أدب و تراث مختارات مقالات

لا أحب أن أنام وحدي

كتب سيد عبد الحميد:

لا أحب أن أنام وحدي، لأن النوم في الغالب لا يأتي، ويرسل لي الأرق كي يشاركني وحدتي.

في هذه الأيام لا أشعر بشيء، برود غريب مسيطر علی قلبي، ثلوج تحيط به تجعله يعجز عن ضخ الدم لباقي أجزاء جسدي. أعاني من هبوط في الدورة الدموية يجعلني عاجز عن العمل، أعاني من أعراض انسحاب من علاقة عاطفية قديمة، أدخن بشراهة، يخرج من صدري الدخان بكثافة وكأني مدفئة، أو قطار يعمل بالفحم. أشرب أقداح القهوة والخمر الرديئة، لا أسكر، وأنام بشدة في بعض الأيام ويتعطل عملي، لا رغبة حقيقية لي في الكتابة، أحاول الكتابة عن ما أحب.

أحب رائحة السيجارة في أول اشتعالها، ورائحة الغاز الذي يخرج من الموقد قبل وضع -كنكة- البُن علی النار، أتخيل أنني قد أنهي حياتي بالغاز في غرفة عديمة التهوية، وقتها قد تصفع أمي الباب لمرات عديدة وهي تطلب مني بطريقتها المعتادة: أفتح الشباك يا زفت عشان الأوضة تتهوی.

فأتغاضی عن الفكرة تماما لأتجنب رياح أمي العتية.

لا أحب أن أموت وحدي، أود الموت بين ذراعيّ امرأة أحبها، لأن النوم قد يكون جميل جدًا، حينما تستمع لحكاية مملة تعرفها مسبقًا بحكم القراءة، ولكن محاولات المرأة الرائعة لتهوين الليالي الكئيبة تُثير إعجابي وتفزع الأرق، وتجعله يهرب من الشباك الذي اتركه مفتوح للتهوية.

أحب أن اشتري حذاء جديد، واتركه في الخزانة، لأن قدميّ لن تطأ الشارع للنزهة، لأنني رجل كسول أفضل البقاء في المنزل ومراقبة الحياة من سطح البناية التي أسكن فيها، لأنني في كل مرة قررت فيها الخروج تأذيت وجُرحت في شجارات عديدة مع العالم القاسي.

أود أن أسافر، بشكل أوضح أود أن ابتعد، أو اختفي عن أنظار العالم، لمكان جديد، لا أعرفه ولا يعرفني، وأن ارقد هناك لسنوات عديدة، حتی يتشبث بي، ولا يتركني أن أعود للعالم الكئيب السابق، لتكون تلك أول مرة يتشبث بي أحد ويرفض رحيلي.


Drawing By/ Russ Mills

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.