تاريخ مختارات مقالات

الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي

الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي

بقلم: ا. رشا صالح

بعد استشهاد عماد الدين زنكي تم تقسيم ملكه علي ابنيه الأرشدين سيف الدين غازي الذي تولي حكم الموصل ومايليها ونور الدين محمود الذي تولي حكم حلب ومايليها وكان أكثر ابناء زنكي نجابة وتدين .

حلم نور الدين بتحرير بيت المقدس وبلاد الشام كلها من الوجود الصليبي ولكن أحاطت به العراقيل علي جميع الأصعدة فقد كانت بلاد الشام مبعثرة تحت حكم أمراء كثر وحتي جهود أبيه أصبحت في وضع قلق بعد تقسيم ملك أبيه بينه وبين شقيقه ،وأمراء الشام كان منهم من يتعاون مع الصليبين ويتحالف معهم مثل معين الدين أنر في دمشق (يطبع العلاقات بمصطلح العصر ) ومنهم من يهادنهم ويهاودهم كآل منقذ في شيزر ،وعسقلان سقطت في أيدي الصليبين فأصبحت عيونهم ترنو إلى مصر التي كانت تحت الحكم الفاطمي الذي يعاني من التفكك والتدهور والحشاشون يثيرون الفوضي وهم فرقة من الشيعة الاسماعيلية تقوم بالاغتيالات السياسية لكبار رجال الأمر والنهي سواء من الجانب الصليبي أو من الجانب السني والهدف الظاهر إضعاف الجبهتين أما الباطن فهو إضعاف المقاومة ضد الصليبيين .

ولكي يحقق حلمه لابد من تعزيز الجبهة وتوحيد الصف الذي لا يمكن أن يكون بدون إصلاح الداخل أولا فبدأ بمقر حكمه ..حلب .

العدل أساس الملك ..

في وضع مضطرب وعدو علي الأبواب يقوم بحملة صليبية ثانية أكثر عدة وعتاد من الحملة الصليبية الأولي وخريطة سكانية متباينة ربما يظن الحاكم أن السبيل لإرساء الأمن هو استخدام الشدة وإلجام الأفواه لكن السبيل الوحيد لتحقيق السلام والأمن هو العدل، فحينما قيل لعمر بن عبد العزيز ..الناس تمردت وساءت أخلاقها ولا يقومها إلا السوط ،قال كذبتم فإنما يقومها العدل والحق .

كان نور الدين يعقد مجالس العدل بنفسه ويجعل يوم الثلاثاء للجلوس بالمسجد ليصل إليه كل الناس بلا تفرقة. كما أنه بني دارا للعدل يحضر بها مرتين بالأسبوع ومعه القاضي والفقهاء وكان محبا لفعل الخيرات مقتصدا في الإنفاق علي نفسه وعياله وكان ينفق من ماله الخاص ويسكن غرفة اشتراها من ماله حتي قيل أن أدني الفقراء في عهده كان أعلي نفقة منه وبني بيرامستانات لم يبن مثلها في الشام من قبل وكان رحمه الله متتبعا لآثار النبوة فلم يسمع منه كلمة فاحشة قط وكان صموتا وقورا فأحبه أهل حلب التي أصبحت مثالا يتمناه أهل الشام كما كان من أهل دمشق بعدما ضاقوا زرعا من ظلم معين الدين أنر .

ثم استمر في خطة توحيد الجبهة ولكن بطرق إصلاحية قبل الشدة حتي لا يوغر الصدور ويزيد أعداؤه أعداءً آخرين
فسعي لتوحيد المناطق المتاخمة للوجود الصليبي مع ضم المقاطعات المهمة مثل دمشق كما ذكرنا وكان قد تزوج من ابنة معين الدين أنر لتخفيف وطأة الأمر علي أبيها ودخل شيزر وملكها بعد فناء آل منقذ في زلزال قضي عليهم وبعد وفاة أخيه سيف الدين حدث نزاع علي الحكم في أسرة أخيه فتدخل لتسوية النزاع مع شرط تبعية الموصل له فكان يقر الحاكم علي امارته مع تبعيته له أو يقطعه منطقة اخري وبذلك تم له ما أراد فاستطاع التصدي للصليبين وضم الكثير من القلاع وثبت حكمه بالرها وأسر جوسلين الثاني حاكمها الغابر ثم توجه إلي انطاكية وقتل حاكمها ريموند دي بواتيه الذي تزوجت ارملته برينو دو شاتيون (الشيطان )
وبذلك تم حصر الوجود الصليبي علي الشريط الساحلي وفي بيت المقدس فقط ثم لاح النزاع في مصر علي الوزارة فأرسل إليها أسد الدين شيركوه وبصحبته ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي واستطاع بأسلوب غير قائم علي العنف ضم مصر وإنهاء العصر الفاطمي بها بمساعدة صلاح الدين و إنقاذها من العدوان الصليبي .

ثم قام بتوحيد المذهب السني في البلاد مع اعطاء المذاهب الأخري كامل حريتها .
وأنشأ مدارس للتعليم ودور للحديث وأمر النجارين بإعداد المنبر الذي تمني أن يخطب من فوقه بالمسجد الأقصى
ولكن وافته المنية رحمه الله أثر مرضه بالحمي قبل أن يفتح بيت المقدس كما تمني ..

وجمع رحمه الله غبار المعارك التي خاضها وصنع منها لبنه وصي بأن توضع تحت رأسه في القبر .
وكان من عدله وصلاحه يعده الفقهاء سادس الخلفاء الراشدين ..رضي الله عنه وأرضاه .
ولم يستقر الحكم لبنيه من بعده ولا أري المنع من الملك نقمة. فلعل ذلك كان وزرا يحمله أبوهم معه في قبره .
وخلفه من بعده صلاح الدين الأيوبي لإكمال مشروعه واتمامه .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.