قادة وأعلام مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

المفكر العراقي علي الوردي

سلسلة مفكرون عراقيون 6

العلامة علي الوردي

بقلم: ا.د. علي المرهج

هو علي حسين الوردي، ولد في الكاظمية ببغداد في عام 1913م، درس الابتدائية والثانوية في هذه المدينة العريقة ومن ثم درس الماجستير والدكتوراه في جامعة تكساس الأمريكية عام 1950 وبعدها عاد الى بغداد ليعمل في كلية الآداب / جامعة بغداد مدرسا للعلم الاجتماع.

كان لدراسته في أمريكا أبعد الأثر في توجهاته الفكرية، فقد عشق الفلسفة التجريبية الانكليزية عبر بوابتها في أمريكا ألا وهي الفلسفة البراجماتية، فجاءت آراءه محملة بكثير من آراء وليم جيمس وجون دوي، لاسيما من جهة التأكيد على أهمية الحياة والواقع في صناعة السلوك، وربما حبه للبراجماتية جاء من حب الوردي للعمل فقد عمل منذ صغره في السوق، وكان يعمل عطارا، حتى أنه تأخر في دخوله للمدرسة بسبب حاجته للعمل. ها التوجه علمه أن قيمة القضية التي نتبناها هي في الثمار المتأتية لنا من تبنينا له. وهذا هو جوهر دعوة البراجماتية.

أهم مؤلفاته

نشر الوردي العديد من المؤلفات التي جعلته من أوائل المفكرين العراقيين الاجتماعيين الذين يشار لهم بالبنان وبات من المعلوم للمهتمين في دراسة الشخصية العراقية أنهم لا يستطيعون تحليلها ومعرفة طبيعتها مندون الاعتماد على أطروحات الوردي، أما أهم مؤلفاته فهي:
1ـ شخصية الفرد العراقي 1951.
2ـ خوارق اللاشعور1952.
3ـ وعاظ السلاطين 1954.
4ـ مهزلة العقل البشري 1955.
5ـ أسطورة الأدب الرفيع 1957.
6ـ الأحلام بين العلم والعقيدة 1957.
7ـ منطق ابن خلدون في ضوء حضارته 1962.
8ـ دراسة في طبيعة المجتمع العراقي 1965.
9ـ لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث موسوعة في ستة أجزاء جزاءان منها مقسومان الى قسمين فتكون الموسوعة بثمان مجلدات
10ـ في الطبيعة البشرية، مؤسسة المجتمعين، ايران، بلا، تحرير سعد البزاز.

“ان النفس البشرية تهوى الأيمان بدين فإذا فقدت ديناً جائها من السماء إلتمست لها ديناً يأتيها من الأرض”

كما هو معروف أن الوردي ينطلق في رؤيته لكل قضية في ضوء مرجعيته الاجتماعية لأن نظرته للدين تنطلق من رؤيته للدين بوصفه ظاهرة اجتماعية عامة موجودة في جميع الشعوب حتى أشدها بدائية.
كلما كان الإنسان مهدداً بالأخطار ومحاطاً بالمشاكل دائما نجده يميل لتبني عقائد دينية أو طقوسية يجد فيها عواملاً مساعدة له على مواجهة تلك الأخطار والمشاكل التي تهدد وجوده، ليتخذ من هذه الطقوس والشعائر جداراً يحتمي به ليجعله بمثابة مصد له يواجه به كوارث الطبيعة وهيجانها وعشوائيتها، وكل تبني لعقيدة طقوسية وإيمانية تبعث في نفسه الطمأنينة.
ومعنى هذا أن التقديس ليس أمراً طارئاً في حياة المجتعات بل حاجة مُلحَة تقتضيها طبيعة الإنسان.

إن الإنسان حينما يرى الموت لا بد وأن يبحث عن طريقة للمواجهة، ومن طرق المواجهة هو اللجوء الى عقيدة وطقوس تعطيه الأمل بحياة أخرى ثانية بعد الموت .

يرتبط مفهوم الدين عند الوردي بالنظرية الاجتماعية القائمة على الدمج بين الخير والشر بين قيم الخير وقيم الشر، أي النسبية القائلة بأن الحقيقة مُتغيرة في ضوء المصلحة، فما هو خير اليوم يمكن أن يكون شراً في وقت آخر حينما يتعارض مع مصلحتنا، والعكس صحيح، لذلك فالقيم مُتغيرة عند الشخص نفسه، ومن شخص الى ومن مجتمع الى آخر، وهذا التصنيف للإنسان على أنه كله إما أن يكون خيَراً أو شريراً هو تصنيف غير واقعي، لأن الإنسان باعتقاد الوردي “مزيج من الشر والخير” فطالما كان الفرد مقياس الأشياء جميعا كما ذهب الى ذلك أصحاب الفلسفة السفسطائية الذين لهم الأثر الكبير في فكر الوردي، فبالتالي يكون كل ما يناسب مقياس الإنسان فهو خير، وكل ما لا يلائمه فهو شر.

لذلك يمكن القول أن الوردي ينظر الى الدين في ضوء المرادفة بين المصلحة والحقيقة ، بمعنى أن الرسل أو المُصلحين حينما جاءوا برسالاتهم أو بدعاواهم إنما كان حضورهم وتأثيرهم في المجتمع في ضوء المصلحة . فالدين كما هو معروف جاء لنصرة الضعفاء وجميع الرسالات السماوية والديانات الوضعية إنما جاءت ونُصرت من قبل الضعفاء لأنها كانت تهدف خلاصهم من سلطة المترفين، لذلك نجد في المقابل أن المترفين كانوا في صراع مع المجددين “الأنبياء”.

إذن للدين وظيفة اجتماعية كبرى لأن الرُسل والأنبياء كانوا يكافحون من أجل العدالة وتحقيق المساواة، وهو في الوقت نفسه يحقق نوعا ً من أنواع التوازن الاجتماعي لاسيما حينما يفتح الباب أمام الصراع بين الفئات المغلوبة والفئات الغالبة، لأنه بذلك يُحرك الحياة وهذا الصراع هو الذي يمنحنا الأمل بتحقيق عالم متوازن، لهذا يعتقد الوردي بأن “الدين لا يقوم إلَا بالكفاح والتسامح الاجتماعي” ، وهذا الكفاح والتدافع هو طريق تحقيق العدل الاجتماعي الذي هو غاية الدين وهدفه ، وهذا ما يبرر النزعة الثورية للدين، لذلك نجد الوردي يواشج بين تعريف نتشه للدين بأنه ” ثورة العبيد” وتعريف ماركس بأن الدين أفيون الشعوب، فيقول الوردي” أن الدين ثورة وأفيون في آن واحد فهو عند المترفين والأنبياء ثورة وكل دين يبدأ على يد نبي ثورة ثم يستحوذ عليه المترفون بعد ذلك ويحولونه الى أفيون” وهذا ما جعل علَامتنا يعتقد بأن الثورة تفسد إذا نجحت.

صنف الوردي الدين الى صنفين : “الدين الكهاني” و”الدين النبوي”: الدين الكهاني هو “الدين الذي ليس له مؤسس بل ينشأ تلقائياً حيث يبتدعه العامة تدريجياً حسب تطور حاجاتهم النفسية والاجتماعية ” أما الدين النبوي فأمره يختلف كل الإختلاف، وقد وصفه الوردي بأنه “دين ثوري” إذ يأتي به نبي من أجل إصلاح الأحوال الفاسدة في المجتمع .

أما الناس فهم صنفان، حينما يأتي الدين الثوري فمنهم من يتبع النبي مؤمناً به راغباً في الإصلاح ومنهم من يتبعه بدافع الإنتهازية وطلبا للدنيا وهؤلاء يصلون الى مواقع الحكم ، مُتخذين من الدين أداةً لتحقيق مصالحهم الدنيوية، الأمر الذي يُحوَل الدين النبوي الثوري الى دين كهاني أفيوني ، “فأذا منعنا الشعوب عنه لجأت الى مُنحدر آخر للاستعانة على مواجهة الحياة وأخطارها” .

السبب في هذا التحول هم أصحاب المصالح (المُترفين) الذين تسلقوا على أكتاف الثوار، فضلا عن دور كثير من رجال الدين من الذين يُسايرون العامة فيما يعملون. اذ جعلوا من الدين يبدو وكأنه دين طقوس وعقائد وتعبد لا دين تغيير وثورة وإصلاح، ولهذا فإن إنحراف الدين عن طبيعته الثورية الإصلاحية ليس لعيب في الدين، بل لعيب في السلاطين ورجال الدين الذين جاروا السلاطين في ترفهم وتعسفهم وجاروا العامة في خُرافاتهم ،”الأمر الذي جعل الدين وكأنه مهنة يُرتزق منها ، فهو (أي رجل الدين) مُضطر الى مُدارة مصدر رزقه سواء كان ذلك من الحُكام أو العوام” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.