تاريخ دين فكر مختارات مقالات

نشأة التقويم الهجري وعلاقته بالتاريخ الديني والحضاري للمسلمين

نشأة التقويم الهجري وعلاقته بالتاريخ الديني والحضاري للمسلمين

بقلم/ محمد عبد العاطي

يحتفل المسلمون اليوم – ولو أنه احتفال باهت – بهجرة نبيهم محمد بن عبد الله (عليه الصلاة والسلام) من مكة إلى يثرب التي سميت بعد ذلك بالمدينة المنورة وهو اليوم الذي اتخذه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بداية لتقويم خاص بالمسلمين على غرار التقويم المسيحي، فأصبح اليوم هو بداية العام الهجري الجديد، ولأن شهوره ترتبط بدورة القمر وليس الشمس فثمة اختلافات في بضعة أيام عنه وعن العام الشمسي المعروف.

اضطر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة بحثا عن مدينة جديدة غير مكة تكون نواة لدعوته وذلك بعد أن لقي هناك هو وأصحابه ضغوطا هائلة، واختار يثرب بالذات لأن بعض قبائلها وافقوا على استضافته وحمايته وذلك بعد أن آمن منهم بعض وجهائها، فشد الرحال هو وأصحابه إلى هناك وبدأوا صفحة جديدة في تاريخ دينهم الجديد.

كان في المدينة قبائل أخرى بالطبع، وبعضها كان يدين باليهودية، وبعضها الآخر لم يدخل في الدين الجديد وظل على دين آبائه، وكان الأمر بحاجة إلى تنظيم لقواعد العيش المشترك وتبيان الحقوق والواجبات بين هذه المجموعات السكانية، فكتب النبي معهم ما يشبه الوثيقة وحدد فيها تلك القواعد، ولأنه يعلم أن وجهاء مكة لن يتركوه يعيش آمنا في المدينة فقد حرص أن تنص تلك الوثيقة على بعض البنود التي لها علاقة بشؤون السلم والحرب، ثم عكف على تنظيم أكثر دقة لأمور جماعته الدينية، مستخدما في ذلك خبرته البشرية وخبرة أصحابه تارة وتوجيهات الوحي المنزل من السماء على مختلف صوره وأشكاله تارة أخرى، وكان طبيعيا بحكم قيادة النبي للمجموعة الدينية أن يكون هو نبيا وقاضيا وحاكما وقائدا عسكريا ولو بالتوجيه والإشراف العام، وهو في ذلك كله كما سبق القول يتصرف وفق هذين المعياريين؛ معيار الخبرة البشرية التي تصيب وتخطئ ومعيار الوحي السماوي الصحيح دائما وأبدا.

واستمر وجود النبي في المدينة عشرة أعوام إذ هاجر إليها عام 622 م وتوفي فيها عام 632 م تقريبا، وكانت مدة بقائه في مكة يدعو إلى دينه الجديد هناك 13 عاما، وبذلك يصبح مجموع البعثة النبوية 23 عاما، وقد توفي النبي وهو في أوائل الستينيات من عمره.

خلال السنوات العشر التي قضاها في المدنية وقعت العديد من الأحداث أهمها تثبيت أركان دينه الجديد في المدينة المنورة وفي المدن والبلدات المحيطة حتى كادت تعم شبه الجزيرة العربية بأكملها، وقد تطلب ذلك جهدا كبيرا، بعضه بالدعوة واللسان والبعض الآخر بالسيف والسنان، إذ دخل في حروب متعددة مع أعدائه السابقين في مكة ومع القبائل اليهودية التي تحالفت مع قبيلة قريش والقبائل المؤيدة لها، وانتهى ذلك بانتصار النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وبعد وفاته استمر خلفاؤه من بعده في توسيع حدود مناطق نفوذهم فشملت العراق وإيران والشام ومصر وشمال أفريقيا ثم توسعت أكثر حتى شملت بلاد السند في الشرق والاندلس في الغرب، حتى غدت إمبراطورية كبيرة لها مكانتها في عالم القرون الوسطى آنذاك، وكان طبيعيا أن يصاحب هذا التوسع ثراء انعكس على العلوم والآداب والعمران فنشأ ما عرف بالحضارة الإسلامية.

وهكذا فإننا نرى أن البذرة الأولى لهذا الكيان كله كانت الدعوة الدينية الجديدة التي سميت بالإسلام، فكانت بمثابة الثورة الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية والإصلاحية التي غيرت أفكار وعقائد هذه المنطقة من العالم، لذلك عُدَّ محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام واحدا من أهم الشخصيات التاريخية التي تركت أثرا رغم أن مدة بعثتها كما سبق القول لا تتجاوز 23 عاما نصفها تقريبا كانت في مكة عبارة عن دعوة شديدة المحلية محصورة بين أعداد قليلة أغلبهم من الفقراء والعبيد.

على كل حال، هذه نبذة معلوماتية خاطفة عن نشأة التقويم الهجري وارتباطه بالدين الإٍسلامي والتاريخ السياسي والاجتماعي والحضاري للمسلمين.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.