سياسة مجتمع مختارات

الإمارات العربية الإسرائيلية المتحدة

الإمارات العربية الإسرائيلية المتحدة

بقلم: عبد الهادي مزراري

فوجئ البعض بإعلان دولة الإمارات العربية المتحدة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وتلقى الرأي العام العربي والإسلامي هذا القرار باستنكار، معتيرا إياه خيانة تاريخية للقدس، وللقضية الفلسطينية، وللمقاومة ضد الاحتلال.

وظل السؤال العالق بهذا الخصوص، هو لماذا الإعلان عن الزواج الإماراتي الإسرائيلي في هذا التوقيت بالذات؟ وما هي الأهداف التي يمكن ان يحققها؟ وما هي تداعياته على وضعية الدول في المنطقة؟

قبل عرض أجوبة مفترضة لهذه الأسئلة، لا بد من جر دولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها المعنية بهذا الزواج إلى بقعة الضوء، والتعرف اكثر على طبيعة نظامها وإمكانياته السياسية ومخاوفه الأمنية.

في البداية تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة كثلة من مجموعة إمارات حديثة النشأة، ازدهرت فيها التجارة والأعمال وانفتحت على العالم بشكل جعل منها سوقا كبيرا بلا ابواب وبلا حراس.

بناء على التوجه المالي والتجاري الذي اختارته الإمارات، باتت منذ انطلاقتها هدفا سهلا لإسرائيل من خلال المال والأعمال، وكما يقول المثل في سوق النخاسة “آصرة المال أقوى من آصرة الدم”. فما لبثت أن أختلطت الأموال والأعمال وامتزجت الوشائج الإسرائيلية الإماراتية في ما بينها، وظلت منذ سنوات في وضعية العلاقة السرية غير الشرعية التي لا بد لها من طقوس الزواج.

مسألة أخرى، وهي طبيعة الإمارات المالية والتجارية والسياحية لا تجعل منها دولة قادرة على حماية نفسها، فهي معرضة للخطر أكثر من غيرها من الدول بسبب واجهاتها الزجاجية، وافتقارها لأي ذراع أمني ذاتي قادر على صد الخطر الخارجي.

لدى الإمارات العربية المتحدة ثلاث جزر محتلة من قبل إيران، ولا تتجرأ على فتح ملف الاحتلال مع طهران، في مقابل ذلك تحتضن مصالح تجارية واقتصادية إيرانية فوق ترابها، ولا تتردد من فترة لأخرى للإشادة بالعلاقات بين البلدبن حتى في عز الأزمات الإيرانية الخليجية.

فريق كبير من المحللين لم يجدوا تفسيرا للسلوك الإماراتي، حيث ذهبت أبو ظبي مع الرياض إلى الحرب في اليمن، وبدل أن تركز على قتال الحوثيين في الشمال تفرغت لدعم الانفصاليين اليمنيين في الجنوب لإضعاف موقف الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض في مواجهة الحوثيين المدعومين من طهران.

ظل سؤال محير للأذهان بخصوص التصرف الإماراتي، ولم يفهم أحد السبب، إلا بعدما كانت صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة تقصف مدن ومنشآت السعودية ولا تقرب الإمارت بأي أذى.

ثمة تفاهم من تحت الطاولة بين الإمارات وإيران جعل من السعودية مقاتلا مفغلا في اليمن.

هذا دور قد يكون خطيرا على حجم الإمارات، ولكنه حفظها من ضربات الحوثيين على مدى أكثر من خمس سنوات من عمر الحرب في اليمن.

لم تفطن الرياض للعبة الخطيرة التي قد تمارسها ابو ظبي من أجل إغراق السعودية في مستنقعات كثيرة، ودون شك يعتبر موقف الإمارات الداعم للسعودية ضد قطر بمثابة الطعم المسموم الذي ابتلعته الرياض وصدقت بأن حكام الإمارات أصدقاء وليسوا أعداء.

تجاوزت مناورات الإمارات حدود الخليج، ولعبت ادوارا في سوريا بانقلاب بزاوية 180 درجة من دعم الثورة السورية إلى دعم بشار الأسد، وكانت اول دولة عربية تعيد فتح سفارتها في دمشق بعد عمليات سحب السفراء الأجانب من سوريا.

امتد التدخل الإماراتي من مصر بعد الإطاحة بالرئيس محمد مورسي ودعم عبدالفتاح السيسي، إلى السودان الذي تمكن فيه الجنرال الصديق لأبو ظبي من الانقلاب على عمر البشير. ثم من السودان إلى ليبيا التي مولت فيها الإمارات الحرب على حكومة طرابلس المعترف بها دوليا.

ولم يتوقف الطموح الإماراتي عند الصحراء الليبية بل امتد في لحظة من نشوتها إلى اللعب في الساحة الجزائرية، ومنها إلى محاولة التأثير على المغرب باللعب في ساحة اليهود المغاربة الذين علقوا في المغرب خلال فترة الحجر الصحي. لكنها تلقت الرد المناسب من الرباط.

هذه هي الإمارات التي أعلنت بالأمس عن التطبيع الشامل مع إسرائيل، وعودة إلى الأسئلة التي تصدرت هذه المقالة يجب الاعتراف بأن ابو ظبي تتصرف في أمور لا تخصها لا من قريب ولا من بعيد، ولكن بسبب وضعيتها الهشة في منطقة ملتهبة هي مسيرة في التصرف في أمور تخص شريكها المعلن عنه أخيرا (إسرائيل).

إن الإعلان عن التطبيع كان أمرا محتوما، ويبدو أن الجواب الأكثر إقناعا بخصوص توقيت إعلانه هو موعد حددته الإدارة الأمريكية لأن الرئيس ترامب في أمس الحاجة إلى إنجاز سياسي للحصول على تأييد اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة بعدما تعذر عليه إعطاء الضوء الأخضر إلى نتنياهو بضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية في الموعد المحدد لذلك (شهر يوليوز).

الإمارات العربية ومعها دول عربية أخرى كثيرة هي مجرد عناوين فرعية في المقال الأمريكي، لا تملك حق رفض الأوامر التي تتلقاها من البيت الابيض، وهذا أمر يمكن تبريره بالمصلحة والضعف وعدم امتلاك المصير. في وقت سابق أفصح نتنياهو عن هذا الواقع وقال مخاطبا الإسرائيليين غداة إعلان القدس عاصمة أبدية لإسرائيل “دول عربية كثيرة ستعلن اعترافها بإسرايل وستطبع علاقاتها معنا وستقر بالوضع الخاص بالقدس”.

كلام المسؤول الإسرائيلي لم يكن من فراغ، فالترتيبات الامريكية الإسرائيلية جارية على قدم وساق من أجل فتح باب التطبيع مع إسرائيل، والدور القادم والكبير يطال السعودية خصوصا بعد تهديد ولي عهدها محمد بن سلمان بإقعاده فوق كرسي الاعتراف بتهمة محاولة قتل أحد موظفبه الذي رفع دعوة ضده في محكمة أمريكية أصدرت استدعاء لمثوله أمام القضاء الأمريكي.

وفي خطوة أخرى بمثابة صفعة إلى السعودية، أعلن ترامب عن استعداده لتحسين العلاقات مع إيران خلال ولايته المقبلة في حال انتخابه.

بكل تأكيد، التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، يصب في منح إيران والشيعة دورا مهما مقابل انكسار أي دور في المسقبل للعرب والسنة في المنطقة.

بهذه الصورة المخلة بقيمة حكام عرب وتدني منزلتهم عند المسؤولين الأمريكيين سيتم اقتيادهم إلى منصة التطبيع مع إسرائيل، التي لم تعد تشكل بالنسبة إلى البلدان العربية أي مشكلة بقدر ما أصبحت البلاد العربية مشكلة في حد ذاتها.

لا داعي للاستغراب إذا جرى الإعلان في وقت ما عن تأسيس الإمارات العربية الإسرائلية المتحدة.

طابت أوقاتك

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.