أدب و تراث مقالات

نحن نقع بين المدح والهجاء

نحن نقع بين المدح والهجاء

بقلم: كرايس الجيلالي

يتساءل الكثير منا اليوم لما نحن المجتمعات الوحيدة التي لا تعرف ثقافة النقد؟ وثقافة ابداء الراي في القضايا المطروحة علينا؟ دون ان نهز ذيولنا مثل الكلاب ومن دون ان نستل سيفا ونشرع في ضرب الاعناق، لما نحن بلا ثقافة الحوار والنقاش؟ ولما لا استطيع ان اقول لك انك مخطأ؟ وانك اصبت هنا وأخطأت هناك؟ ولما لا تستطيع انت ان تتقبلها مني وتحاول الرد علي بأدب وحسن حوار؟ وتصحح ما يجب تصحيحه وتطور ما يجب تطويره، لما هذه الثقافة غائبة عن مجتمعنا؟ وعن حياتنا؟ لما نحن نقع بين الاطراء المفضوح وبين السب المقدوح؟

موضوع حقا يستدعي ان يدرس من قبل الباحثين والمفكرين، لأنه فعلا يستدعي الدراسة، فمجتمع لا يعرف لغة النقد و لا يتقبلها، هو حقا مجتمع بحاجة الى الدراسة والى التمحيص، ولذا حاولنا ان نتطرق الى بعض الاسباب التي انتجت جيلا كهذا الجيل، ولكن لن اتطرق الى كل الاسباب بل سأحاول التركيز على سبب واحد، وهو أخطرها بل هو من رسخ هذه الثقافة في اختلاقنا، وغرس فينا عدم الثقة في النفس، وان نكذب ونداهن بل اقنعنا اننا لا نصلح لأي شيء، بل علينا ان نحفظ ونكرر ونحصل على العلامة الكاملة، وانا هنا اشير الى المدرسة التي عودتنا على مفهوم بضاعتكم ردت اليكم، ومن يرد البضاعة كاملة سليمة هو المتفوق الاول الخالد الماجد، اما من يحاول ان يعمل عقله وان يصيغ البضاعة بصياغة اخرى، فهو الفاشل الجاهل بل يستحق الضرب والتعنيف ويقول له المعلم: من انت حتى سمحت لنفسك باستعمال عقلك.

أليست حقا ماسات ان يصبح استعما العقل جريمة يعاقب عليها القانون. ومن هنا بدأت شخصياتنا في التكون شخصية مستقيلة من الفكر والتفكير ومن عقلها، شخصية لا تعرف النقد لأنها لم تتعلمه، بل افهموها ان النقد جريمة، بل انه يعادل السب والشتم، وان التلميذ النجيب المتفوق، عليه ان يحفظ ويكرر ولا يكثر النقاش، وان يبقى هادئا وان يساير المعلم في كل كلامه، وان يكون مأدبا اكثر من اللازم، وان يصدق كل ما يقوله المعلم، وان يكرره يوم الامتحان بحذافيره، ثم ان هذه العقلية تزداد ترسخا في نفوسنا في المرحلة الثانوية، عندما نشرع في معالجة النصوص في الادب العربي، وهنا من المفروض ان نترك الحرية للتلميذ، حتى يعمل عقله وما اكتسبه من معرفة من اجل تحليل النصوص، بعيدا عن الذاتية وعن التكرار، فليس المهم عاطفة الكاتب واسلوبه، وما الى ذلك بل المهم ان يمتلك التلميذ ملكة النقد وملكة القراءة نص قراءة نقدية.

غير ان ما تعلمناه هو ان نحلل بعيدا عن معرفتنا الشخصية، وبعيدا عن اسلوب النقد والتمحيص، خاصة ان قراءة نص ما يولد احاسيس مختلفة، لدى التلاميذ ولكل تلميذ من المفروض رايه، وهنا فقط يمكن ان تتعرف على تلكم المدرسة فكرية التي ينتمي اليها تلاميذك، فهناك من يميل الى الاسلوب، وهناك من لا تعجبه التراكيب، وهناك من يخبرك عن امتعاضه من الرمزية المبالغ فيها، او الرومنسية او طبيعية، وكلها نزعات فكرية تمثل مدراس كبيرة في النقد والتحليل، غير ان الكارثة في مناهجنا التربوية، انهم علمونا ان نكرر وان نتكرر، فمثلا لو تجمع اوراق اجابة البكالوريا في الادب العربي من الشرق والغرب والشمال والجنوب وتقرأها، لاعتقدت ان الكل اجاب في قسم واحد وعلى قلب رجل واحد، حيث تجد العاطفة صادقة، والاسلوب قوي، التراكيب سليمة، وكل شيء على ما يرام في النص، ولا تجد تلميذا واحد يخرج عن هذه القاعدة، قاعدة المدح لانهم يخبرونك انك تافه وضعيف ولا يحق لك ان تنتقد العقاد، ولا محمد العيد ال الخليقة، ولا محمود درويش، ولا المتنبي، ولا اي كاتب او شاعر اخر بل عليك ان تمدح وان تثني عليهم، حتى وان كان في قلبك غصة ومرارة، وحتى ان كنت تريد ان تقول ان العاطفة غير صادقة او ان الشاعر بالغ في هذا.
ثم هل ستسقط السماء على الارض ان تلميذ جزائري قال ان محمود العقاد او غيره لا يعجبني اسلوبه؟ لما لا نفتح المجال لعقول اطفالنا، حتى تكون لهم شخصية سليمة، لما اقنعناهم ان المدح هو افضل وسيلة لأكل الخبز؟ واقنعناهم ان النقد هو الهجاء؟ حتى صرنا مثل المجانين اما ان نكتب فيك قصيدة عصماء، واصفك فيها بانك شمس والملوك كواكب، واما ان اسبك واشتمك، وان سألتني اخبرتك انني احاول تصحيح بعض اخطائك، وللأسف هذا السلوك انتقل معنا الى الجامعة والى كل مكان، حتى ماتت فينا حاسة النقد، وانا متأكد، لو يطلب من التلاميذ نقد نص بعيدا عن ذكر محاسنه، لوجدت على ورقة الاجابة الكاتب: رخيس وماشي ر اجل ولوكان نحكمو…………. يا خي جايح، طحان هذاك اسلوب، بصح العيب مشافيه العيب في جبنا النص نتاعو خي حالة…………….

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
كرايس الجيلالي
كرايس الجيلاي؛ باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.