سياسة مختارات مقالات

هل ستفقد باريس ورقتها الرابحة في مالي؟

الانقلاب العسكري على الرئيس كايتا.. هل ستفقد باريس ورقتها الرابحة في مالي؟

بقلم الاستاذة : هبة داوي – الجزائر

قام جنود ماليون بالتمرد على السلطة المركزية، في مؤشر يؤكد على انقلاب عسكري متكامل الاركان، حيث اعتقلوا رئيس مالي إبراهيم بوبكر كيتا، ووزيره الأول في العاصمة المالية باماكو، بعد السيطرة على قاعدة كاتي العسكرية خارج باماكو، والتي تعد من بين أهم القواعد العسكرية، ولو أن الغموض لازال يكتنف القضية، حيث لم يصدر أي بيان رسمي إلى حد الآن.

كما قام عسكريون ماليون، في حركة منسقة، باعتقال عدد من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين ليقطعوا بذلك رأس النظام السياسي، الذي كانت هناك مطالب بإسقاطه منذ مدة، من خلال العديد من المظاهرات التي شهدتها مختلف المناطق المالية، طيلة الشهرين الماضيين، في حركة احتجاجية غير مسبوقة، منذ انقلاب 2012.

ويشهد مالي أزمة سياسية داخلية حادة، حيث تطالب المعارضة من مدة، باستقالة الرئيس المالي، رافضة خيارات التسوية التوفيقية المقترحة من قبل رئيس عجز عن ادارة الأزمة متعددة الأوجه التي تعيشها البلاد، خاصة على الجبهة الأمنية، مع عودة نشاطات المجموعات المسلحة، حيث سعى كيتا إلى إقامة حوار مع ممثلي المجموعات المسلحة، إلا أن مسعاه باء بالفشل، كما فشلت كل محاولات التوفيق مع المعارضة المالية.

وأبانت السلطة المركزية عن عجزها في السيطرة على الوضع، وبقائها رهينة الدعم الخارجي، والتواجد العسكري الفرنسي بالخصوص، حيث يغرق مالي منذ سنة 2012 في أزمة عميقة، أدت إلى خسائر بشرية من المدنيين تقدر بالالاف من القتلى، هذا دون احتساب مئات الآلاف من المتشردين، رغم دعم المجتمع الدولي للدولة المالية، وتدخل قوات أممية إفريقية وفرنسية.
وتشهد البلاد، رغم التوقيع على اتفاق لا والمصالحة، في العاصمة الجزائرية، عام 2015 مع الطوارق في الشمال، أعمال عنف تقوم بها جماعات مسلحة.

ويتقاطع غضب الشارع مع عدم رضا جزء من المؤسسة العسكرية عن الأوضاع السائدة، خاصة مع محدودية أثر التنازلات المقدمة من قبل الرئيس المالي أبو بكر إبراهيم كيتا، ففي فيفري 2020، أين قام بفتح قنوات للحوار مع التنظيمات المسلحة، من بينهم القياديان أمادو كوفا زعيم ماسينا، وإياد أغ غالي زعيم أنصار الدين المتحالف مع القاعدة، متجاوزاً الخطّ السياسي المتبع رسمياً، وهي خطوة أثارت الكثير من التحفظ، لاسيما وسط الجيش، ليزيد فشلها وعدم تحقيقها أي نتائج تذكر الطين بلة.

كما حاول الرئيس كيتا، التقرب من نخب وقيادات وزعماء طوائف وسياسيين وممثلين من المجتمع المدني، إلا أنه واجه حالة من الاستياء والرفض الشعبي، تمثل في مظاهرات كثيفة خرجت مطالبة برأسه، وأضحى الرئيس المالي معزولا في خياراته، لتختم باريس جملة مصائب هذا الاخير، بعدم رضاها عن أدائه، ما يدل على أن الرئيس المالي، الذي وصل إلى الحكم في 2013، أي في ذروة التدخل العسكري الفرنسي، ما بين عمليتي “سيرفال” ثم “برخان” العسكريتين، واجه تأكلا في شرعيته السياسية، رغم اعتباره قريبا من باريس.

ويبقى مصير الرئيس المالي واغلب أعضاء حكومته، إلى حد كتابة هذه الأسطر، معلقا على عدد من العوامل، من بينها السلوك الفرنسي ورد فعل باريس، وكذا رد فعل المؤسسة العسكرية، إذ يكشف تحرك جزء من الجيش وقيامه باحتجاز الرئيس وطاقم حكومته بسهولة، عن مدى هشاشة الوضع، في انتظار اتضاح الرؤية بشأن التوازنات القائمة داخل المؤسسة، فضلا عن ردود فعل الجوار المالي، فبغض النظر عن شجب الإتحاد الإفريقي لعملية الإنقلاب والاحتجاز، ورد الفعلدح الغاضب لمجموعة دول غرب افريقيا التي ينتمي إليها مالي، فإن صمت باريس يطرح نقاط ظل، حول الأحداث التي تشهدها، وهي التي تحوز على تواجد عسكري واستخباراتي، إذ باستثناء دعوة باريس عبر الخارجية المتمردين بالعودة الى ثكناتهم، وتفضيل وساطة دول مجموعة دول غرب افريقيا، فإن باريس تبقى على مسافة من الأحداث المتسارعة في مالي، بل حتى تصريح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وإدانته لمحاولة التمرد المستمرة، يظل تصريحا استهلاكيا وفقط، ليبقى وضع باريس حساسا، لاسيما وأن تواجدها في مالي يرى على أنه احتلال من شريحة واسعة من الماليين، إلى جانب كونه مصلحيا لسلب موارد مالي كالنفط والغاز والذهب واليورانيوم وغيرها.

ومن بين المؤشرات الدالة على أن حركة التمرد، التي قام بها متمردون من الجيش المالي، هي انقلاب عسكري يعيشه مالي، هي:

أولا: قيام الجيش باحتجاز الرئيس ونائبه وأعضاء الحكومة، لمنع أي هامش حركة، والقيام بذلك بسرعة فائقة، ما يؤشر على إرادة في خلق حالة فراغ سياسي.

ثانيا: السيطرة على المواقع الحساسة في العاصمة المالية.

ثالثا: التركيز على الضبابية والغموض في سير الأحداث، بحيث يجهل من وراء العملية، ومن يقودها.

رابعا: سرعة اتخاذ قرار اجتماع مجلس الأمن، في جلسة مغلقة، بطلب من فرنسا، يكشف حساسية الأوضاع.

خامسا: تزامن العملية العسكرية مع حركة احتجاجية ضد الرئيس كيتا، لمعارضين، وتوقف التلفزيون المالي عن البث.

يشار إلى أن ثكنة كاتي، معروفة بتمردها، حيث أنه في مارس 2012، وبينما كان الطوارق ومجموعات مسلحة يقومون بهجمات واسعة شمال مالي، وعند بدء تموقع مجموعة القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي وانصار الدين، قام جنود من هذه الثكنة، بالتمرد والثورة ضد الرئيس امادو توماني توري، وكان قائد العملية وقتذاك انذاك النقيب امادو سانوغو ، الذي طرد الرئيس توري.

ورغم أنه من المبكر البث في تفاعلات وتداعيات العملية الانقلابية، وحتى مألاتها، وهل سينجح المتمردون في السيطرة على الوضع، ومدى اصطفاف الجيش المالي مع خيار ازاحة الرئيس كيتا، إلا أن باريس تجد نفسها في موقف محرج، فجزء من الجيش المالي ممتعض من التواجد الفرنسي المباشر، الذي تحول الى عبء، لكونه يرى انه احتلال مقنع، وبالتالي فإن باريس قد تفقد مواقع لها، وهذا ما يفسر التحرك السريع لها على عدة أصعدة، وتواجه ضغوطا من حيث كونها داعمة لنظام سياسي فقد الكثير من مصداقيته، وقدرته على إدارة الازمات والتحكم في الأوضاع.
كما أن سقوط كيتا بعد توماني، سيفقد باريس ورقة رابحة بلا شك في المنطقة، خاصة وأن مواقف المعارضة لا تميل إلى وصاية فرنسية على البلاد.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.