فكر مختارات مقالات

جدلية المتن والهامش

جدلية المتن والهامش

بقلم: ا.د. علي المرهج

لا أحدثكم عن الجدل بوصفه حوار بين طرفين، فذلك شأن فلسفي غاية سقراط منه وتلميذه إفلاطون الوصول للحقيقة، لا كما يروم المتحاورون في علم الكلام الإنتصار على الخصم.

لا يختلف المنطق الأرسطي عن مقتضيات علم الكلام في إيجاد وسيلة (كلية) (منطقية) للإنتصار على الخصم، وإن بدت بعض أو كثير من قضاياه ليست جدلية، ولكنها بتحصيل الحاصل قضايا يفترض أرسطو بداهتها.

يذكر علي الوردي طبقاً لمنطق القياس الأرسطي مثالاً يفترض فيه مقدمة كبرى وأخرى صُغرى، لتأتي النتيجة متضمنة في المقدمة حتماً، لأعطيك مثلاً يذكره الوردي:

الضحك بلا سبب من قلّة الأدب
وفلان ضحك إذن فلان قليل الأدب

وهذا قياس مغالطي، فليس شرطاً أن يكون الضحك بلا سبب من قلة الأدب، كما لا يعني أن فلاناً ضحك فهو إذن قليل الأدب، وهذا يشبه دعاة (المنطق الجدلي) من علماء الكلام، وما يفترضونه أنه بديهية، وهو ليس كذلك.

في الجدلية الماركسية قصد ظاهر في تبني مظلومية (البروليتاريا) = (الشغيلة) للعمل على نصرتها في مقابل صراعها مع طبقة (النبلاء) ومالكي وسائل الإنتاج، وفي حال تمكنت طبقة (لشغيلة) من الوصول لمبتغاها في الإنتصار سيحل الهامش محل المتن، وستتبدل الأدوار.

ولا تنسى أن في كل الثورات والإنقلابات في حال إنتصارها ستتبدل الأدوار بين (المتن والهامش) ليكون الهامش متناً، والمتن هامشاً.

في حوارات المذاهب والأديان يحضر الجدل لا بصيغته السقراطية (الإفلاطونية) بوصفه منهج للكشف عن المعرفة، غايته الوصول للحقيقة، بل يحضر بوصفه أداة لقهر الخصم وغلبته، فيفتخر جماعة المنتصر في الجدل لأنهم أفحموا الخصم، فرغم تشابه اللفظين، لكنها يختلفان في الغاية، فلك أن تُحاور في الفلسفة من أجل تنية الحوار بوصفه (نقاش) بين طرفين ـ ربما ـ كلاهما يمتلك بعضاً من الحقيقة أو كلها، لكن لا بقصد غلبة الخصم والتباهي بهذه الغلبة، لأن الفلسفة بطبيعة وجودها إنما هي تسعى لإتاحة التعبير لكل المختلفين بشرط عدم (الخلاف)، والتفريق بين مفهومين مترابطين: أولهما: الإختلاف بوصفه متبنى لرؤية ومحاولة الكشف عن قيمتها في الحوار، وبين الخلاف بوصفه (حقيقة متعالية) ترفض (الإختلاف) ويؤمن مفكروها بأن كل من إختلف معهم فهو على كافر أو زنديق!.

ولا تحاججوني ببعض النزعات الفلسفية التي تبنى فلاسفتها رؤية (دوغمائية) (عقائدية) تفترض خطأ الآخر وتجريمه، لأنها نزعات تنكرت لمقاصد الفلسفة الحقة في قبول (الإختلاف) بوصفه مصدراً للتنوع الإثراء المعرفي، وكما ذكرت في أكثر من مناسبة بأن فعل الفلسفة يشبه فعل (النحلة) فهي تمتص رحيق العديد من الأزهار، ولكن عسلها ليسش شرطاً أن يكون من زهور بعينها، أو على قاعدة الشاعر (فاليري) بأن (الذئب مجموعة خراف مهضومة).

لا تدافع الفلسفة عن المتن بقصد إقصاء الهامش، كما لا تتبنى الهامش بقصد تغييب المتن. إنها فكر حر يتحرك من جميع الجهات إلى جميع الجهات بقصد فتح أفق المعرفة الحرة ليكون الجميع فيه متساوون أمام القانون ومتساوون في أحقيتهم بطرح رؤاهم بما لا يخل بالقانون وإحترام الحريات.

كلنا تعودنا أن (المتن) هو (المركز) و (الهامش) لا يعدو أن يكون سوى شرحاً أو تفصيلاً أو توضيحاً له، ولكن تصور أن يكون لديك متناً من دون هامش أو حاشية!.

أقول لكم: أن لا قيمة لمتن أو مركز من دون هامش، ولأعيدكم للسياسة رغم كرهي لها، فتصور وجود سلطة أو قيادة أو حكومة بوصفها مركزاً أو متناً من دون وجود هامش، فما قيمتها؟!، وهل ستبقى متناً أو مركزاً ـ بالفعل ـ إلا وفق مألوفنا عن تبعية الهامش للمتن = (المركز)!.

ماذا لو لم تخلى (أهل الهامش) عن التصفيق والتهليل لـ (أهل المتن) = (المركز)؟!، هل ستكون للمتن أو للمركز قيمته التي يضعها فيه الهامش ويُشعره بجذوة أنه “المتن” أو (المركز)، ففي حالة غياب الهامش أو تخليه عن تأييد المتن وتهليله وترحيبه به، لا تكون للمتن (المركز) قيمته التي يظنها بأن له تفرد بطبيعة وجوده بمعزل عن الهامش.

تصور وجود قائد رمز ـ كما يحسب نفسه ـ من دون وجود جماهير تُصفق له، فهل هناك قيمة تجده لها تجعلنا نصفه بأنه متن أو مركز؟!.

أظن أن الجواب واضح، فلا قيمة للمركز (المتن) ولا للمتن (المركز) من دون وجود هوامش وحواش، ووجودهما الجدلي إنما هو وجود تكاملي في حال بقاء المتن متناً والهامش هامشاً، وستبقى جدلية التكامل بين المتن والهامش، والهامش والمتن حتى في تبدل الأداور في أن يكون الهامش متناً والمتن هامشاً، وهذا يحص وحص في الثورات الجذرية (الراديكالية) التي تتغير بها موازين القوى لتكون (المعارضة) = (الهامش) هي السلطة حينما تنتصر الثورة، والسلطة ورجالاها بعد أن كانوا متناً، نجدهم يرتضون أن يكونوا هوامشاً لا أن تمسحهم السلطة الجديدة (الهوامش القدمية) من سجل الحضور في الحياة لا التأثير فيها.

لنتذكر مصطلحات ودول الشمال ودول الجنوب، أو بلدان الغرب وبلدان الشرق، أو الدول المتخلفة (ويُقال النامية) للمقبولية، ولك أن تتصور أنها كلها تعابير للقول بأهلية البلاد الآرية على البلاد السامية، وقناعة دول الغرب بتخلف دول الشرق، أو دول الشمال على دول الجنوب، وهي بمثابة جدلية (المتن والهامش)، بفارق أن المتن لا يرتضي أن يتحول الهامش ليصل أهله لوعي يصفه الآخرون بأنه وعي تكاملي بين (المتن والهامش)، على قاعدة أن الغرب غرب والشرق شرق، ولا يُمكن أن يكون المتن هامشاً، كما لا يُمكن أن يكون الهامش متناً، وكأن القدر قد كتب للمتن أن يكون مركزاً، والهامش أن يكون تابعاً.

مهمة (المتن) = المركز التضليل والتنكيل بالهامش، وكلما حاول (الهامش) الصعود ليكون متناً نجد رجالات (المتن) يشتغلون بكد وجدّ على تشويه (الهامش) وتشظية مؤيديه، لتجد للمتن رجالات يداغعون عن أحقية (الكلاسكية) في الوجود والتمركز والإستمرار في المنهجية والدفاع عن قيمتها في الحفاظ عن التماسك القيمي والاجتماعي والثقافي والمعرفي السائد!.

ستجد كل مؤسسات سلطة (المتن)= (المركز) ستنبري للحفاظ على مكتسبات المرحلة التي هيمنوا فيها بوصفهم متناً أو مركزاً.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.