فكر مختارات مقالات

النّسوية في أدب إيزابيل الليندي

الواقعية السحرية ، النّسوية و أشياء أخرى في أدب إيزابيل الليندي

بقلم: نجوى الجزائري

كمْ يعيشُ المرءُ في نهايةِ المطاف؟ أيعيشُ ألفَ عامٍ أم عاماً واحدًا فقط؟ أيعيش أسبوعاً أو عدةَ قرون؟ وكم من الزمنِ يموتُ الإنسان؟ … ما معنى القولُ إلى الأبد ؟ بابلو نيرودا

بيت الأرواح(بالإسبانية: La casa de los espíritus)‏ للروائية التشيلية إيزابيل الليندي, ترجمة صالح علماني تاريخ النشر 1982.

إيزابيل الليندي يونا (بالإسبانية: Isabel Allende Llona)‏ روائية تشيلية وُلدت في 2 أغسطس 1942، وحاصلة على العديد من الجوائز الأدبية المهمة، ومن الأسماء المرشحة دائماً للحصول على جائزة نوبل، تُصنف كتاباتها في إطار الواقعية السحرية، وتنشط في مجال حقوق المرأة والتحرر العالمي، من أهم رواياتها: بيت الأرواح، وإيفالونا، وما وراء الشتاء.

بيت الأرواح رواية للكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي يونا، كتبتها عام 1982 وقيل أنها بدأت في تأليف هذه الرواية عندما بلغتها أخبار عن مرض جدها التسعيني واقتراب وفاته، تدور أحداث الرواية نهاية القرن التاسع عشر، في إحدى الدول في أمريكا الجنوبية، تقدم لنا إيزابيل الليندي من خلالها الحياة الشخصية، الاجتماعية، الحميمية والروحية لعائلتي (سيفيرو دل باييه) و(إستيبان ترويبا) في عرض مشوق جداً وبلغة ساحرة تميز أسلوب الليندي عن باقي الروائين.

نساء إيزابيل الليندي:

بتعاقبِ الأجيالِ تظهرُ السمة أو الطبيعة التي تتصفُ بها أيُ سلاسلة، أو بمفهوم آخر الصفات التي تطبعُ وتميزُ عائلة عن أخرى، تتوالى هذه الصفات في الظهور في الأجيال اللاحقة بشكل يوحي للجميع أن لهذه العائلة رسالة و هدفا تسعى لتحقيقه بتعاقب أجيالها، كذلك كانت عائلة (سيفيرو دل باييه) ممثلة في شخصيات نساءها:

نيفيا زوجة (البرجوازي سيفيرو دل باييه) امرأة طيبة محسنة وأيضاً متحررة مناضلة، وداعية إلى حق النساء في دخول الجامعة والتصويت، تقيدُ نفسها مع نساء أخريات تخرج في الليل لإلصاق إعلانات حول حق الاقتراع على جدران المدينة وعلى أسوار الكونغرس والمحكمة العليا مطالبة بأن تنالَ النساء مثل حقوق الرجال وأن يتكمنّ من التصويت ودخول الجامعة، وأن يتمتع جميع الأبناء بحماية القانون حتى لو كانوا أبناء زنى شعارها: (… ما لم تقصر النساء تنانيرهن و شعورهن وما لم ينزعن تنانيرهن الداخلية فسيكون سيان لديهن التمكن من دراسة الطب أو نيلهن حق للتصويت).

كلارا دل باييه: البنت الصغرى لعائلة (سيفيرو دل باييه) البرجوازية، طيبة القلب مفرطة الحساسية ذات قدرات تخاطرية عجيبة تقوم بتحريك الأشياء وتتنبأ بالمستقبل، تعيش حياة أخرى بداخلها مع الأرواح التي تستدعيها، وتنبؤها بالمستقبل، تدخل في صمت مطبق عقب موت شقيقتها الأسطورة روزا الجميلة إلى أن تعلن أنها ستتزوج بخطيب أختها السابق إستيبان ترويبا، تواصل كلارا مسيرة أمها وتعقد اجتماعات مع فلاحات الماريات الثلاثة (ملكية زوجها استيبان) دون رقابة زوجها المالك المتكبر الغضوب، تصطدم كلارا بقناعة الفلاحات بالقول: ( لم يرُ قط رجلٌ لا يستطيعُ ضرب امرأته وإذا كان لا يضربهاَ فلأنه لا يحبها أو لأنه ليس رجلاً كامل الرجولة وأينَ رؤى أن يكون ما يكسبهُ رجل أو ما تنتجه الأرض أو تضعه الدجاجات ملكاً لاثنين مادام هو من يأمر، وأين رؤى أن امرأةً قادرةً على عمل أشياء نفسها التي يعملهَا رجل!!…).
بلانكا: ابنة إستيبان مدللة أمها كلارا التي تكسر قاعدة الطبقية وتقع في حبّ ابن رئيس العمال أو وكيل الماريات الثلاثة، وهو ما جعل إستيبان يسعى لقتل عشيق ابنته.
الطفلة آلبا:ابنة بلانكا، حفيدة كلارا و إستيبان ترويبا (لم تعترف العائلة بوالدها لسنوات بسبب غضب اسيبان) ولدت الحفيدة وعاشت في بيت جدها ملتصقة بثوب جدتها كلارا فعاشت طفولة غير عادية في بيت تطوف به الأرواح التي تستدعيها الجدة، تدور عجلة الزمن تأخذ ألبا حفيدة كلارا مشعل جدتها الأولى نيفيا، في البداية من خلال مرافقة جدتها كلارا في زيارات لأحياء الفقراء لتقدم لهم الطعام والملابس التي تمضي النهار في حياكتها، لتتعرف ألبا الشابة في الجامعة على ميغيل الشاب الثائر الذي يقود اعتصاماً أيام الجامعة، وينشط لتكون أول انتخابات نزيهة في بلده ثم مطارداً من طرف العسكر كأحدِ قادة حرب العصابات، تُقتادُ ألبا إلى السجن بسبب نشاطها المعادي وعقب خرجاتها الليلية التي كانت تساعد فيها المناظلين الهاربين من العكسر وتذوق ويلات التعذيب على يد الشرطة السياسية.

*تمثل أيضاً شخصية( استيبان ترويبا) الشخصية الرجالية في رواية بيت الأرواح (و هو الوحيد الذي منحته إيزابيل الليندي حق الحديث و تسجيل روايته و آراءه) ( استيبان ترويبا): الرجل الاقطاعي (مالك الماريات الثلاث) الذي تحول إلى سيناتور ثم إلى مدبر حقيقي للانقلاب العسكري للاطاحة برئيس البلاد، المرشح الذي اختاره الشعب في أول انتخابات نزيهة تشهدها البلاد، يدافع استيبان عن نفسه و قرارته بالقول (… لقد كنت مالكاً طيباً و أنا من أعدت الحياة للماريات الثلاثة وإلى أولائك الفلاحيين البائسين فلولاي لما صمدوا أمام الجوع و العطش … ) أثر فيه موت خطيبته السابقة روزا آلجميلة كما سيتنامى بداخله عشق لكلارا (زوجته) سيستمر معه لبقية حياته الطويلة.
*#خمسون عاماً
*_ مع أحداثِ الرواية الأولى يبدو أن إيزاييل الليندي تقدم لنا الحياة الشخصية، الإجتماعية والحميمية لعائلتي(سيفيرو دل باييه) و (إستيبان ترويبا) بينما يكتشف القارئ من خلال توالي الأحداث وتشويقها (خاصة في المئة صفحة الأخيرة من الرواية) أبعاد أخرى للرواية, فترصد الليندي التطورات الحاصلة في المجتمع الشيلي (و إن لم يرد اسم البلد صراحة في الرواية) من تغيرات مجتمعيَّة معيشية من أول ظهور السيارة واستغناء العائلات البرجوازية آنذاك عن الخيول تديرجيا في تنقلاها إلى ظهور الهاتف ومن ثم الطائرة، بالإضافة إلى القفزة التي عرفها المجمتع في مجال الحريات، حرية التصويت في الانتخابات، حصول المرأة على حق الدخول إلى الجامعة و المشاركة في السياسة و حتى تحررها في اللباس (استبدال التنانير بالسراويل و قص الشعر).

#في سردٍ تصاعدي مشوق لا يمكن للقارئ التكهن بسهولة إن كانت إيزابيل الليندي هي الساردة الوحيدة لروايتها (حيث جعلتنا نتوهم ذلك ) ليتبيَّنَ في نهاية الرواية أنَّها إحدى شخصيات روايتها( الحفيدة ألبا )هي من كانت وراء ربط الأحداث من خلال جمع دفاتر تدوين الحياة التي اخفتها أرواح متواطئة نجت من الحرق من مذكرات جدتها كلارا , كما منحت الليندي آلصوت الرجالي حقه و حظه في السرد من خلال شخصية الجد “إيستيبان ترويبا” ليدافع عن موقفه و عن قرارته المصيرية جداً على مستوى عائلته ، أملاكه و بلده حيث كان له الدور البارز في حادثة الإنقلاب العسكري ، عنصر التشويق كان حاضراً و بقوة رغم ما يميز أدب الواقعية من الإفاضة في التفاصيل التي ربما يجدها البعض مملة فكانت الليندي تذكرُ حدثاً مُستقبلاً وتبتره بشكل يدعو القارئ للتساؤل و الإنتظار و بالتالي يدفعه للمتابعة لمعرفة تفاصيل الحدث بلهفة.

#الواقعية السحرية:
تنتمي رواية بيت الأرواح إلى فئة الرواية الواقعية السحرية أو العجائبية و هي تقنية أدبية ظهرت في كثير من الأعمال الروائية والقصصية في الأدب الألماني منذ مطلع الخمسينيات، و أدب أمريكا اللاتينية بعد ذلك، ثم وجدت طريقها إلى بعض الأعمال في آداب اللغات الأخرى وأشهر من كتب عنها من الكتاب خورخي لويس بورخيس وغابرييل غارثيا ماركيث ( و يظهر جلياً تأثر ايزابيل اللندي بهذا الأخير) ، تقوم هذه الواقعية على أساس مزج عناصر متقابلة في سياق العمل الأدبي، على أن تكون متعارضة مع قوانين الواقع التجريبي فتختلط الأوهام والمحاولات و التصورات الغريبة بسياق السرد الذي يظل محتفظا بنبرة حيادية موضوعية كتلك التي تميز التقرير الواقعي.
كما توظف هذه التقنية عناصر فنتازية كقدرة الشخصية الواقعية على السباحة في الفضاء والتحليق في الهواء وتحريك الأجسام الساكنة بمجرد التفكير فيها (و هو مثلاا إختصت به شخصية كلارا دل باييه و طاولتها ذات الأرجل الثلاث) أو بقوى خفية بغرض احتواء الأحداث السياسية الواقعية المتلاحقة وتصويرها بشكل يذهل القارئ ويربك حواسه فلا يستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي، وتستمد هذه العناصر من الخرافات والحكايات الشعبية والأساطير و عالم الأحلام والكوابيس.

#النِّسْوية أو الأنثوية :
تصنف الروائية إيزابيل الليندي من بين المنتمين لمجموعة النّسوية و هي مجموعة مختلفة من النظريات الإجتماعية، الحركات السياسية و الفلسفات الأخلاقية تحركها دوافع مرتبطة بقضايا المرأة ، الهدف النهائي لها هو القضاء على كل أشكال العنف و القهر المتصل بالنوع الإجتماعي ،بحيث يسمح للكل دون تمييز الرجال و النساء بالنمو و المشاركة معا في المجمتع بأمان و حرية و يهتم النسويون بشكل خاص بقضايا عدم المساواة الاقتصادية ، الاجتماعية و الساسية بين الرجل والمرأة و هو ما ناضلت من أجله جميع شخصيات رواية بيت الأرواح.

#هل تمثل رواية بيت الأرواح السيرة الذاتية لإيزابيل اللندي ؟!!!
يقال أن إيزابيل الليندي رافقت في سنة 1981 جدها البالغ من العمر تسعة وتسعين عاماً خلال موته، وبدأت عندها في كتابة روايتها الأولى بيت الأرواح و هو ما عاشته إحدى شخصياتها ( الحفيدة ألبا) ، و نتيجة لترحال الأسرة الطويل، اختزنت إيزابيل في ذاكرتها الكثير من الحكايات، والتفاصيل الدقيقة، لتتحول هذه الخبرات الصغيرة إلى تفاصيل حميمية رائعة تشغل رواياتها، وتكسبها زخماً مميزاً و حين عادت الليندي إلى تشيلي كانت شابة يسارية مُثقفة، قابلت زوجها الأول ميغيل فيرياس والد طفليها( و هو الإسم الذي حمله بطل روايتها بيت الأرواح) وتزوجته وهي لما تزل بعد في العشرين من عمرها ثم أثر عليها الانقلاب الذي أطاح بعمها سلفادور الليندي كما أثر على الشعب التشيلي، وبسبب قرابتها بالرئيس، فإنها صُنفت تلقائياً كعدوة للنظام، ونُفيت إلى فنزويلا، غير أن تأثيرات الانقلاب الأعمق ظهرت بشكل واضح جداً وبالتفصيل في روايتها هذه بيت الأرواح (إعتقال الحفيدة ألبا و تعرضها لمختلف أشكال التعذيب على يد العسكر).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.