مقالات

أسطورة الدولة الإسلامية وأوهام العمل الجماعي لإقامتها

أسطورة الدولة الإسلامية وأوهام العمل الجماعي لإقامتها

بقلم: ا. محمد عبد العاطي

ثمَّة قاعدة في أصول الفقه الإسلامي تنص على أنه “ما لا يتم الواجب إلا بفعله، ففعله واجب”. ويضرب الأصوليون لذلك مثلاً بالقول: إنَّ حفظ النفس من التلف واجب، ولا يتم ذلك إلا بالأكل، على سبيل المثال، ففعلُ الأكل إذن هنا واجب شرعًا. هذه القاعدة اتخذتها بعض الجماعات الإسلامية طريقًا لإقناع من تستهدفهم بالانضمام إليها. فكيف يتم ذلك؟ وهل نتيجة هذا الأمر صحيحة أم أن المقدمات خاطئة وبالتالي فالنتيجة خاطئة ويصبح وجود تنظيمات إسلامية وشباب منظم أمور مؤسسة على قواعد هشة شرعًا وفكرًا وواقعًا؟

في البداية تتبع أغلب الجماعات الإسلامية الخطوات التالية لتبني قناعات فكرية لدى الفئات والأشخاص المستهدفين:
1. نحن متخلفون على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول والأمم والشعوب،
2. أجدادنا كانوا متقدمين وسادة الأمم،
3. كانوا كذلك لأنهم طبقوا الإسلام،
4. ونحن أصبحنا على ما أصبحنا عليه لأننا ابتعدنا عن تطبيق الإسلام،
5. الإسلام ليس عبادات في المسجد فقط وإنما هو منهج حياة يشمل الفرد والأسرة والدولة والمجتمع وصولا إلى العالم،
6. منهج الحياة الإسلامي يحتاج إلى دولة لتطبق شرع الله ويعيش المسلم في كنفها مطبقا للمنهج الرباني،
7. إقامة الدولة الإسلامية واجب شرعا من أجل تطبيق الإسلام وتنفيذ شرع الله،
8. هذه المهمة العظيمة لا يستطيع فرد القيام بها بمفرده ولابد من عمل جماعي،
9. العمل الجماعي واجب لإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة،
10. وما لا يتم الواجب إلا به ففعله واجب، إذن وجب عليك أيها الشاب أن تنضم إلى جماعة إسلامية وتكون في رقبتك بيعة وإلا أصبحت آثما ومت ميتة جاهلية.
هذه هي الخطوات العشر التي من خلالها تقنع الجماعات الإسلامية الشاب بـ”وجوب” الإنضمام إليها، و”إثم” من يتخلف عن ذلك.
فإلى أي حد جميع ما سبق صحيح؟
للإجابة عن هذا السؤال لابد من تفكيك المقولات الأساسية والكلمات المفتاحية الواردة في البناء الإقناعي السابق، وفي هذا الصدد لابد من أن يسأل الشاب نفسه قبل أن يعلن انضمامه إلى تلك الجماعات:
1. ما هو تعريف الدولة؟
2. ما معني الدولة الإسلامية؟ وكيف تكون إسلامية؟
3. هل يوجد نظام حكم في الإسلام لنقول إن هذا النظام إسلامي وذاك غير إسلامي؟ هل جاء الإسلام بنظام حكم؟ بنظرية في الحكم؟ أم بمجرد وصايا وقيم عامة كلية توصي المؤمنين بالشورى والعدل في إدارة الشأن العام؟
4. إذا كان الإسلام لم يأت بنظام محدد للحكم، وكل ما في الأمر مجموعة من القيم الكلية العامة التي ينادي بها البشر أينما كانوا وأيًّا كان دينهم حينما ينظمون شؤونهم على قاعدة من الشورى والعدل والإنصاف، وأن القرآن ترك التفصيلات لمتغيرات الزمان والمكان في كل عصر ولتراكم خبرات الإنسان، إذا كان الإسلام (القرآن) قد فعل ذلك وأنه لا يوجد نظام للحكم، فما معنى الحكم الإسلامي، ما معنى الدولة الإسلامية “الواجب” قيامها، وما معنى أن الانخراط في عمل جماعي “واجب” لإنجاز هذه المهمة الكبيرة؟ وهل القاعدة الأصولية سابقة الذكر (ما لا يتم الواجب إلا بفعله، ففعله واجب) صحيحة حينئذ للاستدلال بها والاستناد عليها؟
أيها الشباب، ليس في الإسلام نظاما للحكم، قولا واحدا، ومن ثم لا يوجد شيء اسمه دولة إسلامية، وإنَّ كل ما فيه قيما كلية عظيمة الشأن مثل العدل والحرية والرحمة والمساواة، وهو في هذا لا يختلف عن بقية أديان العالم التي تدعوا للشيء نفسه، وأن الخلل الذي نراه ونعايشه في هذه النواحي ليس معناه أن علاجه بإسقاط هذه الدول وإقامة دول إسلامية، فهذا وهم في وهم.

حينما نظم الرسول شؤون أتباعه في المدينة فإنه اهتدى بخبرته البشرية وقد ساعده في ذلك الوحي ببعض الآيات التي تنظم شؤون جماعته الدينية وفق القيم الكلية سابقة الذكر، وإن الخلفاء من بعده وبخاصة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي قد اجتهدوا رأيهم وكانوا قريبين من قيم الإسلام الكلية، ثم جاء معاوية ومن بعده على امتداد القرون فكان قليل منهم قريبا من القيم الكلية الإسلامية وأغلبهم حكم حكما بشريا كثرت فيه كل أنواع مساوئ الحكم المعروفة قديما وحديثا.

أيها الشاب إنَّ إصلاح دولنا لتكون ديمقراطية تشيع فيها الحرية والعدالة وحسن توزيع الثروة، وإن التقدم في الزراعة والصناعة والتجارة والعلم والتكنلوجيا… أمور لا جدال فيها لكن تحقيق ذلك لا علاقة له بأطروحات الجماعات الإسلامية ومقولاتهم وأساليب تجنيدهم، وهم مدعوون لإحداث مراجعات عميقة على مستوى الفكر والمنهج، فلا تأخذك العاطفة الدينية وأنت في عمر الشباب وتُغيِّبُ الوعي وتتخلى عن العقل النقدي وتتوقف عن طرح الأسئلة سابقة الذكر لتصل بنفسك إلى القناعات التي ربما تخالف ما أقوله الآن، لكن لابد أن تتوقف لتسأل السؤال الصحيح وتحصل على الجواب الدقيق قبل المضي في طريق ربما يوصل إلى تيه قد لا تستطيع أن تخرج منه.

هذه دعوة صادقة ليس وراءها منفعة ولا تعصب فكري أو أيديلوجي، ولكن خلفها الحب الصادق وأمانة الكلمة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.