تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

الموريسكيون الأندلسيون

كتاب كل يوم جمعة (46) حكاية الأندلس الحزين (3/4) الموريسكيون الأندلسيون

الأسبوع الثالث من حكاية الأندلس الحزين، وبعدما استعرضنا تاريخه السياسي والإجتماعي في الأسبوع الأول، وتاريخ الفكري في الأسبوع الثاني، نقف هذا الأسبوع عن الكارثة التي لحقت بالمجتمع الأندلسي المسلم، أو المجتمع الذي عرف فيما بعد بالموريسكي، بعد أن أنقضت دولة الإسلام في الأندلس، وذلك من خلال كتاب (الموريسكيون الأندلسيون) لمؤلفته المؤرخة الإسبانية (مرسيديس جارثيا أرينال).

والكتاب ليس سرد تاريخي أو تحليل للوقائع كالمعتاد في المؤلفات التي تتناول موضوعات مشابهة، ولكنه عبارة عن مجموعة سبعة وعشرين وثيقة، بعضها وثائق مستقلة بنفسها كرسائل أو محاضر لمحكمة التفتيش، وبعضها نصوص مستلة من مصادر تاريخية إسبانية؛ ومن خلال هذه الوثائق يمكن فهم موقف مختلف الأطراف المساهمة في صناعة تاريخ المأساة المورسيكية، المؤسسة الحاكمة والكنيسة والنبلاء والعوام والموريسكيين؛ فهو إذًا ليس تأريخ، ولكن محاولة لاستكشاف مؤشرات عن صمود الاندلسيين ضد التغيير الممنهج للعقيدة والهوية.

ولذلك، فالكتاب ليس مقسم لفصول، ولكن لوثائق، وهذه الوثائق هي:

الوثيقة الأولى نص اتفاقية استسلام غرناطة بين ابي عبد الله الصغير وفيرناندو، وبصورة عامة تعتبر شروطها عادلة ومطمئنة بالنسبة للمسلمين، فقد ضمنت للمسلمين حرية العبادة وأمنتهم على أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم، كما ضمنت لهم استقلالهم التشريعي والقضائي، وأعفتهم من الخدمة العسكرية في الجيش الإسباني، وقد حرص المسلمون على أن تشمل هذه الضمانات اليهود من رعايا الدولة الإسلامية المهزومة.

الوثيقة الثانية نص مستل من أحد مصادر التاريخ الإسباني للمؤرخ بيرموديث يرصد فيه غدر الإسبان بالأندلسيين بعد استسلامهم، ودور الكاردينال ثيسنيروس في التحريض على انتهاك اتفاقية الاستسلام وتنظيم عمليات الاضطهاد الممنهج التي لم تقتصر على أبناء المورسيكيين فحسب، ولكنها كذلك طالت المساجد التي أمر بتحويلها إلى كنائس، وحرق الكتب العربية، وشرع في حمل المسلمين بالاضطهاد على الارتداد عن الإسلام، وهو ما أدى إلى اشتعال الثورة بين المسلمين، الثورة التي عرفت باسم ثورة البيازين، نسبة للحي الذي اندلعت منه الثورة.

الوثيقة الثالثة نص قصيدة استنجد بها شاعر اندلسي بالسلطان العثماني، وتشير إلى ما يعانيه المسلمين من الاضطهاد، وسفارة قايتباي سلطان مصر إلى ملك الإسبان ينذرهم فيهم سوء عواقب اضطهاد رعاياهم المسلمين.

الوثيقة الرابعة، وهي أهم وثائق الكتاب في نظري، وهي عبارة عن نص فتوى لمفتي مدينة وهران في الجزائر لمسلمي الأندلس، تبيح لهم الارتداد ظاهرًا عن دينهم، مع الحفاظ على الدين في القلب، وتبين لهم ما يجب القبض عليه من الدين، وما يجوز إخفاءه.

الوثيقة الخامسة، وهي نص مستل من مصدر تاريخي، يتضمن القوانين التي أصدرها الملك الإسباني التي تنظم طريقة معاش الموريسكيين، من ملبس ومأكل، وتحظر عليهم استعمال الأسماء الإسلامية والحمامات، وغير ذلك من القواعد التي تمنهج قمع المسلمين.

الوثيقة السادسة، وهي عبارة عن مجموعة من النبوءات بالإنتصار التي ذاعت بين المورسيكيين في هذا الوقت، تتعلق هذه النبوءات بجانبين، الجانب الأول سبب هزيمة المورسيكييون أمام الإسبان، وترجعه إلى ابتعاد المورسيكيين عن صحيح الإسلام؛ الجانب الثاني بشارة بنصر يأتي على يد جيش مسلم يأتي من خارج الأندلس؛ ويزعم من تداول هذه النبوءات إلى أن ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الوثيقة السابعة، نص قصير وهام مستل من مصدر تاريخي إسباني تتعلق بحرب البشرات، وهي الحرب التي اشتعلت بين مسلمي غرناطة والإسبان بسبب حملة التنصير الجبري لمسلمي المورسيكيين، وتبين هذه الوثيقة كيف انتصر المسلمين في البداية، والصراعات داخل الطبقة الحاكمة الإسبانية، وكيف أن هناك من نبلاء الإسبان الذين أرادوا ضمان حقوق المسلمين حتى يتمكنوا من دمجهم في المملكة الإسبانية والانتفاع من إمكاناتهم الثقافية وعلاقاتهم الاقتصادية بالمشرق الإسلامي وشمال أفريقيا بما يعين إسبانيا في التقدم في مشروعها كقوة مهيمنة على المسرح السياسي الأوربي، وكيف أن هناك من داخل البيت الحاكم من كان يشجب انجرار العرش وراء صليبيي الفاتيكان وتنفيذهم لسياسات هؤلاء المتعصبين التي أدت إلى الحرب، والتي كادت أن تعصف بإسبانيا ودورها كقوة أوروبية إذ تزامنت مع دخول العثمانيين جبهة الصراع في شمال أفريقيا، وانتفاضة هولندا على الحكم الإسباني.

الوثيقة الثامنة، مستلات من مصادر إسبانية تناقش حياة المورسيكيين وثقافتهم، وأهم ما يُفهم من هذه الوثائق أن المورسيكيين لم يكونوا جميعًا من أصول عربية أو أصول بربرية/أمازيغية، بل أن أغلبيتهم انحدروا من أصول ايبيريه اعتنقت الإسلام على فترات مختلفة بعد الفتح الإسلامي، وأن الألخميدو، اللغة العامية التي استخدموها وكتبوها بحروف عربية في فترة مبكرة ثم بحروف لاتينية بعد حملهم على التنصير، كانت خليط من العربية واللغات الايبيرية الأصلية.

الوثيقة التاسعة، عبارة عن صياغة شعبية لمعركة بدر ومعركة حنين كتبها أحد الشعراء الموريسكيين مستخدمًا لغة الألخيميدو، وكانت متداولة بين الموريسكيين علامة على احتفاظ هؤلاء بوعيهم الثقافي.

الوثيقة العاشرة، نص مستل من مصدر إسباني، يصف الشعائر الدينية للمسلمين الموريسكيين تحت الحكم الإسباني، وهذه الوثيقة مثل سابقتها تبين الجهد الهائل الذي بذله المسلمين ضد محو هويتهم.

الوثيقة الحادية عشرة، عبارة عن سجل محاكمة أحد الموريسكيين المتنصرين أمام محكمة التفتيش، وتبين كيف أن المورسيكي المتنصر يقع تحت طائلة المراقبة من قبل محكمة التفتيش والدولة وحتى جيرانه من المتعصبين، والذين يحصون عليك حركاته وسكناته ويفسرونها بما يحمله إلى محكمة التفتيش في النهاية.

الوثيقة الثانية عشرة، عبارة عن نص مستل من مصدر تاريخي إسباني يناقش التنصير الإجباري لمسلمي بلنسية/فالينسا، وكيف ارتبطت هذه الحملة بالصراع الاجتماعي في المجتمع الإسباني نفسه، بين الفقراء الذين ازدادوا فقرًا بسبب التضخم الناجم عن تدفق الذهب المسروق من أمريكا إلى إسبانيا، في الوقت الذي أثرى فيه النبلاء، والصراع السياسي بين النبلاء والملك والكنسية، الذي أدى إلى اندلاع حركة مسلحة من عوام الإسبان في بلنسية ضد النبلاء، سرعان ما تحولت إلى العدوان على المسلمين وإجبارهم على التنصر حتى يفقد النبلاء مصدر من أهم مصادر الدخل ممثل في الإتاوات المفروضة على أتباعهم المسلمين.

الوثيقة الثالثة عشرة، وتتضمن مرسوم التنصير الإجباري الصادر عام 1561، وما احتواه من تفاصيل لمراقبة تنفيذ المسلمين لهذا المرسوم، والطرق التي سوف يتم اتباعها لتعليم المسلمين الكاثوليكية، ومناهج تعليم الكبار واختلافها عن مناهج تعليم الصغار.

الوثيقة الرابعة عشرة عبارة عن سجل محكمة التفتيش حول قضية اتهم فيها نبيل إسباني من بلنسية بالعطف على المسلمين ومساعدتهم في بناء مسجدهم وإعماره، وسمح للمسلمين ممن يسكن إقطاعتيه باستخدام أسماءهم العربية جهرًا، وارتداء ملابسهم الخاصة وممارسة شعائرهم الدينية؛ وأهمية هذه الوثيقة أنها تبين مدى الخلاف بين الطبقة الحاكمة والكنيسة حول مسألة المسلمين الموريسكيين.

الوثيقة الخامسة عشر نص مستل من مصدر إسباني يبين رأي أحد الأساقفة الكاثوليك في مسألة الموريسكيين، أي أن هذه الوثيقة تتبنى موقف ورؤية مخالفة لرؤية النبيل الإسباني المذكور في سجل محكمة التفتيش المذكورة في الوثيقة السابقة، ومن خلال هذه الوثيقة يمكن أن نقرأ يأس الكنيسة من تنصير المسلمين الموريسكيين، وإصرار هؤلاء على الحفاظ على هويتهم برغم القمع الممنهج لمحاكم التفتيش وجلاديها، وتأصل روح المقاومة المسلحة في نفوسهم برغم هزائمهم المتكررة.

الوثيقة السادسة عشرة، وهي سجل آخر من سجلات محاكم التفتيش حول قضية موريسكي من بلنسية، وهو متهم ليس فقط بممارسة الشعائر الإسلامية سرًا مع أهل بيته، بل للدعوة للإسلام بين المسحيين الإسبان أنفسهم، وأهمية هذه الوثيقة لها وجهين، الوجه الأول إذ تقرأ من خلالها عن استمرار شبكة من الفقهاء في التدريس والإفتاء برغم القمع؛ الوجه الثاني أن هناك ثمة حوار بين المسلمين المورسيكيين والبروتستانت من أتباع لوثر أثناء احتجازهم في سجون محاكم التفتيش.

الوثيقة السابعة عشرة، وهي عبارة عن مستلات من تقارير سياسية تحذر من المورسيكيين وتحرض عليهم، نص مستل من تقرير لعسكري إسباني كان أسيرًا في تطوان، والنص الثاني مستل من ثبت محاضر اجتماعات مجلس نباء قشتالة، وتتهم الوثيقتين المورسيكيين بالتحالف مع أعداء الإسبان سواء العثمانيين أو مسلمي شمال أفريقيا، وهو مفهوم باعتبار جامعة الإسلام، ولكنها تتهمهم ايضًا بالتحالف مع الفرنسيين، وفي قسم أخر من هذه الوثائق مناقشة حظر على المسلمين ممارسة مهن الطب والصيدلة، ولكن في نفس الوقت يحذر من مغبة تنفيذ هذا الحظر لعدم وجود أطباء أو صيادلة بين الإسبان المسيحيين.

الوثيقة الثامنة عشرة، وهي عبارة عن نص قرار صادر عن محكمة التفتيش في أراغون يحظر على المورسيكيين حمل واستخدام الأسلحة النارية، إذ أن وجود هذه الأسلحة في أيديهم يشجعهم على إبداء مقاومتهم لأوامر السلطات ومحكمة التفتيش.

الوثيقة التاسعة عشرة، وهي عبارة عن نص مستل مصدر تاريخي كتبه قس إسباني يتعلق بوصف سياسات القمع والتنصير التي نفذتها السلطات والكنيسة ضد الموريسكيين، وأهمية هذا الوثيقة أنها سجل للأعمال الوحشية التي نفذت ضد المسلمين، والتي يرويها المؤلف بتقوى شديدة زاعمًا أنها أعمال مسيحية خيرة لإنقاذ المسيحية من شر المورسيكيين مرة وإنقاذ الموريسكيين أنفسهم من ضلالهم، فتبين إذا هذه الوثيقة العقلية الجاهلة والمتعصبة التي منهجت وشرعنت اضطهاد المورسيكيين.

الوثيقة العشرون، وهي تبين وجهة النظر المخالفة لسياسات الكنيسة ومحاكم التفتيش، وهي عبارة عن رسالة من نبيل إسباني لملكه، يحذر فيها من مغبة طرد المورسيكيين على المجتمع والاقتصاد الإسباني، ويقترح تبني سياسة مشابهة لسياسة العثمانيين تجاه رعاياهم من غير المسلمين، والتي تسمح لهم بشكل من أشكال الاستقلال الذاتي داخل الدولة يحفظ على أصحابها حريتهم الدينية ويؤمنهم في أرواحهم وأموالهم، وبذلك يمكن للدولة الإسبانية الاستفادة منهم في النواحي التي يبرعون فيها.

الوثيقة الحادية والعشرون، وهي عبارة عن برنامج أقرب أن يكون إلى برامج التصفية العرقية أو الطائفية في زماننا الحاضر، يرفعه أحد القساوسة إلى الملك الإسباني الذي كان قد عزم على طرد المورسيكيين، يؤيد قراره ويدحض حجج هؤلاء المعارضين للقرار والمحذرين من تبعاته الكارثية على الاقتصاد والنظام الاجتماعي.
الوثيقة الثانية والعشرين، وهي عبارة عن نص قرار الملك الإسباني القاضي بطرد المورسيكيين معلنًا فشله في تنصيرهم.

الوثيقة الثالثة والعشرين، وهي نص رسالة أقرب إلى شكوى رفعها أحد النبلاء الإسبان إلى الملك يعلمه فيها بالأذى والإجحاف الذي ينزله العوام بالمورسيكيين الذين يستعدون للجلاء من سرقة وعدوان، وتحريض الكنيسة للعوام على هذه الأمور مع ما فيه من إخلال بالأمن العام.
الوثيقة الرابعة والعشرين عبارة عن نص رسالة من مجلس مدينة مرسية للملك، تضم توصيات من النبلاء والقساوسة المحليين – والذين كانوا يعارضون مشروع التنصير الجبري – بوقف طرد المورسكيين من إسبانيا.
الوثيقة الخامسة والعشرين عبارة عن رسالة من أحد المورسيكيين من ملجأه في الجزائر إلى صديق له إسباني، ويظهر في هذه الرسالة أنه كان هناك ثمة مشاعر احترام وود بين المورسيكيين وجيرانهم الإسبان الأصليين، لم تغيرها أجواء الدعاية المسمومة لمحكمة التفتيش.
الوثيقة السادسة والعشرين، وهي عبارة عن تقرير رفعه الكونت سالازار، المشرف على ترحيل الموريسكيين، إلى ملكه يخبره بتعثر مشروع الترحيل، وأن كثير من الموريسكيين يعودون إلى موطنهم بعد ترحيلهم عنه، ويشكو فيه النبلاء المحليين ورجال الشرطة ويتهمهم بالتواطؤ مع الموريسكيين.
الوثيقة السابعة والعشرين، وتلقي إلى جانب سابقتها الضوء على مشكلة عودة الموريسكيين سرًا إلى بلادهم، وهي عبارة عن أحد سجلات محكمة التفتيش تحاكم موريسكي تم توقيفه بعد عودته للأندلس مرتين بعد الترحيل.

وبعد قراءة هذه الوثائق، يمكن أن نزعم أنه على الرغم من تهميش تاريخ الموريسكيين في التاريخ الأوروبي الحديث، إلا أن هذه الوثائق تبين تأثير الموريسكيين على الثقافة والاقتصاد الإسباني خاصة، وهو تأثير امتد في لحظات إلى فرنسا وإيطاليا وسويسرا، كما يلقي الضوء عن مؤثرات قد تكون قد لحقت بحركة الإصلاح المسيحي، ولن يكن دليلها الوحيد هو ذلك الحوار الموريسكي/البروتستانتي المذكور في احد هذه الوثائق؛ كما أن هذه الوثائق تهدم أهم فرية روجتها الكنيسة ومحكمة التفتيش بزعم أن الموريسكيين عرب أو أمازيغ، بينما تظهر هذه الوثائق أن غالبية الموريسكيين كانوا من أبناء شبه الجزيرة الايبيرية الذين تضرب جذروهم فيها إلى عصر هيمنة قرطاج على هذه البقاع، ولهذا السبب فإننا نلمح في كثير من مواضع هذه الوثائق تعاطف بعض العوام – خصوصًا في الأرياف – مع جيرانهم الموريسكيين؛ ولا ننسى أن نستكشف جذور الدعاية الفاشية وخداع وحشد الغوغاء التي استخدمتها الكنيسة لتعزيز سيطرتها على إسبانيا، وهي الجذور التي تلقي ثمارها في العالم إلى اليوم في طبعتها الجديدة المسماة الاسلامفوبيا.

في النهاية، يجب أن أشيد بالمترجم والمؤرخ جمال عبد الرحمن على ترجمته المتزنة والأنيقة للكتاب، هذه الترجمة التي تعتبر مثال على التعاون بين باحثين من عالمين مختلفين لإحقاق الحقيقة التاريخية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.