فكر قادة وأعلام مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

ناصيف نصار والاستقلال الفلسفي

سلسلة مفكرون عرب ٨

ناصيف نصار والاستقلال الفلسفي

بقلم: ا.د. علي المرهج

ناصيف نصار مواليد (1940)؛ حصل على شهادة دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة السوربون في فرنسا عام 1967، عن أطروحته المعروفة (الفكر الواقعي عند إبن خلدون). هو أحد المفكرين العرب المعاصرين الذي حاولوا أن يصنعوا لهم طريقة خاصة في التعامل مع الفكر الفلسفي.

نال جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس عام 1999.

شغل مناصباً عدة:

له مؤلفات كثيرة أهمها:

الفكر الواقعي عند إبن خلدون، وطريق الاستقلال الفلسفي، وكتابه في التربية والسياسة، والتفكير والهجرة، ونحو مجتمع جديد، ومفهوم الأمة بين الدين والدولة، ومقالة في الوجود، والأيديولوجيا على المحك، والنور والمعنى، وباب الحرية، ومنطق السلطة، وتصورات الأمة المعاصرة، والإشارات والمسالك.

حاول بناء وجهة نظر جديدة حول امكانية الوصول بالفكر العر بي المعاصر إلى مستوى الابداع، تجنب مشكلة الاشباع عن طريق نقد تاريخ الفلسفة، والتخلص من محاولة اعادة كتابة تأريخها الا لمفاهيم قديمة يمكن ان تخدمنا في عصرنا الحالي.

نقد نصار هذا أو النزعة النقدية التي يتسم بها فكر نصار ليست فقط لتأريخ الفلسفة بل تنسحب بدورها إلى نقد النظريات المعاصرة في العالم، معتمداً في ذلك مستفيداً بشكل أو آخر من تحليلية برتراندرسل وواقعية ابن خلدون.

كان محور دراسات نصار مرتكزاً بشكل أساسي على نقد الموضوعات التي تشكل المحرك التاريخي لفكرنا المعاصر، وهي الدين والسياسة والايديولوجيا، وهذا ان دل على شيء فأنما يدل على وعي نصار الكبير بالمعاناة الحقيقية للشعوب العربية. ذلك الأصلح فيها يجعلنا كعرب أكثر أمل في امكانية تغيير واقعنا. بل ويجعلنا أكثر امكانية في استعادة السؤال الفلسفي.

حاول نصار وانسياقاً مع دعوته إلى تأسيس فلسفة عربية معاصرة إظهار عقم النظرة الغيبية للواقع، ومن ثم نقد مقولات الاستبداد والقهر والمُلّك عبر تحليل علاقة السلطة بالفلسفة أو علاقة الايديولوجيا بالفلسفة، لأن نصار يجد في الفكر الايديولوجي العربي الحديث على إختلاف اتجاهاته معاناة في الطرح ومحاولة معالجة مشكلات ضامرة تبدو لنا وكأنها مشكلات أيديولوجية، ولكنها في أصلها مشكلات فلسفية، مثل: الحرية، والمساواة، والعدالة.

يحمل الفكر الأيديولوجي عنده يحمل مضموناً فلسفياً، فنجده يعم على الارتقاء بالفكر الأيديولوجي إلى مصاف الفكر الفلسفي، وتوسيع أفق المعرفة الأيديولوجية من نطاق الجماعة إلى النطاق المجتمعي، ومحاولة تحقيق غاية الفلسفة التي هي اليوم ليست البحث في فلسفة المعرفة والطبيعة فقط، بقدر ما هي محاولة تكوين نظرة عقلية أساسية في الوجود الإنساني.

تعتمد منهجيته على تبني التحليلية الذي ظهر لنا واضحاً في كتابه (الواقعية في فكر إبن خلدون) ومحاولته الكشف عن النزعة الاستقلالية والابداع والنقد والمشاركة في الفلسفة والتخلص من عقدة تأريخ الفلسفة والانسياق وراء النصوص بدلاً من نقدها وفحصها وقراءة المستتر أو السكوت عنه في هذه النصوص، من أجل كتابة نص جديد يكون اضافة تاريخية تغير الواقع الابستمولوجي والأيديولوجي في حاضرنا.

يعتقد (نصار) أن “كل نظام ايديولوجي يتضمن نواة فلسفية، هي بالنسبة إليه كالجذع بالنسبة للشجرة وعليه ليست لافلسفة شكلاً من اشكال الأيديولوجيا، وإنما هي المستوى النظري الاعمق فيها.. ومن جهة معكوسة لا يعني احتواء الأيديولوجية على مضمون فلسفي أنها شكل من أشكال الفلسفة، إذ ان الخصائص الرئيسة للروح الفلسفية تختلف عن خصائص التفكير الأيديولوجي، فاكتشاف طريق الاستقلال الفلسفي يستلزم النظر في التتابع الفكري الأيديولوجي، لأن الفكر الأيديولوجي يعبر إجمالاً من مشكلات التايخ الاجتماعي الحي بصورة عينية مباشرة، ولأنه يعتبر في بعض الاوساط الثقافية السياسية مغنياً عن الفلسفة، أو يعتبر هو إيهاها، بشكل أو بآخر، وليس معنى هذا ان نصار يريد دمج الأيديولوجيا بالفلسفة أو الفلسفة بالأيديولوجيا، بل هي محاولة منه إلى تأكيؤد إحتواء الأيديولوجيا دون محاولة رد الفلسفة للأيديولوجيا أو الأيديولوجيا إلى الفلسفة، لكنه يعتقد أن البحث عن العناصر الفلسفية في الأيديولوجيات أو الأيديولوجيا إلى الفلسفة، لكنه يعتقد أن البحث عن العناصر الفلسفية في الأيديولوجيا القومية يتوقف تماماً مع مقتضيات اشكاليتنا خاصة إذا عرفنا أن نصار يرى أن نهضة المجتمع لا تقوم إلا بثلاث مقومات أدركتها الأيديولوجيا القومية العربية وهي 1) المقوم الاقتصادي، أي الجهد الذي يبذله الانسن في سبيل تحصيل معاشه، 2) السلطة أو المقوم السياسي، أي السلطة التي تدير وتنسق وتراقب شؤون الجماعات والأفراد في سبيل تأمين مصالحهم الخاصة والعامة.

يدعو نصار إلى ضرورة قراءة تاريخ الفلسفة بما يخدم الإنسان في بناء موقف من هذا التاريخ. وبما يجعل هذه القراءة تتجاوز النظرة العقائدية والغيبية، والاشباعية للتأريخ، أي دعوة منه إلى النظرة العقلانية النقدية للتأريخ، لذلك نرى نصار على الرغم من موقفه مما يسميه عقدة تاريخ الفلسفة التي تصيب كتابنا العرب –فالعرب بالنسبة له مازلوا كتاب تاريخ وليس كتاب نص أو فاقدين أو محللين له- الا أننا نراه يرجع إلى دراسة قضايا الايديولوجيا والسياسة والفلسفة في الفكر القديم أو الحديث لكن من وجهة نظر خاصة تقيمية تجعل من المشكلة المدروسة ذات عبرة في حاضرنا ومستقبلنا، أي بما يخدم قضية الابداع التي يدعو لها. ومن وجهة النظر هذه أو الفارابي، ونتيجة لموقفه هذا من الفكر العربي الوسيط نراه يعتقد أنه عند “تحليل الواقع التاريخ للفكر العربي تحليلاً منهجياً موضوعياً نظامياً، نجد الفكر العربي الوسيط استطاع التحرك وتوسيع دائرة الوعي التاريخي.. والفكر العربي المعاصر عليه استيعاب تجربة الفكر التاريخي في العصور الوسطى والتقدم الذي حققه الفكر التأريخي الغربي بكيفية، يستطيع معها انماء الوعي التاريخي النظري بقوته الذاتية واعادة نوع من التوازن إلى حركة الفكر التأريخي العامة، وذلك باستيعاب حركة التاريخ ومحاولة الاستفادة من الغير لكن شرط أن نعرف هذا الغير، ظروفه وطبيعته وتاريخه وحركته العالمية فالمرحلة التأريخية الجديدة، عند نصار –التي دخل العالم العربي فها تتطلب أن يكون تحرك الوعي الفلسفي متجهاً في الوقت نفسه نحو الماضي ونحو المستقبل، إذ أن الواقع الذي ينبغي للوعي الفلسفي أن يعانقه هو الواقع المعطي والواقع المقبل.

حاول نصار من خلال فهمه لآلية العقل العربي عبر دراسته لموضوعات مثل القيم، والسياسة، والدين، ان يحدد مهمات ذلك العقل وخاصة العقل السياسي الذي يعده نصار العقل الحقيقي المتحكم فعلياً في حركة تاريخ الفكر العربي، وال1ي من الممكن سحب تأثيره إلى مستوى أعم، أي الارتقاء بالفكر الأيديولوجي إلى معاني الفكر الفلسفي حدد نصار تلك المهمات بنقطتين منسجماً مع منهجه، الأولى وهي التحليل والثانية هي النقد.

فعلى الرغم من أن “وضعية الفكر التأريخي الأيديولوجي في الثقافة العربية الذي يهمنا في الدرجة الأولى هو الفارق في نوعية تفاعل الفكر الأيديولوجي مع الفكر العلمي والفلسفي، ففي الثقافة العربية يبدو هذا التفاعل أضيق واضعف مما هو في الثقافة الأوربية”.

وهذا هو الذي جعل نصار يسعى إلى القول بضرورة التخلص من الموقف الاتباع التقليدي” ومحاولة نقد التصور الذي يمكن في التزام المفكرين العرب المعاصرين بهذا أو ذاك من المذاهب لذلك هو يرى في مرحلة ما يسمى بعصر النهضة هي تعبير عن جدلية التفاعل بين الفكر والواقع ذلك إن هذه النضهة ليست مجرد بعث لحضارة القرون الوسطى وليست من ناحية ثانية مجرد امتداد للحضارة الغربية المنقولة وإنما هي دخول العالم العربي في مرحلة تاريخية حضارية تميز جوهرياً بالتفاعل الجدلي المعقد الذي يجري فيها بين عالم الحضارة العربية الإسلامية معالم الحضارة الغربية العقلانية، والذي يكسبها طابعاً نوعياً خاصاً في التاريخ العام للحضارة الإنسانية

والحل الذي يراه نصار ناجحا وعلى الفكر العربي أن يطوره ويدعمه ويتوجه هو الحل العلماني المؤسس على الفكر القومي ذلك ان الاتجاه القومي العلماني عكس باقي الاتجاهات الفكرية.

لربما اتضحت كثير من شروط تحقيق الاستقلال الفلسفي من خلال الموضوعات التي تناولناها في المباحث السابقة –مثل المهج عند نصار ونظرته لعلاقة الفيلسوف بتاريخ الفلسفة بالايدلوجيا، واتضح لنا –حسب نظرة نصار- ان من يريد أن يكون متفلسفاً أو يبني فلسفة لها خصوصيتها، عليه ان يتخلص من عقدة تاريخ الفلسفة وأن يمارس النقد والتقييم على ما يقرأ وما يكتب وأن يعيش حياة مجتمعه وينظر إلى مشكلات المجتمع قبل أن ينظر أو يعيش مشكلات هي ليست من صميم معاناة المجتمع الذي ينتمي إليه. وهذه هي مهمة الفيلسوف الاجتماعي التأريخي الذي لا يحاول ان يعيش لذاته ويفكر بذاته بقدر ما يحاول “أن يفكر في الوجود الإنساني على الاطلاق” محاولاً في ذلك ان يتعقل الوجود والمجتمعات المحيطة به أو البعيدة عنه ساعياً إلى القبض على الكنه الذي في الظواهر والتحولات”، وبالتالي محاولته التخلص من كل التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للأيدلوجيا بمعناه الذي يبقيها محصورة في نطاق الجماعة وإخراجها إلى النطاق المجتمعي أو الاهتمام بالانسان الكلي “فالفيلسوف الاجتماعي التاريخي ليس بالضرورة معبراً عن وجهة نظر جماعة محدودة وتأثيره الفكري ليس محصوراً في نطاق الجماعة التي ينتمي إليها- كما هو حال الايديولوجي أو العصر الذي يعيش فيه، انه يتحرك ويبدع بقدر الاستطاعة على مستوى الإنسان الكي من حيث هو كائن اجتماعي، تاريخي، بدون انسلاخ عن المجتمع الذي يعيش فيه وعلى الرغم من الصعوبات الحقيقة التي يواجهها في الارتقاء إلى المستوى الخاص”.

ومن هنا كان معنى الاستقلال بصورة أدق المشاركة في تاريخ الفكر والابداع الذي “هو الايجاد دون مثال معين، فإذا تقيد فعل الايجاد بمثال كان تقليداً”، والمشاركة تقتضي الاستقلال والابداع لا يكون دون استقلال ومشاركة والاستقلال كما حدده نصار هو.

1) اتخاذ موقف من تاريخ الفلسفة والمساهمة فيه، وهذا أول شرط من الشروط المشاركة والابداع في الفلسفة والمساهمة الثورية في تغيير حياة الإنسان العربي في الداخل.

2) والاستقلال بهذا المعنى ليس إنطواء على الذات أو إنقطاعاً عن الآخر والاكتفاء بالنفس فالاستقلال من هذا النوع عند نصار يعني “الانتحار”.

3) فالمقصود بالاستقلال عند نصار هو “الاستقلال” السليم الذي يقدم على الانفتاح والتفاعل الدائم والمشاركة الايجابية، لكن إنطلاقاً من الذات، وهذا لا يعني عدم تقبل النظريات الفلسفية المطروحة من قبل الآخر، بل على العكس من ذلك فنصار ومثلما أوضحنا ذلك سابقاً يدعو إلى التفاعل مع هذه النظريات ولكن مع التأكيد على ضرورة إمتلاكنا للعقل المنطقي الذي يعتمد النقد والتحليل منهجاً ويأخذ بنظر الاعتبار الوضع السوسيولوجي الذي يعيشه مجتمعنا. فالباحث العربي الذي يسعى للتفلسف يجب عليه أن يستوعب اولاً أصول المشكلات المجتمعية الحضارية المتميزة عن سائر الوضعيات الحضارية الأخرى.

وأن يفهم ثانياً جدلية التفاعل بين التاريخ الحضاري العالمي فتأريخ الفلسفة، من حيث ارتباطها العميق بالمشكلة الأساسية في الوجود الإنساني، ويدخل الفلسفة في صميم الشعوب العربية.

لكي نحقق الاستقلال الفلسفي وما يتعلق به من مفاهيم مثل المشاركة والابداع والمساهمة، وكيفية السلوك لتحقيقها ينبغي علينا أن نلتزم بعد شروط وضعها ناصيف نصار، أول هذه الشروط، تحديد الغير الذي ينبغي أن يتم التفاعل معه، ومن ثم الشروط الخاصة بالفاعل معه، والغير الذي يعنيه نصار هو التأريخ الفلسفي بالمعنى الواسع، أي التفكير العقلي النظامي في مبادئ الوجود والمعرفة والعمل، في إطار حضارات ثلاث هي الحضارة اليونانية والحضارة الأوربية الحديثة والمعاصرة.

اما الشرط الآخر الذي يضعه نصار لتحقيق الاستقلال الفلسفي فهو رفض الانتماء إلى أي مذهب فلسفي، مهما كانت منزلته في تاريخ الفكر الإنساني، من حيث أنه غير نابع من داخل الوضعية الحضارية العربية الجديدة، وقيمة المذهب المختار تظل متوقفة على ما يدعمه من مشاركة وابداع من جهة المتبني… فموقف الاستقلال يعطيه حرية تجاه الاشكالية الت يبنى المذهب عليها وقدرة على استيعاب مضامينه استيعاباً نقدياً وعلى استخدامه في تلبية حاجاته النظرية، بصورة غير متوفرة في موقفه الاتباعي المنهجي، بمعنى ان المتبني لمنهج ما فإنه يضطر إلى التأويل والحذف لكي يجعل هذا المذهب متناسباً وحاجاته الاجتماعية.

من شروط تحقيق الاستقلال الفلسفي هو “تعيين المشكلة الرئيسة وتحديد طريقة معالجتها في علاقتها مع مشكلات رئيسة اخرى ومع المشكلات الفرعية التي تحتها”، إذ لا مبرر لرفض الانتماء إلى احد المذاهب الفلسفية الكبرى، لو لا وجود مشكلات فلسفية رئيسة، في وضعية حضارية جديدة تتطلب مواجهة ومعالجة متناسبتين مع ابعادها التاريخية والانسانية.

وأخيراً تستطيع تحديد مفهوم الاستقلال الفلسفي عند نصار في أنه يعني.

أولاً: فهم الذات من خلال الوعي بها والثقة بامكانياتها على الخلق والابداع.

ثانياً: الوعي بالمشكلات المحيطة بنا وذات المساس بوضعيتنا الحضارية التي نعيشها.

ثالثاً: قراءة النظريات والاطلاع عليها ومحاولة الانفلات من سيطرتها، والاستفادة من خزينها المفاهيمي بما يخدم عملية الابداع، وهذا لا يتحقق الا بامتلاك القارئ القدرة على التحليل والتقييم.

رابعاً: بناء علاقة جدلية بين الماضي والحاضر والفكر والواقع بما يخدم المستقبل الذي سيكون حاضراً واقعاً نعيشه أو يعيشه مجتمعنا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.