دين مختارات مقالات

منشأ النظرة الجزئية للدين

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي

ينشأ الدين، أي دين، نشأة كلية، بمعنى أن يكون واحدا لا أحزاب فيه ولا فرق ولا مذاهب أو طوائف ثم بمرور الوقت يتشظى إلى هذا كله.
في لحظة ما يقول الناظر لهذه الصورة الفسيفسائية إنَّ الاختلاف رحمة، والتنوّع ثراء، والخيارات المفتوحة أمام الفرد داخل المظلة الدينية الواحدة حرية؛ من لا يُعجبه هذا المذهب ينتقل للآخر، ومن يعترض على أفكار هذه الفرقة يقبل بأفكار تلك.. لكن بعد فترة، يدّب الصراع بين الجميع، وتكثر الاتهامات: هذه الطائفة انحرفت عن الطريق القويم، وهذا المذهب ابتدع في الدين ما ليس منه، وهذا ناقص الإيمان … وصولا إلى حد التكفير.
فما الذي حدث وأدى إلى هذه النتيجة؟ من أين نشأ ذلك التفرق المذموم الذي تسبب في تقزيم الدين وتمزيقه بين أتباعه؟
كانت البداية مع قناعة كل طرف بأن نظرته هي الأصح، ثم تحولت هذه النظرة إلى ما يشبه التيار الفكري الذي استقطب حوله الأتباع واستلزم الأمر بعدها تنظيما على هيئة حزب أو فرقة أو مذهب أو طائفة، وأصبح للقائمين على هذه الكيانات مصالح مادية ومعنوية في استمرارها وتعميق الاختلافات -التي يسمونها تميُّزًا- من أجل تبرير وجودها، وبمرور السنين تباعدت النظرة الكلية للدين الواحد وحلت محلها تلك النظرة التجزيئية وما أدت إليه من صراعات وعداوات فكرية وسلوكية.
فبعد أن كان الإسلام على سبيل المثال في العهد النبوي إسلاما واحدا لا مذاهب فيه أصبح لدينا عبر القرون “إسلامات” متعددة إن جازت التسمية: الإسلام السلفي، والإسلام الصوفي، والإسلام الجهادي، والإسلام بالطبعة الإخوانية والطبعة الطالبانية، والطبعة الداعشية، وإسلام سعودية بن باز وإسلام سعودية بن سلمان، وإسلام أردوغان، وإسلام الغنوشي، وإسلام الترابي، وإسلام البنا وسيد قطب والمودودي.. وهكذا، عشرات النماذج التي توالدت كالفطر عن إسلام هو في الأصل واحد، وكلٌّ منها يدّعي أنه الأدق فهما والأصوب طريقا، وإذا بك تبحث عن الإسلام الواحد الوارد إلينا من النبع المحمدي الصافي فلا تجده.
هنا نجد أن الإشكالية تكمن كما سبق القول في سيطرة التفكير الحزبي الطائفي المذهبي التنظيمي على عقلية المسلمين فنجم عنه ما سبق وصفه.
وما ينطبق على الإسلام في المثال السابق ينطبق على بقية الأديان. رأينا مثلا في المسيحية انقسامها إلى مذاهب ثلاثة، ثم انقسم المنقسم فظهرت عشرات الطوائف والفرق والكنائس، بعضها يعيش مع الآخر في وئام فيما يعيش بعضها الآخر في صراع وعداء وصل في فترات تاريخية إلى حد الاحتراب.
وخلاصة ما أود قوله أنَّ مجتمعاتنا سنظل تدور في نفس الدائرة من التشظي والانقسام والعداء الفكري والشعوري والسلوكي ما بقيت النظرة الحزبية التجزيئية المصلحية الضيقة للدين، وأنَّ المنظور الكلي الجامع لفهمه والعمل به هو المخرج والسبيل.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.