تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

تاريخ الفكر الأندلسي

كتاب كل يوم جمعة (45)

حكاية الأندلس الحزين (2/4)

تاريخ الفكر الأندلسي

بقلم: د. وسام محمد

إذا كان الأندلس كمجتمع مسلم قد أنتهى تاريخه بالمأساة المعروفة، وأمست دولته أثرًا بعد عين، فإن إرثه الفكري والعلمي لا يزال حيًا وحاضرًا ومؤثرَا إلى الساعة، وهو الأمر الذي استرعى اهتمام العلماء والدارسين من العرب وغيرهم، فتعهدوا هذا التراث بالدراسة والبحث، وهي مهمة شاقة عسيرة، فالأندلس كان بيئة مبدعة محفزة على الإنتاج، فارتاد ابناءه كافة نواحي المعرفة، وأبدعوا فيها بحثًا وتصنيفًا وتأليفًا، وتركوا مكتبة أندلسية ضخمة.

وإذا كنا بدأنا سلسلتنا عن حكاية الأندلس الحزين بكتاب استعرض التاريخ السياسي للمغرب والأندلس باعتبار الارتباط التاريخي بين القطرين، كتاب أوجز لنا قصة الأندلس من المبتدأ للمنتهى، فإننا اليوم نقدم كتاب يخوض في بحار العقل الأندلسي مستكشفًا قصة الفكر في ذلك القطر، وهو كتاب (تاريخ الفكر الأندلسي) للمستشرق الإسباني (آنخل جونثالث بالنثيا)، والذي نقله إلى العربية (حسين مؤنس).

الكتاب في خمسة عشرة فصلًا، الفصل الأول وعنوانه (مقدمة تاريخية)، ويتتبع المؤلف خلاله التطور السياسي والاجتماعي في الأندلس، وأثر هذا التطور على الحياة الفكرية، ثم يبدأ في تتبع الفكر الأندلسي في الفصل الثاني وعنوانه (الشعر)، وهو البداية المنطقية لدراسة الفكر العربي، فالشعر ديوان العرب، ويقدم هذا الفصل بنبذة عن الشعر العربي في الجاهلية وصدر الإسلام، ثم تلك الخصائص التي انفرد بها الشعر الأندلسي، قبل أن يبحر حول عالم الشعر الأندلسي في المراحل التاريخية وبين أقاليم الأندلس المختلفة، منهيًا الفصل بنبذة عن الشعر الدارج والموشحات؛ ومن الشعر إلى الأدب وهو عنوان الفصل الثالث، وفيه يعرف الأدب المعني في هذا الفصل باعتباره الكتابة النثرية في اللغة والنقد كأمالي أبي علي القالي، وفي الارشاد كالعقد الفريد، والقصص كمقامات الحريري؛ ويأتي الفصل الرابع متممًا لدراسة الفكر اللغوي في الفصلين السابقين عليه، وعنوانه وموضوعه (النحو ومعاجم اللغة)، مبين ما قام به الأندلسيين في هذا الحقل.

في الفصل الخامس، يقف المؤلف وقفة طويلة مع التاريخ والكتابة التاريخية في الأندلس، مقسمًا بحثه إلى دراسة الكتابة التاريخية في المراحل السياسية المختلفة مثل (عصر الطوائف) و(عصر المرابطين والموحدين)، وتبعًا للموضوعات التاريخية مثل (التاريخ العام) و(تاريخ النواحي)، مترجمًا في كل قسم لأهم من كتب فيه وأهم ما كتبه؛ وفي الفصل السادس ترى المؤلف يستعرض الجغرافيا في أعمال الأندلسيين، خاصة هؤلاء الذين جمعوا معرفتهم الجغرافية من خلال الرحلة والمشاهدة مثل ابن جبير والعبدري.

الفصل السابع بحث فيه المؤلف الفكر الأندلسي في مجال الإلهيات والفلسفة والتصوف، وهو فصل جامع لهذه الموضوعات، فلم يفرقها على فصول كما فعل مع فروع المعرفة الأخرى، ويعرض فيه لهذه الموضوعات من خلال أهم أعلامها مثل ابن طفيل وابن رشد في الفلسفة وابن عربي وابن سبعين في التصوف.

ثم يعرض المؤلف لنشاط الأندلسيين في العلوم الشرعية مقسمًا على ثلاثة فصول، الفصل الثامن خص به علم الحديث مبينًا جهود الأندلسيين في مجال جمع وفهرسة الحديث، وفي شرحه، وفي دراسة الرجال والأسانيد؛ وفي الفصل التاسع يتناول جهود الأندلسيين في حقل العلوم القرآنية، والتي يقسمها إلى حقلين فرعيين، علم القراءات، وعلم التفسير، مقدمًا نماذج لأهم علماء الأندلس في هذين الحقلين مثل أبو عمرو الداني وبقي بن مخلد؛ وينتقل إلى الفقه واصوله في الفصل العاشر، ويتتبع فيه انتشار المذهب المالكي في الأندلس وأعلام المالكية مثل ابن رشد وأهم أعمالهم، كما يعرض لمذاهب أخرى كانت أقل انتشارًا في الأندلس مثل مذهب الشافعي والظاهري وصاحبه ابن حزم.

في الفصل الحادي عشر، يعرض المؤلف جهود الأندلسيين وأثارهم في حقل الرياضيات والفلك، وكالعادة مستدلًا على كلامه بنماذج من أعلام هذا الحقل في الأندلس، مثل المجريطى والزرقاني؛ ثم ينتقل في الفصل الثاني عشر إلى علمي الطب والنبات، متتبعًا تاريخ الطب، وإسهامات أعلام هذا المجال من الأندلسيين مثل الزهراوي وابن البيطار.

الفصل الثالث عشر، يتناول فيه الأثار الأدبية لغير المسلمين من المسيحيين واليهود الذين استخدموا العربية في كتاباتهم مثل ربيع بن زيد الاسقف وموسى بن ميمون؛ وفي الفصل الرابع عشر يستعرض أثار المستعجمين، وهم المورسيكييون الذين كتبوا باللغة الإسبانية مستخدمين الحروف العربية، وكيف استخدم هؤلاء هذه اللغة للحفاظ على هويتهم من خلال انتاج فكري ديني وأدبي؛ ويأتي الفصل الأخير، الفصل الخامس عشر، وعنوانه (آثار الأدب الأندلسي) ليتتبع المؤلف كيف أثر الفكر الأندلسي على الفكر الأوروبي في المرحلة اللاحقة للانسحاب الإسلامي حتى بلغ إلى أصقاع أوروبا الشمالية في بريطانيا وألمانيا، مؤثرًا على أنتاج الأوروبيين الفكري في عصر النهضة في الفلسفة والعلم والتربية والشعر والقصة.

الكتاب بمثابة مسح كامل للفكر الأندلسي وتطوره، والمؤلف في أكثر كتابه منصفًا للمادة التاريخية وموضوعها، وذلك بسبب المنهج العلمي الرصين الذي استند إليه، وقد جمع المؤلف في كتابه بين الشمول والايجاز، فقدم بذلك دليل ارشادي لمن يريد أن يتوسع في دراسة التاريخ الفكري الأندلسي، وإن كان التزامه بالإيجاز قد أضعف من الكتاب من ناحية أخرى، ففي بعض الأحيان تجد مقاطع وربما صفحات مبهمة، إذ أفترض الكاتب أن قارئه ملم بالموضوع الذي يكتب عنه، وفي مواطن أخرى ندرت الاستشهادات أو عدمت كلية؛ ولكن هذا النقص عوضته الترجمة البارعة للدكتور حسن مؤنس، والذي في رأي بذل مجهود كبير في عملية الترجمة، حتى وكأن الكتاب قد اعيد بناءه من جديد، فلم يكتف بنقل الاستشهادات عن الأصل الإسباني، بل رجع إلى المصادر العربية، أثبت هذه الاستشهادات واسندها إلى هذه الأصول، وأوضح في الهوامش من استغلق على القارئ، كما وازن في الترجمة بين طبعة الكتاب الأولى والثانية، وربما نقل مقطع أو مقاطع أثبتها المؤلف في الطبعة الأولى وحذفها من الطبعة الثانية، إذ شعر المترجم أن ما حذف ضروري لاستقامة النص أو الفكرة.

صدر الكتاب في طبعته العربية الأولى، ضمن مختارات الإدارة الثقافية في الجامعة العربية، ثم أعيد نشره عدة مرات، آخرها تلك الطبعة التي صدرت ضمن سلسلة ميراث الترجمة عن المركز القومي للترجمة في مصر.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.