سياسة مختارات مقالات

بعد الإمارات.. هل يبدأ انفراط عقد التطبيع العربي الإسرائيلي؟

بقلم الباحث/ محمد زهير جنيد 
ماجستير دبلوماسية وعلاقات دولية
لم يعد موضوع التطبيع أمرا يمكن السكوت عنه بسبب انتشار آراء الكثير من المثقفين والنخب العربية التي تدعو إليه أو إلى التساهل مع المطبَعين.
اتخذ التطبيع أطوارا عدة خصوصا بعد نشوب الحرب السورية، فقد ظهرت عدة مسوّغات سياسية لتبرير التعامل مع العدو الاسرائيلي، أولها، ان نشوب الحرب السورية “ساهم” في تبرير مواقف بعض قيادات المعارضة للتعامل مع إسرائيل بحجة مواجهة النظام السوري، وثانيا، أن عداء عدة دول عربية لإيران أصبح مبررا للتعامل مع تل ابيب.
ثالثا، بدأت تكثر الأصوات التي تدعو الى التطبيع الثقافي مع العدو الاسرائيلي، خصوصا بعد حدوث هذه الموجة لدعاة التطبيع في الخليج تحت ذرائع كثيرة منها، التمييز بين الموقف السياسي والموقف الثقافي والفني.
وكما هو معلوم، فإن دور النخب عادة يكون تقدميا وهو في نقل المعارف والتنبيه من المخاطر الفكرية والسياسية والاقتصادية لسياسات الدولة ولأعداء الأمة، وهم الفئة الأكثر تأثيرا على المجتمع لقدرتهم على بلورة أفكارهم بأساليب مقنعة وابتعادهم عن مراكز السلطة، مما يضفي عليهم المصداقية.
إن استطاعت إسرائيل اختراق بيئة المثقفين والتأثير عليهم لتغيير مواقفهم تجاهها تكون حققت ما لم تستطع ان تحققه من خلال العمل العسكري. 
إن مشكلة إسرائيل اليوم ليست مع الأنظمة العربية، فمعظم الأنظمة تتعامل معها إما علنا أو سرا، بل مع الشعوب التي ما زالت ترى فيها عدوا احتل أرضها واضطهد الشعب الفلسطيني، وخير دليل على ذلك المظاهرات التي عمت الشوارع في العديد من الدول العربية بعد أن اتخذ ترامب قراره بنقل السفارة إلى القدس وإعلانه لصفقة القرن وضم الجولان السوري المحتل، إضافة إلى إعطاء الضوء الأخضر للكيان لضم الضفة الغربية وغور الأردن. وحين تستطيع تل أبيب أن تصل الى اجتذاب النخب العربية إلى صفها تكون بذلك قد ضمنت قدرتها على تغيير الرأي العام تجاهها، أو ما يسمى بـ”كيّ الوعي”.
إن دعاة التطبيع يجب أن يواجهوا بحملة مضادة تدعو إلى ضرورة التنبيه إلى أن عملية التطبيع الثقافي والسياسي تعني طمس القضية الفلسطينية وتعني أيضا الرضا بظلم المحتل، بحيث تُبرر سياساته العنصرية وظلمه للشعب الفلسطيني.
في المرحلة الماضية كانت هناك رغبة لدى بعض القيادات العربية في التطبيع، ولم يحد من هذه الرغبة إلا رفض الشعوب العربية لها والرفض الإسرائيلي للبنود العربية المقترحة، أما الآن فقد بدأت القيادات العربية تهرول نحو التطبيع، كما فعلت الإمارات، مستغلة انشغال الشعوب بقضاياها الداخلية، ومتذرعة بطول الصراع والانقسامات الفلسطينية، حيث يتوقع أن تدفع هذه القيادات إلى إقرار التطبيع عبر الجامعة العربية، أو توفير مظلة تلزم الدول بالتطبيع.
الإعلان الإماراتي الإسرائيلي برعاية أمريكية، لم يكن مفاجئا، فالجميع يعلم أن كثيرا من الدول العربية تقيم علاقات تطبيع مع إسرائيل من تحت الطاولة، وما قامت به دولة الإمارات ليس إلا إخراج السلة من تحت الطاولة ووضعها فوقها لتكون مكشوفة للجميع، وهذا ما ستفعله كثير من الدول العربية –وخاصة الخليجية-التي تقيم علاقات سرية مع تل أبيب.
وفي المقابل، وبعد أن أعلن الرئيس الأمريكي القدس عاصمة لإسرائيل، وعرقلة إسرائيل لكل المبادرات العربية، فيبدو أن الإدارة الأمريكية ترغب في فرض الصيغة الأمريكية للسلام إرضاء لإسرائيل، وهي الخطوة التي كان من المفترض الإعلان عنها منذ وقت مبكر، لكن نتيجة انشغال دول عربية تعول عليها أمريكا كثيراً في التعاطي الإيجابي مع المبادرة بقضايا داخلية، أُخِّر إعلانها، وبالتالي، فإن خيار التطبيع من بعض الدول العربية لا يبدو مستحيلاً.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.