فكر مختارات مقالات

آلان باديو … الوضع الوبائي في ظل العولمة الرأسمالية

بقلم/ علي حسين

نفى آلان باديو أن يكون كتابه الأخير عن رونالد ترامب حديثا عن ازمة يمر بها العالم، بقدر ما هو كشف لعارض مرضي وصفه بأنه عبارة عن مجموعة بثور على وجه العالم: “لا بدّ كي نفهمها أن نحسن فهم الداء الّذي أنتجها، والذي ينوء العالم كله اليوم تحت ثقله”، هذا الداء يطلق عليه باديو تسمية “السّيادة الأحادية للرأسمالية”. يؤمن أبرز الفلاسفة الفرنسيين الأحياء أن العقول المتنورة في عصرنا قد اختارت دونالد ترامب اليوم محوراً لسخريتها. بدا لباديو المعروف بانتماءاته اليسارية، أن ترامب تحول إلى “رمز” شعبوي، لكنه بالنسبة له “رمز للحمق السياسي” وأكثر من ذلك “أحد أعراض الاختفاء التدريجي للعقل السياسي”. ويرى صاحب “في مديح الحب” أنه من الضروري مقاومة اختفاء هذا العقل بعدم الانخراط في “شعبوية” ترامب وغيره بحيث يصبح ما يقومون به من بين معايير الأداء السياسي.
ظل آلان باديو يؤكد أن العولمة الرأسمالية تصر على أن تتسيد العالم لوحدها، لا بصفتها النموذج الأمثل والغالب فحسب، بل بصفتها، كما تسوق لنفسها، النموذج الوحيد الممكن والقادر على الحياة. فالافكار والمشاريع الأخرى بالنسبة لمروجي العولمة ليست سوى طروحات خائبة، بل هي غير ممكنة، ويستشهد آلان باديو بالعبارة التي دائما ما كانت ترددها رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة مارغريت تاتشر: “ليس ثمة حلول أخرى”. ويسخر باديو معلقا أن تاتشر تريد أن يكون العالم كله في بطن الوحش الرأسمالي.
ويجد باديو أن نموذج ترامب اقرب إلى عصابات المافيا، لكن هذه المرة المافيا جاءت إلى كرسي الحكم من خلال صناديق الاقتراع، وهي برأي باديو تعبر بدقة عن حال ترامب، وعن حال مجمل الشخصيّات التي تنتجها ديموقراطية العولمة اليوم في العالم: “نحن في قبال ترامب نقف أمام ذكورية وعنصرية وعدوانية، لكننا نقف أيضا أمام هتك للغة. فهو ينطق بما يحلو له، ويهزأ باللغة نفسها ولا يأبه باتساق معانيها، فاللّغة لا تعود عنده أداةً للمحاججة السّياسيّة يدافع بها عن موقف أو يُبرر من خلالها سلوكا، بل هو يختزلها إلى مجموعة تغريدات على تويتر، تعطي للعالم في كل لحظة انطباعا عن الغلبة والسيطرة”. ترامب على حد وصف باديو شخصية تعاني من ازدواجية في الأفعال والأقول فهو يمكن أن يقول الشيء ونقيضه أو أن يفعل كل ما هو غير متوقع… والفيلسوف الفرنسي لا يجد في ترامب نموذجا جديدا للراسمالية، وانما هو ببساطة يحاول ان يعيد لنا زمن “الرأسمالية الكولونيالية الأولى”، فترامب هو إعادة تشكيل لصلافة النظام الرّأسمالي المُعولم، الذي يسعى إلى توزيع الثروات ضمن قانون جديد لم تعهده البشرية في تاريخها من قبل على حد تعبير باديو الذي يرى أن منطق الرأسمالية الجديدة أصبح منفلتا، فيما العالم يتفرج مكتوف الأيدي: “إن الرأسمالية بمخالب شركاتها أصبحت قادرة على تمزيق الدول وشل كل مقاومة محتملة وجعل كل شيء سلعة وبيع وشراء فحتى (داعش) كانت مجرد قوة تجارية بالنسبة لها، بل والأكثر من ذلك فهي أصبحت تسعى نحو التدمير المنهجي لكل التدابير ذات الأبعاد الاجتماعية وكل الإجراءات التي تصب في الخير العمومي” .. ويبقى السؤال: ما المخرج من قبضة الراسمالية المعولمة ؟ يجيب آلان باديو أن الحل يتمثل في تشكيل بروليتاريا عالمية تجمع كل العاملين والمثقفين وتعمل بنفس منطق الرأسمالية الحالي، وأن تجتهد هذه الروليتارية في خلق مقاومة وبدائل تصب في الخير العام ليستفيد كل البشر من ثروات العالم، وهو ما يوفر على البشرية الكثير من الألم والعذاب على حد قوله. ويشير باديو إلى الضعف الذي أصاب الحركة، وهو يحيله إلى عدم قدرة هذه الأحزاب بعد استلامها للسلطة على امتلاك أدوات جيدة لتنظيم المجتمع الشيوعي. وأيضا فشلها في بناء أممية حقيقية.
يرى باديو أن الفلسفة لا يمكن أن تُعرف فهي مثل العدالة والحرية يجب أن تُعاش، ولهذا هو يؤمن مثل ابيقور أن التفلسف فعلاً مستمرا ودائما ومتوحدا مع الحياة نفسها، التي يجب أن تتجدد في كل لحظة، فالفيلسوف مهمته أن يطرح أفكارا جديدة ومشاكل جديدة. وهو بذلك يكتسب المزيد من المواجهة، كما أن عليه أن يكون قادرا على جذب عدد كبير من الناس إلى صلب مشكلات المجتمع. وباديو يضع وراءه عبارة افلاطون الشهيرة “إن الفلسفة إيقاظ” وأن هذا الإيقاظ يتطلب من الفيلسوف أو المثقف أن يقيم علاقة دائمة مع واقعه.
يتذكر آلان باديو المولود في السابع عشر من كانون الثاني عام 1937، أنه غادر مسقط رأسه الرباط وهو في السادسة من عمره، حين قرر والده أستاذ الرياضيات الهروب ليلا من مدينة الرباط التي يعيش فيها ويعمل، بعد أن حذره أصدقاء له من أن الحكومة في فرنسا لا ترغب بوجوده في المغرب، كان الأب اشتراكيا يلقي الخطب التي تطالب باستقلال المستعمرات الفرنسية، مغرما بافكار تروتسكي، حتى أنه كان يبعث برسائل إلى صاحب نظرية الثورة الدائمة، يشرح له فيها أحوال المستعمرات الفرنسية التي تعيش حالة من التخلف في أوضاع اقطاعية تقوم جنبا إلى جنب مع اشكال الاستعمار الحديث. في باريس يصبح الأب عضوا في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، يتعرف على جان بول سارتر، وسيشاهد الابن آلان وهو في العاشرة من عمره، سارتر حين أشار له والده بأن الفيلسوف الوجودي كان صديقه من ايام المقاومة. سيختبر الوجودية في شبابه، ومثل سارتر يحلم بأن تكون الفلسفة دليلا هاديا للحياة في العالم المعاصر، يقول انه ادرك قيمة الفلسفة بعد ان قرأ كتاب سارتر الشهير “الكينونة والعدم”. في العشرين من عمره يكتب مقالا عن سارتر يقول فيه ان سارتر علمني أن أقرأ الفلسفة مثلما اقرأ الروايات، كانت كتب سارتر “قد فتحت امام باديو نقطة الانطلاق: “سارتر مثل لي طريقة جديدة في فهم الوجود. يمكن للناس ان يختاروا مستقبلهم”، في السابعة والعشرين من عمره يقرر السير على خطى صاحب “الغثيان”. كان سارتر قد أصدر أول اعماله الفلسفية على شكل رواية، اراد من خلالها ان يجد طريقة نحو فلسفة وجودية تطرح افكارها من خلال الأدب، فكان قرار آلان باديو ان تكون اول اعماله رواية بعنوان “الماجستيس” صدرت عام 1964 ، قال انها تجسيد لمقولة سارتر التي اعتبرت التعبير الروائي نمطا من التفلسف. ومثل سارتر سيؤمن ان الرواية نوع من انواع التعبير الأدبي الملتزم بقضايا مجتمعه: “يعرف الأدب خيبة الإنسان وضعفه، وعلى أساس تلك المعرفة يقوم بتبديل وتحويل حتمية مصائر البشر”، ومن اجل تلك المعرفة يصدر عمله الروائي الثاني “جاذبية” عام 1969م.
وفي الثامنة من عمره سياخذه والده للاحتفال بتحرير باريس، عام 1955 يدرس الفلسفة، وفي الجامعة سيلتقي بمعلم آخر سيكون له تاثير كبير عليه وهو لويس ألتوسير، وسيصبح باديو فيما بعد أحد افراد المجموعة التي كانت تسمى “أبناء التوسير” وكان من بينهم جاك رانسيير وآلان باديو وإتيان باليبار، وقبلهم ميشيل فوكو وجيل دولوز، وسيطلق باديو على استاذه التوسير لقب”، الفيلسوف الماركسي العظيم “الذي يؤمن ان مهمة الفلسفة هي إعادة تنظيم جميع التجارب النظرية والعملية، من خلال اقتراح تقسيم معياري كبير جديد يقلب النظام الفكري القائم ويعزز قيم جديدة تتجاوز القيم المشتركة. وان الفلسفة هي مخاطبة مجانية موجهة إلى الجميع، ولكن أولا وقبل كل شيء، إلى الشباب، لأن الفيلسوف يعرف تمامًا أن الشباب يجب أن يتخذ قرارات بشأن حياته، وأنه غالبا ما يكون أفضل استعدادا لقبول مخاطر ثورة منطقية.. لكن سرعان ما سيتمرد الطالب باديو على استاذه ألتوسير، فالتلميذ يجد في الفلسفة فعلا ديمقراطيا يبشر بقدوم مدينة فاضلة، تلك المدينة التي تجعله يدمن قراءة افلاطون ويعيش تحت رغبة ملحة في إصلاح العالم، يختار سبينوزا موضوعا لاطروحته في الدراسات العليا، وفي تلك السنوات يتعرف على عالم النفس جاك لاكان الذي يصفه باديو بانه عقل في المقام الاول، يتعلم منه ان لا يكف عن التفكير، ويؤكد باديو ان لاكان والتوسير قد “وجد كل منهم في حركة رجوعهما، الاول الى فرويد والثاني الى ماركس، افكارا جديدة لا تخص بالفعل احد سواهما”
ينخرط باديو منذ شبابه في نضالات ومساجلات وكتابات عديدة لاستعادة الفلسفة والتاريخ والسياسة والغد الأفضل للناس، ويساهم في تاسيس الحزب الاشتراكي الفرنسي، وتتجه افكاره صوب الماوية حيث كان ناشطا في تظاهرات 1968، واليوم يوصف بانه اشبه بافلاطون معاصر يصغى الجميع الى حكمته، يعمل في المعهد العالمي للفلسفة. يكتب عددا من المسرحيات يتخذ مواقف صلبه ضد الحروب والاضطهاد والعنصرية، يتناول العديد من الموضوعات بدءا بالإيديولوجيا، ومرورا العنصرية، التسامح، التعددية الثقافية، حقوق الإنسان، الفلسفة، العولمة، الوجود، الثورة والحب، ما بعد الحداثة، ووليس انتهاءً بالسينما والدين.
آلان باديو الذي يقترب من عامه الرابع والثمانين قال لمحرر مجلة لوبان الفرنسية حين ساله عن تاثير الحجر المنزلي على نشاطه: “هذا السؤال يوجه للذين فقدوا وظائفهم بسبب الوباء، اما بالنسبة لرجل مثلي يعيش في شقة كبيرة، ولديه موارد تكفيه للجلوس عاطلا لفترة طويلة، فان الحجر يسمح له التفكير بحرية عن الثورة الحقيقية التي يحتاجها العالم الآن ” . ويضيف باديو ان لاشيء يمكننا عمله سوى محاولة عزل انفسنا: “إن الالتزام بنظام الانضباط الصارم بهذا الخصوص لهو أمر ضروري للغاية لأنه يوفر الدعم والحماية الأساسية لجميع الأشخاص”.
في عمله الفلسفي، اهتم باديو بالسؤال: “كيف يأتي الجديد إلى العالم”؟ وما هي “الأحداث” التي تجعل الشعوب تغير من نفسها ومن نمط حياتها وبالتالي تغير المجتمع، وعندما يطرح عليه سؤال: هل ظهور فايروس كان مفاجأة للعالم ؟ يقول باديو ان فايروس كورونا وتأثيراته ليس بالأمر الجديد عليه هو بالذات الذي طالما كتب وحذر من الاوبئة، وهو يؤكد ان هناك أوبئة ظهرت سابقا وستظهر باستمرار مستقبلا، لكنها نادرا ما تحظى باهتمام كبير. واحيانا لم تحظ بأي اهتمام، كان باديو قد كتب من قبل عن وباء الايدز وضرورة مكافحته، لكن الايدز حصد الملايين من الوفيات دون ان تثار حوله ضجة كبيرة. وفي مقال وضع له آلان باديو عنوانا بسيطا “حول الوضع الوبائي” والذي وصفه البعض بانه عنوان لا يثير الاهتمام، يؤكد باديو ان العالم ينظر ايضا الى الاوبئة من غير اهتمام، مقال آلان باديو الذي نشره موقع Verso اثار الكثير من الجدل، كونه وصف فايروس كورونا بانه ليس مفاجأة ولا شيئا خاصا، ولن يحدث تغيرا في العالم “ولا حتى سياسيا في أي اتجاه”، فهو يرى ان الرأسمالية حولت العلاقات بين البشر إلى منفعة باردة، ويستحضر ما كتبه كارل ماركس قبل أكثر من مئة واربعين عاما: “حينا تستولي الراسمالية على السلطة فانها تدوس بأقدامها كل الروابط الانسانية إلا أوامر الدفع القاسية (للمحاسب)”. وبالتالي، وفقا لباديو أن التحدي الذي يمثله الوباء في كل مكان يتمثل في تبديد النشاط الجوهري للعقل، وإجبار الأشخاص على العودة إلى تلك الآثار الحزينة –التخريف، والدعاء، والنبوءة، واللعنة، التي كانت معهودة في العصور الوسطى عندما اجتاح الطاعون الأرض”.
ويحيلنا باديو الى ديكارت الذي يطالب الفيلسوف والمفكر قبل الحديث عن المشكلة، ان يبدأ بتحديد المشكلة، هذه المشكلة والتي يعني بها مشكلة كورونا يقول باديو انه تم تعريفها في البداية بشكل هزيل للغاية ما جعل معالجتها تتم بشكل هزيل أيضا.
ويجد المفكر الفرنسي الكبير ان العالم وخصوصا الرأسمالي يتخذ موقفا متناقضا من الوباء وهو يجد ان عملية الانتاج الضخم للأشياء المصنعة، تتم تحت رعاية السوق العالمية سواء الاوربية او الامريكية ومعها الصينية، لكن في مجال مواجهة الوباء اصبح هناك تنافس وتنافر بين اوروبا والولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة آخرى، ولهذا يجد باديو ان اوربا وامريكا “لا تسير أمورها بسرعة من أجل تعديل سياساتها في مواجهة الفيروس”، ويضيف ان فايروس كورونا فاجأ اوربا فلم يتوقع أحد.
أو حتى يتخيل باستثناء العلماء والفلاسفة، ظهور هذا النوع من الفايروس في بلدان مثل فرنسا والمانيا، فالكثير في اوربا يعتقد ان الاوبئة تليق بافريقيا، أو حتى في الصين، ولكن ليس بأوروبا الديمقراطية. وينتقل باديو الى موضوعة التغيير السياسي بعد فايروس كورونا فيكتب: “بالنسبة إلى أولئك الذين يرغبون في تغيير حقيقي في الظروف السياسية لهذا البلد، يجب علينا الاستفادة من هذه الفترة الوبائية، ومن الحجر- الضروري للغاية – من أجل العمل على إيجاد شخصيات سياسية جديدة، ومشروع مواقع سياسية جديدة، “ويضيف ان العالم وخصوصا الرأسمالي بحاجة إلى نقد صارم لكل منظور مفاده أن الظواهر مثل الأوبئة يمكن أن تعمل بمفردها في اتجاه شيء يكون مبتكرا من الناحية السياسية: “ان المسؤولية التي تتحملها بلدان اوربا اليوم والتي كشفها فايروس كورونا تتعلق بالمستشفيات والصحة العامة والمدارس والتعليم المتساوي ورعاية المسنين ومسائل أخرى من هذا النوع. ولا يمكن تمفصل ذلك إلا بواسطة ميزانية عمومية لنقاط الضعف الخطيرة التي سلط عليها الضوء الوضع الحالي”.
ويشن باديو هجوما على مواقع التواصل الاجتماعي التي يقول انها: “أثبتت مرة أخرى أنها – إلى جانب دورها في تثخين جيوب الأثرياء- مكان لنشر الشلل الذهني، أو الشائعات غير المتحكم بها، أو حتى الظلامية الفاشية”.
وفي نهاية مقالته عن الوباء يطالب المجتمعات بان لاتمنح المصداقية إلا للحقائق التي يمكن التحقق منها بواسطة العلم ومنظور سياسي يحدد استراتيجية الدول والمجتمعات في مواجهة الازمات الخطيرة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.