مقالات

طه عبدالرحمن وفقه الفلسفة

سلسلة مفكرون عرب7

طه عبدالرحمن وفقه الفلسفة

بقلم: ا.د. علي المرهج

إنه (طه عبدالرحمن) مواليد الدار البيضاء عام 1944، الحاصل على إجازة في الفلسفة من جامعة السوربون في فرنسا (الإجازة الثانية) ثم الدكتوراه في السلك الثالث من السوربون ذاتها عام 1972، برسالة عنوانها “اللغة والفلسفة ـ رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود”.

درّس المنطق والفلسفة في جامعة محمد الخامس في مدينة الرباط.

شغل منصب نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية، ويشغل منصب رئيس منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين.

حصل على جوائز عدّة، وهو يُتقن الفرنسية واالإنجليزية والألمانية واللاتينية واليونانية، فضلاً عن العربية.

تحدث في محاضرة جمعتنا معاً في (مركز صدام للفنون) في عام 2002، أنه كان يُسافر ثلاث سفرات في السنة، واحدة لفرنسا، وأخرى لبريطانيا، وثالثة لألمانيا، يجلب من كل هذه الدول ما نُشر فيها في مجالات الفلسفة والمنطق وعلوم اللغة.
ترأس تحرير مجلة (الحجاج)، وهي من إسمها تتبنى الدفاع عن (علم الكلام) الإسلامي بالضد من (الفلسفة الإسلامية).
لا أعدد لكم كُتبه على أهميتها، لأنها موجودة بمجرد أن تذكر إسمه في (الغوغل)، وهي كثيرة، وقد كُتبت عن فكره في شتى بقاع الوطن العربي كُتباً ورسائلاً للماجستير وأطاريحاً لنيل الدكتوراه.
يصفه البعض بأنه “فقيه الفلسفة”، وأظن أن الأليق به لقب “فقيه الأخلاق” فهو لا يعتد بالفلسفة ولا يحسبها من العلوم الأصيلة في الفكر الإسلامي، لأنه يستلهم من علم الكلام والتصوف مفاهيمه، أو ما أسماه في أحد كتبه (روح الدين) الذي طرح فيه مفهوم (الإئتمانية)، وهو مفهوم يستنبته من جديد ليشتقه من مفهوم “الأمانة” أو ما أسماه “الإئتمان الإلهي” ليضعه بمثابة الحد الفاصل بين مفهومين “دعوى العلمانية”، وما أسماها “دعوى الديانية”، أي دعوى الفصل بين الدين والدولة، ودعوى الدمج بينهما، ليفسر لنا “الإئتمانية” بأنها”تبني وحدة التعبير التعبُدي على مبدأ الإختيار”، ليصل إلى نتيجة مفادها أن (العلمانيين) يعتمدونالتدبير وفق نهج مادي، بينام (الدينانيين) يدعون إلى تفسير نفسي غير روحي، لأنهم يهتمون بالتعبد لا بالتنسك والزهد، فتجد المتعبد في تعظيمه للذات الإلهية إنما يبتغي تعظيم ذاته، لذا نجد (طه عبدالرحمن) يؤكد على أهمية “النسبة الائتمانية”، المرتبطة بمعنيين هما ما أسماه:”الإبداع الرعائي” و “الاتصال الروحي”، ولك ان تبحث عن مفهومي الرعاية والاتصال الروحي لتجد فيها أن مهمة الإنسان (اتباعية) = (تقليدية) لا دور له سوى ردّ الأمانات إلى أهلها، والعيش بعلاقة تصالح مع الذات الإلهية!.

يتفاخر بأنه (طُرقي) ينهل من أصحاب الطرق الوفية طريقةً للحياة، ويؤمن بالرؤى، وبأن (النبي (ص) زاره في المنام)، فيصح لي وصفه بأنه (صوفي سلوكي) يستلهم من شيخه الذي يلوذ بزاويته (حمزة البوديشيشي) طريقته!.
من الصعوبة بمكان إيجاد علاقة بين الفقه والفلسفة، فكل له مجاله، فمجال الفقه هو معرفة أحكام الشريعة وتعلم السباحة، بل والغوص في سبلها من جهة العلم بوحدانية الله سبحانه وتعالى والإيمان برسله عن دراية وتعقل لما جاءوا به من تعاليم. لأقول لكم أنه علم يحكم علاقة العبد بالمعبود بما يجعل المعبود واثقاً من إيمانه، ومعرفة ما للنفس وما عليها بعبارة أبي حنيفة.
الفقه عند المسلمين علم في مصاف العلوم الأعلى في مراتب الشرف، ولربما من هذا الفهم يلتقي الفقه والفلسفة على ما بينهما من تناقض في ظاهر، ولكنها يتفقان في (المقاصد)، أي إدراك علوم الآخرة بعلم دقيق، ومعرفة دقائق آفات النفس، كما يذهب إلى ذلك الغزالي.
يشترك الفقه مع الفلسفة في البحث بموضوعات شتى، منها ما هو نظري، وآخر عملي، فالنظري هو ـ كما أشرت ـ البحث في علوم الآخرة، أو (فهم كل أحكام الدين)، وفي هذا يتداخل (الفقه) في بعده النظري مع (الإلهيات) التي كانت أساس إشتغال الفلاسفة القروسطيين بعبارة (محمد أركون)، وما سُميّ بـ “الفقه الأكبر” لتجد التداخل في المفهوم بينه وبين “علم الكلام” أيضاً، لما فيه من إشتغال على تأكيد قيمة الشريعة للحياة وفهم الآخرة، فهما علمان “تسليميان” يفترضان “الإيمان” بوصفه بداهة، وكل من شكك فيه إنما هو “مارق” أو “زنديق”، بمعنى أنه خرج عن إجماع الملة والدين.
في هذا يتضادان هذان العلمان مع متبنيات الفلسفة بوصفها بحث عن الحقيقة أو “الحق” = (اليقين)، ولكنها لا تدعي إمتلاكاً له، وكلما تحولت الفلسف من البحث عن “اليقين” ليدعي بعض فلاسفتها إمتلاكه، فثق، أنهم تنكروا للفلسفة وتحولوا من منطقة التفكير الحر الذي يقتضيه البحث العلمي، إلى منطقة الأيديولوجيا وعالمها المُقيد، أو قل من عوالم المعرفة الرحب إلى عالم (الدوغمائية) بكل ما نعرفه وعرفناه عنه من نزوع نحو التطرف والإقصاء.
يقترب الفقه اليوم من (علم الفتاوى)، ليكون مطابقاً له، وكل فقيه يُقال عنه أنه (مرجع أعلى) أو شيخ الإسلام، إنما هو الذي يستطيع استنباط الحُكم الشرعي من النص القُدسي، أو له القدرة على ربط السنة وسيرة الصحابة وأقوالهم بتفسير موضوعي للقرآن يُمكننا من معرفة الحكم الشرعي لقضية لها قياس تشبيه ظاهر، أو قياس يحتمل الفهم وفق المعطيات السابقة.
كل فقيه (مُجتهد) يتمكن من استنباط الحُكم الشرعي وفق المعطيات السابقة يحق إصدار كتاباً في الفقه، وهو لا يعدو أن يكون كتاباً في الفتاوى، فيما نُقلد فيه، أو فيما هو مُستحدث في (العبادات) و (المعاملات)، وهو مجال محدود يخص عامة الناس، من الممكن أن نُسميه (الفقه الأصغر) وفقاً لتسمية الغزالي.
يلتقي الفقه والتصوف مع الفلسفة فيما ينبغي أن يكون كلاهما فيه وعليه، ألا وهو: الزهد في الدنيا، والرغبة في إدراك الحق المطلق، كل على طريقته، كحال أبسال وسلامان وحي إبن بقظان في قصة ابن طفيل (حي ابن يقظان).
يلتقي الفقيه مع الفيلسوف إن كان عند الفقيه ميل للتعقل التأمل و (الإجتهاد)، ليكون هذا بماثبة (منطقة وسطى) بينهما للتلاقي، لذلك نجد إبن رشد يكتب كتابه المعروف (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)، وهو كتاب في الفقه بكل فصوله ومباحثه، ولكنك ستجد فيه (فن اختلاف الفقهاء) كما أسماه (رضوان السيد)، ليُحيلك من خلال استخدامه لمفردة (فن) بأنه علم قابل لتنوع الفهم والتأول، فهو علم جامع لمقبولية (الاجتهاد) الذي يقتضي إعمال العقل إتجاه فهم النص وكيفية التعامل معه بما يجعلنا نتعامل مع نص قُدسي قابل للترجيح وتعددية تمنح (المجتهد) تعاملاً مع النص المُقدس (القرآن) على أنه جاء (ليُتمم مكارم الأخلاق) بوصف الإسلام ـ بعبارة (رضوان السيد) وفق فهمه لكتاب ابن رشد سابق الذكر ـ أنه دين يسر لا عُسر.
لأعود لمفهو (فقه الفلسفة) الذي إرتبط بالمفكر المغربي (طه عبدالرحمن)، المعروف بنزعته في الميل للـ (التريث)، والبحث في علم الكلام واتصوف والفقه عن مقابلات لغوية لمفاهيم حداثية أو ما بعد حداثية يستبعد بها تأثيرات الفلسفة الغربية بنزوع (سلفي) بنزعة (كلامية) بخاتمة (صوفية)، ليستخرج لنا من عمق التراث ألفاظاً منسية، ليُعيد استحضارها في محاولة منه (سلفية) للتخلص من (وهم الحداثة الغربية) وسطوتها!.
يطرح (طه عبدالرحمن) فكرته عن مفهو (فقه الفلسفة) في كتابه الذي يحمل العنوان ذاته في التنظير للفلسفة بوصفها (سؤال) أو ما أسماه (طلب)، ولا معرفة عنده من دون (فلسفة) = (طلب)، مُضلاً مفهوم (الطلب) على (السؤال) ليستهجن تعريف الفلسفة بوصفها سؤال، لذا يدعونا لترك (السؤال عن الفلسفة) و (طلب)، وكما ذكرت الطلب عنده أكثر أهمية من السؤال!.
يجترح (طه عبدالرحمن) وضع علم جديد أسماه (فقه الفلسفة) وكعادته يدمج ما هو تراثي بما هو حداثي، ليكشف لنا بعد تصيّر الفكر الحداثي وتجوهر وتبلوره، عن أصول تراثية (لفظية) أو (مفهومية) عنه!.
رغم أهمية ما يطرحه (طه عبدالرحمن) من رؤى يستنبطها من قراءاته المسفيضة للتراث والحداثة، ولكنه يُذكرني بطلاب لي أو بأولادي حينما أكشف لهم عن مسألة ما وأوضحها لهم، وهم قبل ذلك لا يعرفون معناها ولا مبناها ولا أصولها الفكرية والثقافية، ينبري (المشاكس منهم ليقول ي أعرفها هاي أستاذ، وشنو الجديد بيها) لأتعجب من ردة فعله!، فلا قول لي له، سوى (بابا إذا تعرفها، لعد ليش ما شرحتها قبل لا أفصل لك ما فيها)!.
لأعود لـ (طه عبدالرحمن) الذي أجد فيه يبحث عن مهمة له لا فائدة منها، ألا وهي بعد أن يصل فلاسفة الغرب لأفكار أو رؤى أو مفاهيم يُنتجوها، نجده حاله كحال أي (سلفي) رغم كبره وخبرته في علوم شتى ينبري لنا ليؤصل لها من تراثنا، أو يكشف لنا عن مفاهيم مرادفة لما أنتجه فلاسفة الغرب المعاصرين ليقول نا أن هؤلاء لم يأتوا بجديد لأن كل مفاهيمهم محتواة في تراثنا (القرآني) أو (الكلامي) أو (الصوفي)، لنجده يستبعد الفلسفة من معجم الوعي العربي، حاله كحال (مصطفى عبدالرازق) في كتابه (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية) أو متبعاً (علي سامي النشار) في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) على ما بينه وبينهم من إختلاف من جهة ميله للتصوف وتنظريه للفرق بين (العقل المؤيد) و (العقل المُسدد)، فهو أقرب لتحولات الغزالي المنهجية والمعرفية من جهة إيمان الأخير بالنقليات، ثم الحسيات، ثم العقليات، ولكن الله قذف في صدره نورٌ، فإنكشفت له المعارف على نحو اليقين، لك أن تقرأ كل كتب (طه عبد الرحمن) لتجده يتحرك في دائرة الغزالي وتحولاته المنهجية والمعرفية رغم تبدل الأزمان!.
ولو جاز لي القول ـ لقلت ـ أن ما يجعل الغزالي كبيراً هو أنه أنتج مفاهيماً عصرية طبقاً لزمنه، فهو حداثي بالقياس لزمنه، فهو الغزالي صار مسطرة نقيس عليه ما قبله وما بعده.
أما (طه عبدالرحمن) فهو بمقياس حداثة الغزالي وتحديثه وفق زمكانية الغزالي، إنما هو (نكوصي) لا يُنتج حداثته، بقدر ما يرتكس بكل نزعة حداثية ليقيسها بـ (مسطرة الماضي) الذي يعده مقياس ما تقدم وما تأخر!.
ما يُميز الغزالي أنه كان يكتب (مقاصد الفلاسفة) ليفهمهم، ويشرحهم بموضوعية ويختلف معهم إختلاف الكبار، بينما نجد (طه عبدالرحمن) مهووساً بالكشف عن مثالبهم ليجعل من فلسفتهم التي ذكرها (آدم متز) في كتابه (التنوير في القرن الرابع الهجري) بوصفها إبداع عربي ليستخف بها (طه عبدالرحمن)! لنجده (مخبوصاً)، وقُل (مُحتاراً) بتهويد الفلسفة واستنكار وجودها في الفضاء العربي!.
يضع لنا مفهم (الفقه) بديلاً لعلم الفلسفة!، ليتفذلك لنا حول معنى الفقه وصلته بمعنى التأمل!، لأجده مشغولاً في إعادة إنتج مفاهيم (تراثية) لا قدرة لنا لتشغيلها وفق تحولات عصرنا ومتغيراته!.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.