أدب و تراث مختارات مقالات

الرأس الأخير

الرأس الأخير

بقلم: ماجد الصالح خليفات

كان ياما كان، وخلال حصة مدرسية صيفية، دخل علينا مساعد المدير بارقا راعدا يشكو بصوت موتور تكرار سرقة رؤوس الصنابير (الحنفيات) من مشارب ودورات مياه المدرسة، وقد غلّظ الأيمان هذه المرة بأنه سوف يتركها هكذا دون تبديل حتى نعرف أي منقلب ننقلبه نحن المستهترون، وحتى تتفسخ رؤوس أصابعنا الغضّة وهي تضغط على حنفيات بلا رؤوس لينزل منها الماء. وهذا ما حدث، بقينا شهرا أو يزيد نستخرج الماء بصعوبة وبألم. كأني بي حينها وأنا أعيش مشاعر مختلطة بين التوجع والعطش، أميل برأسٍ ولسانٍ ممدود تحت الفوّهة؛ وإبهامي الطري يضغط أعلى الصنبور النحاسي المدبب والعاري من غطائه.. تنزل القطرات كخيط نحيل أشرب منه ما أشرب ثم أتفرغ لحكّ إصبعي بباطن يدي المضمومة ونفضها في الهواء تخفيفا للألم.

وكان ذلك حال باقي الطلبة، حتى ترفّق بنا أحد الأساتذة الذي استصلح قطعةً بلاستيكية فغسلها وقصّها وهذبها إلى أن صارت أقرب ما تكون لهيئة غطاءِ أحد الصنابير. أذكر جيدا كيف تحلّقنا حوله في الاستراحة مترقبين وهو يضبط مقاس القطعة ومكانهامع عقارب الساعة وعكسها حتى استوت بحذر على النحاسة، فجرّبها بنجاح لنصفّق جميعا بعفوية فرحين بهذا الإنجاز.

أنا لا أذكر من كان بيننا من الطلاب يسرق الرؤوس أو من كان يتلفها، ولا أذكر بان طالبا رمى الاتهام على آخر، كما أني لا أذكر بأن أحدا منا نبّه غيره بضرورة الاهتمام بهذا الرأس البلاستيكي اليتيم. كنّا نقف في طابور منتظم عند هذه الحنفية فنضغط على رأسها الأخير بحذر جمّ، ويشرب أحدنا ما شاء الله له أن يشرب ثم يترك المكان لمن بعده بوقار، كمن يُدرك بأنها فرصته الأخيرة وعلينا جميعا بتواطئ سرّي غير مكتوب أن نحمي مورد الماء الوحيد في المدرسة. انتهى

يعرف كثير من الناس ممن جاوزوا مراحل متعددّة ومركّبة من حياتهم أنهم بلغوا العتبة التي يتعاملون عليها مع نسختهم الأخيرة من رؤوسهم. كسائق في طريق خارجية يحاذر في سياقته ألا يُتلف أحد إطارات سيارته؛ وهو يعلم أن لا بديل لها يحمله. سوف يكون عليه أن يبلغ غايته ومحطته الأخيرة بما معه. هل تراه يغامر؟! هل تراه يعمد إلى أحد الإطارات فيبقرها ليعلق في الصحراء لا هو ميّت فيكف عن المحاولة ولا هو يقود فيجتهد للوصول؟!

يقول قائل: قد نتمكّن -بدافع الحاجة- من صنع رأس حجرية نُمشّي بها ما بقي من الأيام والأهوال؛ بما يبقينا واعين ومدركين لما حولنا. فأقول: لكن من أين لنا أن نعرف حينها إن كان هذا الحجر المهذب والمرصوف بعناية فوق أكتافنا من تلك الحجارة المقدودة التي تشّقّق فيخرج منها الماء!

والسلام

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ماجد الصالح خليفات
ماجد الصالح خليفات؛ كاتب أردني في الموضوعات الإنسانية والأدبية، وحاصل على درجة البكالوريوس في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.