قصص قصيرة مختارات مقالات نصوص أدبية

أتساءل هل كان عامر حقاً ديكا؟ أم دجاجة؟

بقلم/ د. كفاح الغصين

فوجئت به بعد غيبة يبيع الديوك في سوق المخيم وأنا التي أختزل في ذاكرتي له أنه كان يبيع الدجاج والبيض البلدي، ومما اختزله له أن عامر هذا كان قليل حظ منذ مصغره.

قالوا أن والدته توفيت وهي نفاس، وأخوه لحق بها للدار الآخرة قبل الأربعين، وبقي هو تحت جناح والده الذي تزوج بامرأة أصرت على أن يتم تسليم عامر لعمته، بحجة أنه شقي وأنها صغيرة لا تستطيع رعاية طفل، وبعدما رفضت العمة الاعتناء به رغم وحدتها، تم تسليمه للملجأ.

كبر مع الأيام بحلوها ومرها، تأرجح على ذراع الوحدة كثيراً ولكنه بقي مؤدباً أميناً رغم الحاجة. مع الوقت أخذ شكله يقترب من شكل أبيه وملامح وجهه تستدير لتحاكي والدته. أسمر ذو أنف معكوف، طويل القامة دون فراغ، وعيون صغيرة حادة كالصقر، وملابس قاتمة لا نهار فيها، ومع الوقت أيضاُ نسيه والده، ونسي ان له ابنا لدى الملجأ. كبر واشتغل في النجارة ثم استقل واستأجر بيتاً من غرفة واحدة وفتح مشروع بيع الدواجن والبيض البلدي وأصبح له زبائنه الواثقين بأمانته وطرق الحب باب قلبه وعندما أصر والد الفتاة على ضرورة إحضار والده معه، وذهب يستجديه للحضور معه، لم يتمكن من الامتثال لرغبة ابنه خوفاً من الزوجة. وعندما علم والد الفتاة بظروفه وافق للحظة قبل أن ترفض والدتها رفضاً قاطعاً بحجة أنه ابن ملاجئ. وحينما تفشّت قصته في الحي، أصرت صاحبة الدكان أم حسن على طرده ورمي دجاجاته أمام الناس، وتكسير البيضات على المصطبة وهي تتمتم، أعوذ بالله وما أدراني أنك ابن حلال وأنت ابن ملاجئ..؟  رغم اعتراض زوجها ابو حسن..
أعاد علّي عامر قصته تلك باختصار موجع وأنا أكاد أصاب بالبكاء،  ولمّا لم أجد ما أقول، قلت مستظرفة، ولماذا تركت بيع الدجاج والبيض البلدي، وتبيع الديوك يا عامر؟ قال لي وكأنه يسخر من جهلي: “زوجة والدي كانت دجاجة، وعمتي كانت دجاجة، ووالدة الفتاة التي احببتها كانت دجاجة، وصاحبة الدكان القديم كانت دجاجة، جميعهن أثبتن لي أن الديوك تباع وتشترى لا الدجاجات…. غادرت محل عامر وأنا أنفض الريش من على كاهلي. وأتساءل هل كان عامر حقاً ديكا؟ أم دجاجة؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.