سياسة مقالات

ما الذي يربط الأم الحنون بـ بلد الأرز؟

بقلم/ هبة داودي

صورة الزيارة الخاطفة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، في اعقاب انفجار ميناء بيروت، وقبلها زيارة رئيس الدبلوماسية الفرنسية جون لودريان، قبل ايام من ذلك الى العاصمة اللبنانية، لم تأت من فراغ بقدر ما تعكس المكانة التي يحوزها لبنان في أجندة السياسة الفرنسية، فإلى جانب العلاقات القائمة على محور باريس وبيروت منذ عقود، لا يجب النسيان بأن لبنان المستعمرة السابقة لفرنسا تعد نقطة الارتكاز الرئيسية والوحيدة التي تبقى لباريس في المنطقة، كما أن لبنان يشكل معقلا من معاقل المصالح الفرنسية، ليس السياسية فحسب، بل اللغوية والثقافية والاقتصادية .

ويظل الدور والتأثير الفرنسي المشرف على الانتداب في لبنان، وعلى صياغة الدستور اللبناني وفق نظام المحاصصة الطائفية، وتوزيع الادوار في بنية النظام السياسي، بل وحتى قبل استقلال لبنان، واضحا، حيث أرست باريس قواعد الطائفية في المنطقة، خاصة بعد الاعلان في 1920 عن إقامة “لبنان الكبير”، على لسان المندوب السامي الفرنسي في سوريا ولبنان الجنرال هنري غورو، والذي ضم سوريا ولبنان، حيث أعيدت هندسة المنطقة، ورسمت خريطة جديدة، ضمت المنطقة الساحلية ووادي البقاع، بأغلبيتهما السكانية الإسلامية إلى جبل لبنان، الذي يهيمن عليه المسيحيون الموارنة، ورغم انتهاء الانتداب الفرنسي وجلاء القوات الفرنسية في 1943، الا أن التأثير الفرنسي ظل قائما لاسيما وأن لبنان ظل مصنفا كبلد “فرانكفوني” أو ناطق باللغة الفرنسية، علما أن لبنان عضو إلى يومنا في المنظمة الدولية للفرانكفونية، هذه الأخيرة التي كانت تضم والى غاية سنة 2014، 80 دولة وحكومة، ما بين ناطقة باللغة الفرنسي كلغة رسمية، وتلك التي تنتشر فيها اللغة الفرنسية.

وظلت عيون فرنسا قائمة في لبنان، لاسيما على خلفية شبكة المصالح الموجودة، والصلة التي تربط النخب اللبنانية لاسيما الموارنة بباريس، وقد تدخلت فرنسا في 1958 في الصراع التي احتدم بين المسيحيين المارونيين والمسلمين، وفي عز الحرب الاهلية اللبنانية الدامية التي بدأت في 1975 كان الفرنسيون حاضرون أيضا، إلا أن التواجد الفرنسي كان مكلفا بالنظر إلى طبيعة الانخراط الفرنسي ودرجة الاصطفاف، حيث اغتنيل سفيرها لوي دولامار عام 1981، على يد مسلين وهو في سيارته متنقلا من السفارة الى مقر اقامته، إلى جانب سقوط 58 مظليا فرنسيا وعائلة حارس مبنى “دراكار”، في 23 أكتوبر 1983، عندما تعرّض الأخير للتفجير، ومنه انسحاب القوات الفرنسية .

فرنسا احتفظت بعلاقاتها وصلتها بالنخب السياسية، لاسيما من المسيحيين الموارنة، وقد قامت باستقبال وقبول لجوء الرئيس الحالي وقائد الجيش السابق العماد ميشال عون، فقد لجأ بداية الى السفارة الفرنسية ببيروت في أكتوبر 1990، حيث أمضى تسعة أشهر قبل ان يغادرها الى فرنسا، في اطار عملية نظمتها الاستخبارات الخارجية الفرنسية، التي كان يترأسها فيليب روندون في عهد السفير دانيال هوسون، وبينت العملية النشاط الذي كانت تقوم به الاستعلامات الفرنسية في لبنان .

باريس لم تقطع الصلة بلبنان بعد الحرب الاهلية، فقد اشرفت فرنسا على مؤتمرات باريس 1 و2 في 2001، ومؤتمر باريس 3 في 2007، للدول المانحة التي أمَّنت الأموال اللازمة لبناء ما تم تدميره في الحرب الأهلية والاجتياح الصهيوني لسنة 1982، كما رعت مؤتمر “سيدر” لدعم لبنان في 2018، كما كانت السباقة لجمع الدول المانحة لدعم بيروت بعد انفجار مرفأ بيروت، حيث تم جمع أكثر من 300 مليون دولار .

ويمكن تحديد عدد من المؤشرات التي تشير الى تقاطع المصالح الفرنسية في لبنان:

1- لبنان هي المنطقة الاخيرة التي تسعى فرنسا للحفاظ من خلالها على نفوذ خاص، ولو نسبي، مع تعدد الفاعلين المؤثرين.

2- فرنسا ترتبط بعلاقات خاصة بين النخب السياسية لاسيما المسيحية الموارنة، وكذا اطراف سياسية اخرى، مثل الكتائب لسمير جعجع، وحتى تيار المستقبل لسعد الحريري الذي استقبله باريس مرارا، بل وكانت الطرف الفاعل في تحريره من “الاسر او الاحتجاز غير المعلن” في العربية السعودية .

3- هناك حجم مصالح كبيرة للشركات الفرنسية النشطة في لبنان او العاملة معه، في شتى المجالات تجارية أو اقتصادية أو مالية.

4- هناك جالية لبنانية معتبرة في فرنسا بحوالي 150 ألف لبناني أغلبهم من المسيحيين المارونيين، بالمقابل هناك جالية فرنسية كبيرة ايضا في لبنان تفوق 10 آلاف فرنسي.

5- شخصنة العلاقات على غرار تلك التي كانت قائمة بين الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك ورئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وبرز ذلك في زيارة الأول الى بيروت عقب اغتيال الأخير عام 2005، حيث ذهب شيراك لتقديم العزاء، وحضور تشييع الجنازة رغم التحذيرات والتحفظات الأمنية على زيارته، وحتى بعد انتهاء ولاية شيراك عام 2007، وضعت عائلة الحريري في تصرُّفه شقة فخمة في باريس، أقام فيها لأكثر من ثماني سنوات حتى وفاته.

6- مكانة اللغة الفرنسية في المنظومة اللبنانية واعتبار لبنان آخر المناطق الفرانكفونية في منطقة المشرق، ولذا لم يكن غريبا أن يبادر آلاف اللبنانيين الى توقيع عريضة تطالب “بعودة الانتداب” الفرنسي، لوجود جزء من الشعب اللبناني يشعر بارتباط ثقافي وصلة هوية مع فرنسا.

7- تعتبر باريس أن لبنان منصة فعالة لفرنسا للعبور إلى العالم العربي، ويعدها اللبنانيون الطرف القادر على محاورة جميع الاطراف، فباريس ظلت على مسافة سياسية بين القوى السياسية، حيث رفضت تصنيف حزب الله منظمة ارهابية، وعلى ضوء انحسار نفوذها في المنطقة، مقابل المنافسة الأمريكية الروسية، لا تريد باريس أن تفقد ما تبقى لها، بخسارة وجودها التاريخي في لبنان.

8- حجم المبادلات التجارية، والذي يبقى هاما نسبيا، لكنه ليس رئيسيا، حيث صنفت باريس كثامن ممون في 2019، والسابع في 2018، بـ 760 مليون دولار تصدير الى لبنان، مقابل انه الزبون 14 بـ 53 مليون دولار، الا انه يتم احصاء نحو 4800 مؤسسة فرنسية تصدر الى لبنان وتتعامل معها اقتصاديا، حيث يقدر مخزون الاستثمارات الفرنسية في لبنان بحوالي 650 مليون أورو.

كما يتم احصاء نحو 100 مؤسسة فرنسية نشطة في لبنان، الى جانب مشاريع مؤطرة من قبل الوكالة الفرنسية للتنمية التي اشرفت على التوقيع على 30 اتفاقية، بقيمة تمويلية تقارب 1.2 مليار اورو.

9- الاهتمام المتزايد بالثروات الجديدة، خاصة باحتياطات المحروقات التي يزخر بها لبنان على الساحل، فقد وصلت باخرة الدعم اللوجستي “لاندستروم تايد” المُستأجَرة من قبل شركة توتال الفرنسية، وباخرة الحفر “تانغستان اكسبلورار” إلى مرفأ بيروت في فيفري 2020، للشروع في عملية الحفر واستخراج عيّنات من التربة للتأكد من وجود الغاز والنفط في المياه اللبنانية.

يشار إلى أن لبنان يمتلك ثروة غازية ونفطية كبيرة، تصل إلى حدود 95 تريليون قدم مكعب من الغاز، و900 مليون برميل من النفط، أي ما يوازي 600 مليار دولار من عائدات الغاز، و450 مليار دولار من عائدات النفط.

ومنه يمكن القول إلى الإرتباط القائم ما بين لبنان وفرنسا، ليس وليد اليوم، بل هو ارتباط تاريخي، كثيرا ما وصف بعلاقة الطفل بأمه، لتطلق الجملة الشهيرة “طبعا إحنا ما مننسى أمنا فرنسا”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.