سياسة مقالات

بيتك يا مخزن من زجاج.. فلا داعي لضرب جيرانك بالحجارة!

بيتك يا مخزن من زجاج.. فلا داعي لضرب جيرانك بالحجارة!

بقلم: ا. هبة داودي – الجزائر

لا يخفي كثير من الشعب المغربي استياءه وامتعاضه الشديد من مسألتين هامتين، في ظل الظروف التي يعيشها، مع انتشار فيروس كورونا المستجد، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية وتبعاتها على الجبهة الاجتماعية، في وقت تروج بعض الاطراف المغربية لما تعتبره بذور “عشرية سوداء” جديدة، عند الجارة الشرقية، بينما يعاني المخزن عدة أزمات، وعلى رأسها الوضع السياسي الغامض، الناتج عن الغياب الطويل لأول ممثل للملكة العاهل المغربي محمد السادس، وبدل التركيز على حل جملة المشاكل الداخلية، يسعى المخزن الى تحويل أنظار الرأي العام الداخلي الى الخارج، تارة بتوجيه أبواقه الإعلامية صوب الجزائر، وتارة باللعب على الذقون وبيع احلام زائفة تتعلق بالصحراء الغربية.

المسألة الأولى تتعلق بغياب الملك محمد السادس، و هو الغياب الذي طالما أسال الكثير من الحبر، واثار تساؤلات عديدة حول ما يقف وراء غيابه المتكرر، وهل للامر علاقة بحالاته الصحية غير المستقرة، والتي تكشف عنها بعض من اطلالاته، بين الفينة والأخرى، ففي نهاية شهر جويلية الماضي، وبعد ثلاثة اشهر من الغياب، أطل الملك المغربي لالقاء خطاب في 29 جويلية، بمناسبة عيد العرش، وقد ظهرت جليا، حسب المراقبين، الصعوبة التي وجدها الأخير في إلقاء خطابه، خاصة وأن الأمر أتى عقب إجراء عملية جراحية بأحد المستشفيات الباريسية، وهي العملية الثانية في ظرف سنتين.
وأضحت غيابات الملك متكررة وممتدة زمنيا، إلى حد بات الحديث عن التحضير لخلافة الملك، واعتلاء مولاي الحسن العرش، رغم صغر سنه، حيث لا يتعدى 17 سنة، وهو الابن البكر للعاهل المغربي وزوجته سلمى بناني، والحاصل على بكالوريا اقتصادية واجتماعية.
المسألة الثانية هي أن ذلك يحدث، في وقت تبرز فيه تبعات وباء كورونا، بابعاده الصحية والاجتماعية والاقتصادية، ويجد المغاربة أنفسهم أمام معونات هامشية، في إطار صندوق كورونا، بينما تواجه الطبقات الشعبية وضعا صعبا، ما بين تزايد أعداد المصابين والوفيات، جراء الجائحة، وضعف القدرة الشرائية، إلى جانب بوادر انهيار الاقتصاد.
والى جانب الضبابية السياسية، والضغوط الاجتماعية في المخزن، فإن الوضعية الإقتصادية تبقى هشة وحساسة، حيث اتخذت حكومة “الملك” كما توصف، برئاسة سعد الدين العثماني، تدابير في قانون المالية 2020، اعتبرت أنها عبء ثقيل على الطبقات المتوسطة والضعيفة من باب التقشف، حيث أثارت التدابير المعتمدة موجة سخط وغضب عارمين، خاصة وأنها مست تخفيض ميزانيات التعليم وضبط ميزانية الصحة، فيما تم شجب الضغوط الكبيرة الممارسة على نواب البرلمان، لتمرير سريع للقانون، في وقت باتت أغلب المؤشرات الاقتصادية في الخانة الحمراء، فنسبة النمو نزلت دون 5.2% سلبا، وعجز الحساب الجاري الخارجي بلغ 10.3%، وديون الخزينة العمومية ارتفعت ب 75.3 %، وعجز الموازنة ارتفع ب 7.6 %، بينما سجل ارتفاع لعجز المؤسسات عن تسديد القروض.
ومن بين القطاعات المنكوبة في المغرب، السياحة، التي أضحت تهدد 550 الف عامل بفقدان مناصبهم، إذا لم تقدم الحكومة المغربية على ضخ 1.1 مليار اورو لفائدة 4000 نشط في الفندقة.
وضع سياسي غير واضح، بتفاقم منسوب الاستقطاب بين شركاء الحكم، خاصة بين حزب “الإتحاد الاشتراكي” وحزب “العدالة والتنمية”، وصراع أجنحة داخل الحكومة المغربية، زاده غياب الملك كما أشرنا آنفا، غموضا، لكن ذلك لم يمنع المخزن من ممارسة هوايته المفضلة، والمتمثلة في الاستمرار في التسلح وإقامة قواعد عسكرية، بالقرب من الحدود الجزائرية، في سلوك يهدف إلى صرف النظر عن المشاكل الداخلية.
ويبقى ملف حراك ريف الحسيمة والمعتقلين، على رأسهم ناصر الزفزافي، قائما ومطروحا بحدة، وهو الملف الذي ارتبط بالمقولة الشهيرة ” أطحن أمو”، بعد طحن المغربي محسن الفكري في شاحنة النفايات، فاهتز الشمال، ورغم “قرارات العفو” الجزئية المعلن عنها في نهاية جويلية بشأن المعتقلين، إلا أن المخزن ارتأى الإبقاء على رمز حراك الريف المغربي الزفزافي، قيد السجن، والحكم عليه ب 20 سنة حبسا، في وقت لا تزال الحسيمة تعكس الوضع المتردي والهش لمنطقة الريف المتمردة، بتسجيل اعداد قياسية من الاصابات بكورونا.
ومثل قانون رقم 22.20، الذي أعدته حكومة العثماني، والمتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، والذي يتضمن عقوبات بالسجن وغرامات مالية في حق المخالفين، صورة جديدة لما اعتبر مسا بحرية التعبير، حيث تتراوح العقوبات بين ستة أشهر وسنة سجن، إلى جانب غرامة من 5000 درهم إلى 50000 درهم، أي من 500 دولار إلى 5000 دولار، كما شكل قانون محاربة الإثراء غير المشروع وسحبه من قبل حزب “العدالة والتنمية”، مؤشرا للاحتقان القائم.
وعلى نفس المنوال، عبرت سلطات المخزن عن امتعاضها من تقارير منظمة العفو الدولية “امنيستي”، التي ما فتئت تشدد على تجاوزات المخزن في مجال حقوق الإنسان، فبعد وضعية الصحفي علي لمرابط المحروم من وثائقه الرسمية، حيث يصف نفسه ب ” أول بدون” في المغرب، فإن الرباط وجدت هذه المرة في ملف الصحفي عمر راضي، فرصة جديدة لتندد بما تعتبره حملة ضدها، بعد ان استنكرت المنظمة عمليات التجسس التي طالت الصحفي والتهم الملفقة ضده، حيث تم استخدام برمجية خاصة، وفرتها الشركة الصهيونية “ان اس او غروب”.

وتمتد هذه الخروقات إلى الصحراء الغربية أيضا، حيث أبان الموقف المعلن من قبل الاتحاد الاوروبي عن صفعة جديدة للمخزن، إذ أكد الممثل السامي للشؤون الخارجية وسياسة الأمن جوزب بوريل، في 8 أوت 2020، أن الاتحاد الأوروبي يعتبر الصحراء الغربية إقليميا غير مستقل، وأن وضعه النهائي يتحدد وفق نتيجة المسار المعتمد من قبل الأمم المتحدة، علما أن المغرب لا يزال يخصص ميزانية معتبرة لترسيخ احتلاله لأراضي الصحراء الغربية، والإبقاء على مظاهر عسكرة الإقليم.

خلاصة القول: من كان بيته من زجاج، فلا داعي لأن يضرب جيرانه بالحجارة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.