سياسة مجتمع مختارات

الطبقة السياسية والخلاص الفردي

الطبقة السياسية والخلاص الفردي

بقلم: ا. عدلي صادق

مثلما لكل ظاهرة أسبقيات؛ فإن هرولة طيف من القيادات الفلسطينية الى جواز السفر التركي؛ قد سبقتها مكابدات وتوسلات بائسة، من قادة الطيف السياسي الرسمي، للاحتفاظ بجواز السفر الأردني والأرقام الوطنية الأردنية. فالظاهرة، قديمها وجديدها، تفتح باباً للسؤال عن مدى ثقة القائمين على المشروعات السياسية، برمزيات وعناوين هذه المشروعات، سواء كانت في جوازات السفر أو محال الإقامة. منذ البداية، استنكفت رموز السلطة، عن استخدام جواز السفر الفلسطيني وجعلوا الإحتفاظ به، من باب المقتنيات التذكارية. وكان طبيعياً أن يتمسك قطاع معتبر، من المواطنين الفلسطينيين في الضفة، بجنسياتهم الأردنية، فيغادرون ويعودون بتصاريح. فإن كان القائمون على المشروع السياسي الفلسطيني، والذين استصدروا جوازات سفر ديبلوماسية فلسطينية حمراء، لا يثقون بجدوى وثائق سفرهم، فتجدهم عندما يصلون الى الجسر يستخدمون جوازات سفرهم الإردنية العادية؛ فكيف ولماذا يغامر المواطن العادي بجواز سفره الأردني؟!.

قيادة السلطة التي تنّعمت وتفخمّت في حياتها، باسم المشروع الوطني الفلسطيني، لم تبذل أي جهد ديبلوماسي لدى الحكومات العربية لكي تمنح جواز السفر الفلسطيني مزايا جواز سفر بلدان آسيا وإفريقيا. فخلال كل المباحثات وعلى مستوى كل المنابر، لم يخطر ببال قيادات الخيبة، طرح مسألة واحدة تتعلق بالحقوق الإنسانية للناس لدى الأشقاء والأصدقاء. فإسرائيل المحتلة نفسها، أتاحت أيام احتلالها المباشر، مجال الحركة في أوروبا للطلاب والمواطنين، وأصدرت لهم وثيقة أطلقت عليها إسماً باللغة الفرنسية بمعنى “دعه يمر”. ثم إن السلطة، أهملت عن قصد، المطالبة بتطبيق أوسلو نفسها في الشؤون المتعلقة بحركة السكان.

كان صائب عريقات يردد “لقد أدينا ما علينا وفق خارطة الطريق” ويقصد بذلك الإشتراطات الأمنية، لكنه لم يطلب بالمقابل، ولا مرة واحدة، عودة خطوط انتشار جيش الإحتلال في الضفة الى ما قبل أكتوبر العام 2000 ولم يطالب بعد أن “أدت السلطة ما عليها” بما تقرر في أوسلو وهو أن الضفة وغزة وحدة جغرافية وسياسية واحدة، لذا لم يعد يستطيع المواطن الفلسطيني من غزة الوصول الى الضفة ولو عن طريق الأردن، علماً بأن هذا منصوص عليه في الإتفاق المشؤوم. لذا بات المواطن من غزة، يحتاج الى تصريح أمني استنثنائي، للوصول الى الضفة!

في لقاءات عباس الطويلة مع أولمرت في بيته، وكان الأخير رئيساً لحكومة الإحتلال، لم يخطر في ذهن فخامته أن يطالب مضيفه بشيء إنساني بسيط، وهو رفع القيد عن إصدار بطاقات الهوية لأبناء غزة الذين وصلوا اليها من الخارج بتصاريح زيارة، بعد أن تقدم بهم العمر، ولم يعد هناك مكان يعودون اليه. فأبناء هؤلاء وأحفادهم، لا يستطيعون حتى الأن الخروج، لأن المولود الفلسطيني لا يُسجل كمولود له حقوق المواطنة، ما لم يدخل السجلات الإسرائيلية، وهذا نوع من السفالة الإحتلالية التي لم يتكرم عباس بالإشارة اليها في لقاءاته مع أولمرت، بعد خروج قوات الإحتلال من غزة. كذلك لم يكن هناك أية محاولة، لإبلاغ العديد من الدول العربية، أن جواز السفر للاستعمال الخارجي لتسهيل حياة العالقين الفلسطينيين في الخارج، قد صدر بموافقة الإتحاد الأوروبي، لكي تتعامل معه الدول الشقيقة. فلا تزال بعض الدول العربية لا تعترف به، رغم أن إسرائيل نفسها لم تعترض عليه، وهذا موضوع كان يستحق المعالجة ولم يعالجه أحد.

في مدينة بيت لحم، فوجيء زائرو المدينة لحضور المؤتمر العام السادس لحركة فتح في أغسطس 2009 أن كل الكتيبات والخرائط والبطاقات التي تعرضها محال التذكارات في ساحة المهد، تتحدث عن بيت لحم باعتبارها مدينة إسرائيلية. أي إن السلطة، بوزارات الإعلام والسياحة والأوقاف والخارجية لم تفطن خلال 16 سنة الى ضرورة اعداد كتيبات وبطاقات وخرائط بديلة تعطي للمدينة صفتها الفلسطينية، بحكم أن أوسلو الخائبة المخادعة نفسها، تقول إنها مدينة فلسطينية.

اللافت أن هؤلاء الذي سجلوا كل مواقف الإستعلاء على الرمزيات الفلسطينية، يلعبون كالممثلين أدوار المتفجعين على التطبيع العربي مع إسرائيل، وهم متخلفون عن التطبيع مع فلسطين نفسها، والدلائلا كثيرة على مستوى جوازات السفر وكتيبات بيت لحم، واليافطات على الطرق من جنوبي الضفة الى شمالها.

كان إهمال الخدمة السياسية والديبلوماسية المخصصة لتعزيز فاعلية جواز السفر الفلسطيني على المستوى العربي، سبباً في اضطرار الناس الى البحث عن الحقوق الدستورية لأمهاتهم في بلدان أخرى، للحصول على جنسيات عربية، أو اضطرارهم للهجرة بحثاً عن جنسيات أجنبية، تستقر من خلالها الحياة المدنية لأسرهم، بل تسهل على الأسر التحرك حتى في الأقطار العربية. إن هذا هو أحد وجوه الخيبة السلطوية الفلسطينية، التي فتحت الباب واسعاً للإنسان الفلسطيني، لكي يركز على خلاصه الفردي.

فإن كان أول ما يقوم به صاحب المسؤولية، هو تأمين ما لا يحتاجه من الخلاص لأسرته وأولاده وأحفاده، فلماذا لا يأسف الحزانى لعجزهم عن الحصول على الشيء نفسه؟!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.