تنمية مختارات مقالات

إحتراف صناعة الأعداء

إحتراف صناعة الأعداء

بقلم: ا.د. ناصر ابو مصطفى

صناعة الأعداء لا تحتاج إلى الكثير من الخبرة فالعداوة ليست من المغانم كما أن الصداقة ليست من المغارم، وللأسف الشديد إحترفَ السياسي الفلسطيني إما صناعة الأعداء او خسارة الأصدقاء والحلفاء في الحد الأدنى وتفويت الفرص وبجدارة على مدار الخمسين سنة الماضية وخاصةً في العقدين الأخيرين مروراً بجميع مراحل النضال الفلسطيني وأماكنه من الأردن الى لبنان وسوريا ومصر وتونس حتى وصل الأمر إلى معاداة شعبه في فلسطين في الآونة الأخيرة.

إن صناعة الأعداء لا تحتاج الى ذكاء ودهاء وتخطيط مسبق أو براعة في التنفيذ وإنما تحتاج إلى اللامبالاة وعدم أخذ المبادرات والقرارات المناسبة في الوقت المناسب ناهيك عن عدم تفويت الفرص على الخصوم وعدم إقتناص الفرص في الوقت المناسب.

إن ما حصل مؤخراً من التطبيع الإسرائيلي الإماراتي ما هو إلا غيضٌ من فيض فدولاً عديدة ستقوم بنفس الأمر وأكثر فالبحرين وسلطنة عُمان والسودان وليبيا والمملكة العربية السعودية ستقوم بالتطبيع وعقد معاهدات السلام المجاني مع دولة الإحتلال الإسرائيلي قريباً وقبل الإنتخابات الأمريكية المقبلة في الثالث من نوفمبر لعام ٢٠٢٠، وأنا هنا لست متشائماً فبالعكس قد اكونُ متفائلاً جداً، وهنا يكمن دور السياسي الفلسطيني في محاولة تفادي ذلك خاصة في زمن التحولات السياسية العالمية الجارية، فأين دور الرئاسة ووزير الخارجية من ذلك؟ هل ينتظرون أن يتم توقيع مزيداً من معاهدات السلام المجانية ؟ فالعالم اليوم اصبح معقداً جداً تتعدد أزماته وتتغير مصالحه بسرعة ويتعدد فيه الفاعلون وتتباين فيه الأجِندات وبالتالي تكثر السيناريوهات وتكثر فيه التغيرات ولا أقول المفاجآت لأن السياسي إذا تفاجىء فهذا دليل على حماقته، فأين المراكز الفلسطينية المختصة بدراسة التطورات والأزمات على الساحة الاقليمية والدولية؟ أين مؤسسات الأفكار والفكر الفلسطينية لتتولى مسؤولية وضع الخطط والبدائل الاستراتيجية لسياسات الدولة لمجابهة التغيرات والتحالفات السياسية؟ أم سنبقى ننفذ أفكار وسياسات شخص او شخصين؟ أفكار قديمة عقيمة أثبت فشلها مليون مرة.

وهنا أقول وأشدد أنني شخصياً لا أبرر لهذه الدول ما قامت به أو ستقوم به وأيضاً لا أريد جلد النفس ولكن وللأسف الشديد فالسياسي الفلسطيني لم يحاور بالمنطق ولم يتحلى بضبط المشاعر وإتقان التواصل وتحمل الضغوط واللباقة والكياسة والفطنة وإدراك الواقع الشامل ولا حتى إحترام الطرف الآخر ولم يأخذ بعين الإعتبار أن لكل دولة الحق في التخطيط الإستراتيجي القومي بما يناسب التحديات العالمية الراهنة بوجهة نظر هذه الدولة.

للأسف فكما فشل السياسي الفلسطيني بالتواصل ومخاطبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفهمه خلال الأسبوع الأخير قبل الإعلان عن “صفقة القرن” وتركه فريسة سهلة لبنيامين نتنياهو السياسي الماكر بجدارة، علماً ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب شخصية موضوعية لا يراوغ وواضح جداً في عمليات التفاوض ويمكن تغير أفكاره وقناعاته بسهولة اذا خوطب بلغة الأرقام والمصالح الحقيقية والوقائع على الأرض فقد فشلَ السياسي الفلسطيني مجدداً في التعامل مع السياسي الإماراتي خلال أزمة مساعدات وباء كورونا وصنعَ عدواً جديداً عندما فشل في احتوائه مسبقاً.

إن الإبتزاز السياسي وفرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني مرفوض رفضاً تاماً ولكن يجب علينا أن لا نقع في المستنقعات
نتيجة عدم قدرتنا على قراءة الماضي والحاضر والمستقبل قراءة موضوعية وواقعية وحتى نكون قادرين على التأسيس لمستقبل الشعب الفلسطيني ضمن طموحاته وحقوقه وثوابته المشروعة، فالحلول المرتجلة لا تؤدي الى نتيجة فنحن بحاجة الى الكثير من اللامركزية فالمسافة بين العقل والقلب من أبعد المسافات والتقريب بينها من أصعب الأمور.

وهنا أدعو السياسيين الفلسطينين من أبناء شعبنا الأبي وأقول لهم إجلسوا معاً تحاوروا وتشاورا وإتفقوا وإن إختلفتم فاتفقوا كيف ستختلفون. كما أدعو الشعب الفلسطيني أن لا ييأسوا فإن الهمم تنشأ من الأزمات.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.