سياسة مختارات مقالات

إما “أنا” أو “الفوضى”!

بقلم/ أ. هبة داودي

خير الرئيس الامريكي الجمهوري دونالد ترامب، الناخب الأمريكي، بينه وبين الفوضى التي قد تأتي بعده، في حال استبعد “الفيل” واعتلى “الحمار” عرش البيت الأبيض.. وذلك ردا على اصابع الاتهامات التي وجهت إليه من قبل الديمقراطيين، الذين لم يتوانوا في وصفه بالزعيم الفوضوي وغير الأمين.
وبمثل ما فعل الديمقراطيون، راح ترامب يؤكد أن هؤلاء، وفي حال وصول مرشحهم لرئاسيات نوفمبر المقبل إلى كرسي البيت الأبيض، “لن ينعم أحد بالأمان في الولايات المتحدة”، مستدلا بما يحدث من فوضى واعتداءات وجرائم، في تلك الولايات التي يديرها حكام ديمقراطيون، على غرار شيكاغو، مينيابوليس، وحتى نيويورك وفيلاديلفيا.
وفيما أكد المرشح الديمقراطي جو بايدن أن “الرئيس الحالي أغرق أمريكا في ظلام طويل جدا.. في غضب شديد جدا.. في خوف بالغ جدا.. في انقسام قوي جدا”، رد ترامب بأن المؤتمر الذي عقده خصمه يعد “الأشد ظلاما وغضبا وكآبة في التاريخ الأمريكي”.
الأكيد أن ما اتفق عليه المرشحان الخصمان، سواء “الفيل” أو “الحمار” هو كلمة واحدة تتمثل في “الظلام”، لكن ذهب كل منهما ليكيل التهم للآخر، في محاولة لاستمالة الناخب الأمريكي كل إلى كفته.
ومع اقتراب موعد الرئاسيات الأمريكية، فإن تصاعد الحرب الكلامية بين مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن، ومرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب، يا جليا، مع استعمال كلاهما عبارات قاسية في حق الخصم، إذ صعّد الرئيس الأمريكي هجومه ضد خصمه نائب الرئيس السابق في إدارة أوباما، وأيضا ضد نائب المرشح الديمقراطي كاملا هاريس، التي وصفها ب “أكثر أعضاء مجلس الشيوخ وضاعة وفظاعة”، وأنها كانت مناوئة لبايدن، في سعي من ترامب للاستثمار في الانقسام الذي برز في أعقاب اختيار هاريس داخل البيت الديمقراطي، فيما استثمر خصومه الديمقراطيون في تصدع داخل الصف الجمهوري، والذي برز في دعوة مجموعة منهم إلى عدم التصويت للرئيس الحالي دونالد ترامب، وتأييد مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن، وحضورهم في المؤتمر الوطني للحزب.
وعلى غرار حملة رئاسيات 2016 ،فإن الحملة الرئاسية الجديدة لا تخلو من الضرب تحت الحزام بين الخصوم السياسيين، ففيما صورت الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خصمه جو بايدن بأنه الرجل المسن الضعيف ونعتته بالسياسي الميت الذي أنهكته الشيخوخة، صعد بايدن من انتقاداته حيال الرئيس المنتهية ولايته، متعهدا بأن يكون “حليفا للضوء لا للظلام، وانه يختار الأمل لا الخوف، الحقائق لا الخيال، والعدالة لا الامتيازات”، في ايحاء لفترة التناقضات التي عاشتها الولايات المتحدة طيلة عهدة ترامب، كما هاجم المرشح الديموقراطي للانتخابات الرئاسية جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، الرئيس دونالد ترامب، واصفين اياه ب”المتذمّر” والزعيم غير المؤهل، الذي ترك الولايات المتحدة “في حالة يرثى لها”.
ويسعى السياسي المخضرم جو بايدن الى الاستثمار في أخطاء ترامب السياسية، واستخلاص دروس الهزيمة التي لحقت بهيلاري كلينتون، في وقت كانت عمليات سبر الآراء تتوقع فوزا عريضا لها، امام الملياردير المغمور سياسيا دونالد ترامب، ومن ثم الابتعاد عن حالة الاستقطاب المرتبطة بهيلاري كلينتون والتي ساهمت سلبياتها في انتزاع ترامب فوزه غير المتوقع عام 2016.
كما نجح بايدن نسبيا في التخفيف من حدة المعركة الأيديولوجية داخل الحزب الديمقراطي، واستطاع الوصول إلى اتفاق مع بيرني ساندرز دون تقديم الكثير من التنازلات باتجاه اليسار، فلم يصل إلى حد تقديم وعود بنظام رعاية صحية شاملو أو صفقة خضراء جديدة، بخصوص التغير المناخي، وتفادى قضايا تثير الاستقطاب كإلغاء وكالة إنفاذ قانون الهجرة والجمارك أو وقف تجريم عبور الحدود دون تصريح.
بالمقابل، فإن الرئيس دونالد ترامب يسعى الى استيعاب وامتصاص الصدمات، لاسيما تبعات أزمة مقتل الشاب الأمريكي ذو الأصول الأفريقية جورج فلويد، وارتداداتها، وادارة الأزمة المتعلقة بجائجة كورونا وانعكاساتها الاقتصادية، إلى جانب الجدل القائم بخصوص صدور كتابين في وقت متزامن تقريباً، يتناولان حياة ترامب وكيفية اتخاذ قراراته، من جانب ابنة شقيقه ماري ترامب، ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، واللذان صدرا بعد اتهام ترامب بالتقصير في مجابهة وباء كورونا، واتهامه بانتهاج سياسات عنصرية ضد السود والأقليات في أمريكا، والتبجح بمبدأ تفوق العرق الابيض.
ويعكف دونالد ترامب على استغلال تناقضات خصومه الجمهوريين، وضعف آداء الخطاب السياسي لبايدن، لدعم موقعه المهزوز ،فإلى جانب مواصلة توجهاته السياسية الاستعراضية على غرار مشروع حائط الفصل على الحدود مع المكسيك، وحربه التجارية مع الصين، وعقوباته المتوالية ضد روسيا والصين وايران، فإنه استثمر بقوة في اتفاق “السلام” بين الكيان الصهيوني والامارات العربية، التي سيقوم بترسيخه بعد أيام بالولايات المتحدة، ولكن أمام تعدد الأزمات، تجد حملة ترامب صعوبة بإلصاق تهم كثيرة بالخصم مع تركيز الهجوم على بايدن، على محاولة تصويره كشخص غير قادر على التركيز، بسبب نسيانه وتلعثمه وكبر سنه والتشكيك بقدراته العقلية أو بقربه من الصين.
وبغض النظر عن عمليات سبر الآراء التي تعطي الأسبقية لمرشح الديمقراطيين، فإن 2020 ليست على شاكلة 2016، ففي عام 2016، حين فاجأ ترامب الكثيرين بفوزه في الانتخابات، ففي 2020 تبدو الصورة مختلفة، خاصة وأن الأمريكيين خبروا ادارة وتسيير ترامب، ولم يعد هذا الأخير ذلك المغمور المجهول سياسيا.
أما من جانب الحزب الديمقراطي، فانه لا يعاني الانقسام الذي عاناه في 2016 بين هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز، إذ اصطف الحزب تقريبا خلف بايدن، لمقارعة ترامب، رغم التحفظات التي برزت مع اختيار نائب الرئيس، وفي عام 2016، عانت كلينتون من قضية الاعتداء على السفارة الأمريكية في بنغازي الليبية، وتسريبات رسائل بريدها الإلكتروني، لكن حاليا لا توجد أي ملفات تطال بايدن، رغم محاولات ترامب في بداية الامر، أين عمل الأخير على الضغط على رئيس اوكرانيا، مستخدما صلاحياته كرئيس، من أجل الحصول على معلومات تضر منافسه جو بايدن وابنه هانتر. لكن هناك قضايا ساخنة لترامب، من أبرزها الكتب التي تطاله وطريقة حكمه وملف الضريبي فضلا عن إدارته السيئة لعدة ملفات، والتي قد تكلفه غاليا،خاصة مع تعدد خصومه فترامب دخل في خلاف مع خط الوسط داخل حزبه الجمهوري، ومع المحكمة العليا، ومع الكونغرس على خلفية عدة ملفات ومع حركة “بلاك لايفز ماتر”، ومع تيار من الأطباء الذين ينذرون بموجة ثانية لكورونا.
ومن أبرز تجليات هذه الأزمة أن يمنع الاتحاد الأوروبي دخول الأمريكيين بسبب أرقام كورونا، وهو مؤشر على حجم أزمة الولايات المتحدة.
وبعيدا عن استطلاعات الرأي العامة، فإن النظام الانتخابي الامريكي يركز على المجمع الانتخابي، وكبار الناخبين، وعلى تأرجح ولايات حاسمة تتمثل حاليا في فلوريدا وكارولينا الشمالية في الجنوب، وأريزونا في الغرب، وأوهايو وويسكونسن في الوسط، وبنسلفانيا وميشيغان في الشرق، وقبل أقل من 90 يوما عن التصويت، تعطي الاستطلاعات تقدما لبايدن في جميعها، ما عدا أوهايو، على خلاف سنة 2016، وهو مؤشر على أن المسارات تغيرت وبوصلتها تتجه اكثر باتجاه “الحمار” على حساب “الفيل”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.