سياسة مختارات مقالات

لوم الفلسطينيين على تطبيع الإمارات

بقلم/ خالد الحروب

ثمة مقولة تتردد وتلوم الفلسطينيين على ما آلت اليه امور التطبيع العربي السري والعلني، واخرها الاماراتي، مع اسرائيل، لأن الفلسطينيين هم اول المطبعين من خلال اوسلو. هذه المقولة تبرر إقامة علاقة صداقة وتحالف مع اللص الذي سطا على بيت وسرقه بما فيه لأن صاحب البيت كان ضعيفا ولم يستطع الدفاع عن بيته. نعم اوسلو كان خطيئة كبرى ارتكبها الفلسطينيون وكثير منا، وانا منهم، كتب في نقده وهجائه ما لم يكتبه الحطيئة في هجاء كل شيء. نعم هناك انقسام فلسطيني مخز ومدمر لنا ولقضيتنا، وكلنا يشتمه وينتقد القيادات التي تسببت فيه ولا نتردد في ذلك. نعم هناك اختلالات فلسطينية واخطاء كبيرة، والخ.
لكن كل ذلك لا يسوغ ارتماء الانظمة العربية واحدا تلو الاخرى على اقدام اسرائيل، لأن الاسباب والاختلافات كثيرة بين ما يحدث فلسطينيا وما يحدث عربيا، ويحسن التذكير ببعضها:
١. الفلسطينيون قاموا بما قاموا به في اوسلو (واختلفوا عليه بمرارة) مكرهين وعمليا بعد غزو صدام للكويت وتصاعد العداء بين منظمة التحرير وانظمة الخليج، ومعها مصر، حُشر الفلسطينيون في الزاوية. وكان الضغط العربي، المصري والخليجي عليهم، احد الاسباب الخلفية التي دفعتهم للبحث عن مخرج في اوسلو (فضلا عن الحصار الدولي).
٢. الانظمة العربية، ومنها اليوم الامارات، ليست تحت اية ضغوط مشابهة، بل تقدم على الخطوة طواعية ويطول تحليل الاسباب (وربما اهمها محاولة مساعدة ترامب لتقديم انجاز امام الناخبين لاعادة انتخابه). كل نظام عربي يقترب من اسرائيل له اجنده خاصة بها، وهو يتعامل مع دولة محتلة متغطرسة، مع سارق ومجرم، حتى في نظر القانون الدولي.
٣. الضعف الفلسطيني اسبابه عديدة، وكثير منها ذاتي. لكن احد اهم اسبابه ايضا هو الضغط العربي غير المباشر لدفع الفلسطينيين نحو تسويات غير منصفة وغير متكافئة. منذ تاريخ قمة فاس سنة ١٩٨١ ومبادرة فهد التي قدمت فيها والتي كانت اول مبادرة عربية رسمية تقدم للجامعة العربية تعترف ضمنا بإسرائيل، وحتى يومنا هذا، والانظمة العربية مهووسة بدفع الفلسطينيين نحو توقيع تسوية مع اسرائيل. حسنى مبارك كان اهم رواد “الضغط” والسعودية ولاحقا الامارات. وبعد كل اتفاق او تسوية تافهة، تتراجع هذه الانظمة الى الوراء ولا تقوم حتى بدورها في مساعدة من ورطتهم ودفعتهم الى خيارات مهلكة.
٤. لا يُقال هذا لتبرير الضعف الفلسطيني ولا سوء القرار، ومرة اخرى لا يسوغ للفلسطينين خطئية اوسلو، لكنه للقول ان الملوك والرؤساء العرب الذين كانوا يعدون الفلسطينيين بأنهم حال وافقوا على هذا التنازل او ذاك فإن العرب وامريكا ووووو سوف يقفون معهم، هم ايضا مسؤولين عن التردي الذي وصلنا اليه.
٥. كل نظام عربي يريد ان يطبع مع اسرائيل ويحتضن السارق والمجرم لا يمكن منعه من ذلك. لكن لا يحق له استغباء كل الناس والقول بأنه يقوم بتلك الخطئية لدعم فلسطين او الفلسطينيين. طعنهم في الظهر ليس له وصف الا الطعن، وليبحثوا عن مبررات تحترم عقول الناس: ليقولوا علنا اننا نريد الاستقواء بإسرائيل ضد ايران مثلا، او اي مسوغ اخر .. لكن ليبتعدوا عن فلسطين.
٦. اما إيران، وهذه قصة وحديث آخر، فهي احد أسس الخراب الكبير الذي نراه في المنطقة وفي فلسطين. ماذا استفادت فلسطين من كل التدمير والقتل الذي قامت به ايران في العراق وسورية واليمن بدعوى المقاومة، سوى انها خلقت بعبعاً لانظمة الخليج صار يدفعها للارتماء في احضان اسرائيل؟ هل تفرح ايران “المقاومة” التي تستهبلنا بشعارات “الموت لاسرائيل” عندما توفر مسوغا لهذه الانظمة لتطبيعها مع اسرائيل؟
٧. النقطة الاخيرة خاصة بحفنة مثقفي التطبيع اينما كانوا، سواء في الامارات اليوم او السعودية او اي دولة اخرى، والذين يستخدمون مقولة “الفلسطينيون طبعوا اولا”. في الحالة الفلسطينية، وخاصة اوسلو، و التي تستحق النقد ايا كانت مسوغاتها، هناك نقد وانتقاد يومي من قبل مثقفين واعلاميين وحراكيين واناشطين، لم يوفر جهة او قائد او رئيسا او وزيرا الا ونقده. والسؤال لمثقفي التطبيع يكمن هنا اي في امتلاك الشجاعة لتقديم مقاربة نقدية عن تطبيع بلدانهم ويطرحوا من خلالها حساب ارباح وخسائر لبلدانهم بعيدا عن خطاب القاء اللوم على الفلسطينيين، لا نريدهم ان يشتموا قادتهم لأن مثقفي التطبيع اجبن من ان يقوموا بذلك ولا تظهر بطولاتهم الا في شتم الفلسطينيين.
٨. ختاماً، خطايا الضحية لا تبرر للآخرين ان يتحالفوا مع الجلاد.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.