان المتحدث باسم الخارجية، سعيد خطيب زادة، عن ترحيب طهران باتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا، وأنها تتمنى الاستقرار والهدوء لليبيا، وتأمل في بدء الحوار الليبي في أسرع وقت، ليكون ذلك في صالح استقرار ليبيا والقارة الإفريقية.

ولعل الخرجة الايرانية لم تكن اعتباطية او من فراغ، بل جاءت في سياق رد غير مباشر للولايات المتحدة، بعد ان عمدت دوائر امريكية الى الاشارة الى تورط ايراني في عملية اغتيال السفير الامريكي ببنغازي في سنة 2012.

وقد لوحظت في الفترة الاخيرة عودة التحركات الاقليمية والدولية، فروسيا تتواصل مع تركيا بخصوص ما عرف بخط سرت الاحمر الذي حددته مصر، وتضع نفسها على مسافة بين انقرة والقاهرة، هذه الاخيرة تتجه لوضع نقاط جديدة على “اتفاق وقف اطلاق النار” الهش، فخطوة خليفة حفتر بقطع كافة اشكال الاتصال على سرت لم يأت من فراغ، وتحتمل عدة قراءات
الاولى: ان حفتر الذي لم يكن طرفا اساسيا في اتفاق وقف اطلاق النار، ويرى في ذلك تخليا من قبل حلفائه في القاهرة وابو ظبي وموسكو، ويسعى من خلال التصعيد الى الظهور بمظهر الرقم الصعب في المعادلة الليبية، بصفته الذراع العسكري والواجهة الاساسية، خلافا لعقيلة صالح.

الثانية: ان هناك توافق حد ادنى للقوى الاقليمية، بررت تزامن الاعلان شرقا وغربا مع الانخراط في هدنة جديدة الى حين اعادة توزيع الاوراق .

ولعل تحرك موسكو ايضا ليس اعتباطيا، فهي تمسك العصا من الوسط، وتسعى لعدم تعفن الوضع بين قطبي الصراع المصري والتركي، لكن بالمقابل تبعث باشارات عن بقائها لاعبا في الميدان، بل ان معطيات برزت عن امدادات روسية جديدة وصلت في قاعدة الجفرة، موازاة مع الاعلان عن مفاوضات تركية روسية حول مواقع انتشار مختلف الاطراف الليبية .

ويعتبر مراقبون ان روسيا على غرار المشهد في سوريا، تعمد الى كسب عدة اوراق بما في ذلك اوراق ضغط على تركيا، سواء عبر ترتيبات تفاهم تتم بين موسكو و انقرة او دعم العودة للحسم العسكري في سرت والجفرة.

وكخلاصة، يبدو المشهد على النحو التالي، فرنسا والولايات المتحدة بالإضافة إلى الحلف الإماراتي السعودي المصري إلى جانب حفتر المدعوم روسيا كذلك، بينما على الجهة الأخرى تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني في طرابلس بقيادة فايز السراج، الى جانب ايطاليا، بينما تعد قطر أهم حليف عربي لحكومة طرابلس، وتتوزع ولاءات القبائل الليبية وتحالفاتها على هذه الأطراف، في خريطة سياسية معقدة للغاية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.