سياسة مختارات مقالات

لماذا المقاطعة الثقافية ضد التطبيع الإماراتي وحده ؟

بقلم/ أ. خالد الحروب

ثمة أسئلة مُحقة يطرحها أصدقاء بشأن الموقف الفلسطيني تحديدا والعربي الشعبي عموما الرافض والمُندد بإقامة علاقات طبيعية بين الامارات وإسرائيل، سياسيا وثقافيا، ومن المهم التوقف عند بعضها. بعض هذه الأسئلة يطرح التالي: لماذا لا يتم اتخاذ نفس الموقف القوي والمقاطعة بما فيها الثقافية والادبية تجاه دول أخرى مثل مصر والاردن وقطر وعُمان وأي دولة لها علاقات تطبيعية ظاهرة او غير ظاهرة مع اسرائيل؟ ولماذا تُلام الإمارات الآن والفلسطينيون سبقوها في تطبيع العلاقة مع إسرائيل من خلال اتفاقيات أوسلو؟ وهل يستحق الفلسطينيون التضامن والدعم وهم من ارتكب خطايا سياسية وتاريخية واخطاء لا تغتفر؟

المنظور الأساسي في تناول هذه الأسئلة وكل ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، خاصة في المستوى الثقافي والشعبي، هو منظور قيمي واخلاقي، وهو بوصلة مؤيدي فلسطين والفلسطينيين في العالم كله، كما هو بوصلة تأييد أي قضية عادلة في الماضي او الحاضر او المُستقبل. اياً كانت الظروف السياسية والضغوط والمسوغات التي يسوقها السياسي، فإن المثقف والفرد العادي ليس خاضعا بالضرورة لذات الظروف والضغوطات التي يتعذر بها السياسي، بل يظل متمسكا بالقيم. من دون هذه القيم نرتكس الى قانون الغاب، من قمة كرسي السياسة الى ابسط شارع في قرية نائية. هنا نحن إزاء كيان احتلالي استيطاني عنصري قام ولا زال يقوم على سرقة ارض شعب آخر، واقتلاعه، وتحطيمه، وتمزيقه، وبناء جغرافيا وتاريخ وسردية تنفي هذا الشعب. أي فرد على وجه هذه البسيطة ذي ضمير واخلاق ورفض إبادة عشرات ملايين السكان الأصليين في القارة الامريكية على يد الاوربيين البيض، ورفض استرقاق عشرات الملايين من الافارقة وبيعهم في أوروبا وامريكا، ورفض الاستعمار والاحتلال والقتل في أي بلد من بلدان العالم يجب ان يرفض إسرائيل والتعامل والتطبيع معها، بغض النظر عن الفلسطينيين واي اعتبارات أخرى. هنا نتحدث عن قيم واخلاق ترفض ان نتساهل مع الانحياز للمحتل والظالم والمجرم. والقاعدة القيمية هنا تؤكد وتكرر بأن خطايا الضحية لا تبرر الوقوف مع الجلاد. نعم ارتكب الفلسطينيون خطايا كبيرة وما زالوا، وقياداتهم منقسمة، وسلطاتهم ينخرها الفساد مثل أي نظام عربي، واولها الأنظمة التي تطبع مع إسرائيل وتستخدم مسوغ فساد السلطة لتبرير تطبيعها وهي اكثر فسادا منها أصلا. مع كل ذلك، فإن خطايا الفلسطينيين لا تبرر الوقوف مع الجلاد الإسرائيلي.

الآن، في السؤال الذي يقول لماذا لا يتم اتخاذ نفس الموقف القوي والمقاطعة الفلسطينية والعربية بما فيها المجال الثقافي تجاه دول أخرى لها مثل مصر والاردن وقطر وعُمان وأي دولة لها علاقات تطبيعية ظاهرة او غير ظاهرة مع اسرائيل؟ اجابتي المتواضعة هي التالية: المقاطعة هي آخر العلاج ولا نقوم بها ونحن منتشون غبطة، بل نضطر لها وكلنا أسى حقيقي. فالاساس الطبيعي للفعل الثقافي والشعبي هو التواصل وليس المقاطعة، وهذه بدهية لا تحتاج الى توكيد، ويجب التمسك بهذا التواصل بل وايضا التخادع وراء ظهر الأنظمة حتى آخر مساحة ممكنة. والبقاء في المساحات المُتاحة والمناورة فيها هو الفعل الاصح والاصعب مع المحافظة على الموقف القيمي البوصلي. وفي الحالات العربية المذكورة وغيرها يمكن القول بأن هناك نوعان من التطبيع: نوع مُتفاخر وفج، كما هو الحال الاماراتي مع الاسف، ونوع مُستتر وخجول واحيانا يشعر بالخزي. كلاهما بالنسبة لي مرفوض جملة وتفصيلا ومبدأ وبوصلة، ما تحت الطاولة منها وما هو فوق الطاولة ايضا. بين النوعين فروقات كبيرة تترك مساحات وهوامش للحراك الثقافي والتواصل ويجب عدم اقفالها. هناك أيضا فروقات في الأسباب والظروف، وهذه الفروقات مهمة ويجب ان لا يتم تجاوزها للقول بأن كل هذه البلدان مُطبعة ويجب مقاطعتها. هذا فيه توسيع للمعركة ومضاعفة الخصوم، ويبتعد عن الحكمة. وعندما نعلي صوتنا ضد التطبيع المُتفاخر والفج فإن في ذلك رسالة للأنظمة الأخرى كي تفكر مرات ومرات قبل ان تقدم على الانحدار الى ذات المسار.

في تفاصيل الفروقات بين حالة الامارات والحالات التطبيعية الأخرى السابقة لها نجد أيضا ناصر أخرى مهمة جدا. مثلاً، رغم مرور اكثر من أربعين سنة على “السلام” بين مصر وإسرائيل فإن هذه الأخيرة فشلت في اختراق الثقافة المصرية وصفوف المثقفين المصريين، وبقي التطبيع كما نعلم محصورا بما هو سياسي وامني. بقي الضمير المصري والثقافة المصرية قلعة صلبة تقف مع الحق والعدل والقيم. مصر العريقة والعميقة بشعبها الذي يتجاوز المائة مليون ظلت عصية على الاختراق الاسرائيل. الأردن القريب شعبه من نبض فلسطين، سواء الشرق اردني او من أصول فلسطينية، حشر التطبيع في المستوى الرسمي أيضا، ولم يرحب به في أي مجال آخر وبقي حاله كذلك. كلا الدولتين كان في حرب مع إسرائيل، والتسويغ الرسمي استخدم هذا الامر في التبرير لمعاهدات “السلام”. مشكلتنا في التطبيع مع الخليج، سواء الامارات، او أي دولة لاحقة مُحتملة مثل البحرين، او قطر او عُمان (ونأمل حقا ان يكون لا هناك أي دولة لاحقة)، ان هذه الدول، وبالتوصيف الموضوعي ومع الاحترام للشعوب كافة، صغيرة وهشة سكانيا وايديولوجيا ومن السهل اختراقها من قبل إسرائيل، في ظل أنظمة ريعية تسيطر على الفضاء المجتمعي برمته. وفي هذه الدول يعمل وسوف يعمل ويشتغل الإسرائيليون بسهولة على تحقيق هذا الاختراق الثقافي ولاشعبي. وهذا مع الأسف مرة ثانية تمهد ومهدت له في الحالة الإماراتية تصريحات المسؤولين الاماراتيين التي تتلاحق وتقول بأن العلاقة مع إسرائيل سوف تكون دافئة ومتعددة المجالات وليست مثل علاقات الدول العربية الأخرى، التي توصف بأنها “تطبيع بارد”. عليه لنا ان نتوقع اصرار اسرائيل على ان يكون الجانب الثقافي والادبي والديني ايضا في مقدمه هذه الجوانب. رأينا جميعا صور الوزيرة الاسرائيلية منذ سنتين تقريبا وهي تصول وتجول في مسجد الشيخ زايد. حدث هذا قبل الاعلان عن “التطبيع الدافيء” فكيف الحال بعد ترسيم العلاقات ووصول سفير وبعثة دبلوماسية في أبو ظبي، ووفود ومؤسسات وغير ذلك؟ من الذي يضمن مثلاً ان لا يكون السفير الإسرائيلي في أبو ظبي جالساً في الصف الأول في حفل توزيع الجائزة العالمية للرواية العربية، ثم يصعد للمنصة للتباهي ب “فتح صفحة سلام ثقافية” مع كل العرب؟ هذا لم يحدث في مصر خلال أربعين عام ولن يحدث، لكنه ليس من المُستبعد في الحالة الإماراتية.

خلاصة لما سبق، المقاطعة ليست مطلوبة إزاء الجميع، بل نتمنى ان لا تحدث. وحشر كل الأنظمة العربية حتى تلك التي لها علاقات مع إسرائيل مختلفة الدرجة في صندوق واحد لا يخدمنا جميعا. لا نريد من أي دولة عربية ان تنتقل من التطبيع المُستتر الى التطبيع الفاجر، ونعم نريد ان نتخادع في هذا الامر حفاظا على مساحات التواصل، ولا نريد ان ننتقل من السيء للأسوأ. ولا نريد ان تنجح إسرائيل في نقلها للمعركة من معركة ضدها الى معركة بين الفلسطينيين والعرب، لأن الخطاب الصهيوني يكرر ويقول بأن العرب تخلوا عن فلسطين ولا يريدون الفلسطينيين. هل معنى ذلك كما يريد ان يقول ذلك الخطاب ان العرب اكتشفوا انهم في غرام مع إسرائيل والإسرائيليين؟ الأنظمة العربية ليست هي العرب، ودائما علينا توسيع الهوامش وليس تضييقها والتأكيد على ان هناك فرق كبير بين الأنظمة والشعوب العربية، برغم مستويات القمع وتشويه الوعي، وبرغم محاولات الاعلام الرسمي في الدول المُطبعة جر الشعوب وراء تفاهات الأنظمة. كيف يمكن ان يكون وجدان أمريكا اللاتينية مثلا وغيرها من القارات والبلدان مع فلسطين وعدالة قضيتها، والخطاب الصهيوني يزعم ان العرب تخلوا عن فلسطين؟ الخطاب الفلسطيني الغاضب الذي يقول ان العرب تخلوا عنا هو أيضا خطاب مُسطح ويصب الحب في طاحونة الخطاب الصهيوني من حيث لا يدري.

ثمة السؤال الاخر الذي يقول لماذا تُلام الإمارات والفلسطينيون هم اول من طبع العلاقة مع إسرائيل من خلال اتفاقيات أوسلو؟ وهذا أيضا سؤال مُحق في ظاهره، لكنه في الباطن يبرر التهافت على اقدام إسرائيل. اتفاقيات أوسلو مُدانة بالفم الملآن وقسمت الفلسطينيين وادخلتهم في نفق مظلم يتخبطون فيه حتى الآن. وانحدرت قياداتهم لذلك المسار في سياق ظروف إقليمية ودولية ضغطت عليهم بشكل كبير، وجزء هائل من تلك الضغوطات جاء من الدول العربية التي تقود مسيرة التطبيع الآن. ليس هذا تبريرا للموقف الفلسطيني بطبيعة الحال، بل توصيف موضوعي يفرق بين الحالة الفلسطينية التي اتخذت مسارا فرضته ظروف ضاغطة، والحالة الإماراتية الراهنة التي لا تواجه أي شيء قريب من تلك الضغوطات. التطبيع الاماراتي تطبيع اختياري تفاخري وتشاوفي أيضا، وفي طريقه الى تل ابيب يشتم الفلسطينيين وبأنهم فشلوا، وانهم ضيعوا الفرص، وانهم وانهم (وهذا مع الأسف استخدام لعناصر ثابتة من الدعاية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين). هذه السمات مرة أخرى لا يتصف بها التطبيع المُستتر (المرفوض أيضا)، أي لا يدوس على الفلسطينيين في طريقه لمصافحة الإسرائيلي. يقول بأنه “مُضطر” للقيام بذلك، وان عليه ضغوطات، وسوى ذلك، لكنه لا يتبجح ولا يصور خطوته بأنها “فتح روما”!

وثمة نقطة أخرى، وليست أخيرة في هذا النقاش، مرتبطة أيضا بالمقارنات الظالمة. واقتبس هنا بعضا مما نشره الصديق الكريم هوشنك اوسي، ويقول فيه “… لماذا يعتبر الأديب والمثقف الفلسطيني أنه يجب على الأديب والمثقف المصري، العراقي، السوري، اللبناني، الخليجي، المغربي…، أن يكون أكثر فلسطينيّة من منظمة التحرير الفلسطينيّة التي أبرمت اتفاق سلام مع إسرائيل؟” هذه مقارنة ظالمة ايضا لأنها تقارن موقف المثقف مع موقف رسمي. ما يطلبه المثقف الفلسطيني من زميله وشقيقه المثقف المصري او الخليجي والعربي عموما هو نفس الموقف الذي اتخذه من التطبيع بين مصر وإسرائيل وهو المقاطعة. وما نطلبه من المثقف الخليجي والاماراتي الآن هو ذلك الموقف، وليس التأسي بموقف منظمة التحرير ولا السلطة الفلسطينية، التي تندرج في سياق مواقف الأنظمة السياسية. الموقف الحقيقي والأخلاقي للمثقف هو ما يمليه عليه ضميره القيمي والثقافي وما يجب ان يقوم به كمثقف، لا تقليد ونسخ ما تقوم به هذه السلطة او ذلك النظام.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0