ثقافة دين مجتمع مختارات مقالات

تجربة ارتداء الحجاب لطفلة مسلمة في ألمانيا

بقلم/ أسماء نعيم

من ذكرياتي العميقة في طفولتي والتي شكلت أساساً متيناً وصلباً لشخصيتي، هي فترة “الاستعداد لارتداء الحجاب”.
ارتداء الحجاب في عالم غربي، وفِي دولةٍ “معتزة بنفسها وبأصلها” كألمانيا، هو أهم حدث قد يطرأ في حياة طفلة صغيرة لم تبلغ الثانية عشر من عمرها بعد.
وهنا قصتي، والتي اعتقدت أنها روتينية متكررة في كل بيت مسلم لديه فتاة على أعتاب النضوج والبلوغ، إلا أنني أتفاجأ أن البيوت تختلف، وأن التربية مناهج، وأن أصل البيت من أب وأم قد لا يعون أهمية التدرج في تأسيس عقيدة ثابتة ومبادىء راسخة وثقافة دينية متجذرة.

في الصف الخامس الابتدائي، انتقلت لمدرسة جديدة في برلين (ألمانيا)، وكانت فرع Gymnasium تستقطب طلاباً متميزين وتحصيلهم الدراسي فوق المتوسط، وكان عدد الأجانب فيها قليل، ولا يوجد فيها أي طالبة محجبة، ولا واحدة!
أذكر أنني بدأت باستيعاب فكرة ارتداء الحجاب في هذه السنة، وذلك طبعاً بفضل تربية والديّ لي ولأخوته والتزامهم يربطنا بالمسجد والمدرسة العربية والدرس الأسبوعي في المركز الإسلامي الثقافي في حينه، وكذلك اقتداءً بأمي من ارتدت الحجاب من صغرها وحافظت عليها رغم كل الظروف التي واجهتها في ألمانيا (ولا يتسع المجال لذكرها هنا)،

المهم، أنني بدأت بمطالبة أهلي بارتداء الحجاب مع بداية العام الدراسي للصف السادس، وأتذكر أنني “زهقت أهلي زن زن”، لكن والديّ لم يستعجلا في الموافقة، وبدأت أمي بالحديث معي حول فكرة الحجاب مفهوماً وحكماً وغايةً لترسخ الحجاب كفرض ديني لا تراجع فيه، ثم كان لأبي الدور بالغ الأهمية في تكويني لأسلوب النقاش والدفاع عن مبادئي بكل ثقة وتمكن لمواجهة مجتمع يستغرب (وقد يستنكر) فكرة الحجاب، ويعتبر أن الفتيات الصغيرات عن مضطهدات ومجبورات عليه. هذه النقاشات جهزتني نفسياً وعقلياً للرد على أي سؤال أو استفسار، ولَم أكن يوماً أكثر ثقة مما كنت يومها.
وذهبنا للمدرسة، وتحدثنا مع مربية الفصل وأخبرناها أنني سأبدأ بالمجيء للمدرسة بحجابي بعد إجازة كانت أثناء الفصل لا أذكر سببها، فاقترحت المربية أن أُحدِّث زملائي وأخبرهم بذلك مسبقاً، وفعلاً جمعتنا كلنا في الفصل وحضر مدير المدرسة وبعض المعلمين والمربية، وتستحضرني حتى اللحظة كل المشاعر التي مررت بها وأنا واقفة أمامهم أشرح لهم معنى الحجاب في ديننا وفرضيته على النساء وضرورة الالتزام به وغيره من الأمور، وأجبت عن أسئلة الجميع ببساطة الأطفال وثقة الكبار!

وارتديته فعلاً في شهر مارس ٢٠٠٣، عن عمر يقارب اثناعشر عاماً، في جميع الظروف والأحوال، في جميع المحافل والمناسبات،
ارتديته في حصة الرياضة التي أزعجتني لأنني في كل مرة واجهت السؤال الممل ذاته من المعلمة “كيف ستلعبين بهذا الذي فوق رأسك ؟”.
ارتديته في حصة الرياضيات عند الأستاذ الألماني العنصري الذي أجبرني على خلع سترة طويلة لأن الطلاب لا يرتدون السترات داخل الفصل، وشعرت يومها بالغصة لأن حجابي قد نَقُص!
ارتديته في احتفالات المدرسة، في الرحلات الصيفية الحارة، في طلعات الأصدقاء، في زيارات المكتبة، وكل يوم قد تواجه تعليقاً أو استنكاراً أو همزاً ولمزاً مزعجاً لكن ما بُني على أساس قوي راسخ لا تؤثر به كل المنغصّات.

الفكرة من مقالي: التربية التربية التربية والتهيئة خاصة لموضوع عظيم كالحجاب، لولا أن أكرمني الله بوالدين عرفا معنى التأسيس الصحيح لمبادئ الدين ما كنّا لنكون، باختصار شديد.
ثم الثبات والثقة لمن أخذت قرارها والتزمت بحجابها في عالم الجنون هذا.

ما نلاحظه من توجه مخيف لخلع الحجاب في أوساط “المؤثرات” المسلمات (مع تحفظي على مصطلح مؤثرات)، وعرض ذلك للجمهور على أنه “التحرر وفهم الذات واكتشاف النفس”، لا والأدهى والأمر تقبل الآخرين ومشاركتهم الدعم والمدح بدعوى “ال Open Mindness”، ما هو إلاّ تعدّي واضح لا جدال فيه على فريضةٍ إسلاميةٍ مؤكدةٍ بنصوص قرآنية ونبوية كثيرة، وليس من شأننا محاسبة من تقرر بينها وبين نفسها ألا تلتزم بالحجاب، لكن المجاهرة بترك الفرائض وتسخيف المبادئ الإسلامية والتأثير على جيلٍ كاملٍ، بقصدٍ أو دونه، هو تطاول على كل مسلم ومسلمة، وعلى ديننا العظيم بأكمله.
والمُحزن المُخجِل هو استخفاف تلك “المؤثرات” بجهود المسلمات المدافعات عن حجابهن في الدول الغربية وما بذلنه من تضحيات عظيمة في سبيل تقبلهن في المجتمعات العنصرية غالباً، والاستهانة بما مررن به من تحدياتٍ جسيمة ليصلن إلى التعايش ولو نسبياً في البلاد الغربية، خذلتموهن بتراجعكم!

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.