أدب و تراث مختارات مقالات

سيمون دو بوفوار … المساواة شرط الوجود

بقلم/ علي حسين

عندما دخلت سيمون دو بوفوار قاعة المحاضرات في احدى ايام شهر تشرين الاول من عام 1949 كانت تواجه الاعتقد بان كتابها “الجنس الاخر” هو انجازها الأهم، وستظل كلمات موريس ميرلو بونتي تترد في ذهنها: “سيبقى هذا الكتاب النص الأهم في تاريخ الحركة النسائية”.
كانت الفكرة الاساسية للكتاب مستمدة من الفكرة الوجودية القائلة ان الواقع الانساني موجود في الموقف .. حيث يطور كتاب “الجنس الآخر” مفهوم الموقف عن طريق التاكيد على الدور الذي يلعبه نوع الفرد وبناؤه الاجتماعي .. وقد كتبت سيمون دو بوفوار أشهر جملها في الكتاب قائلة: “لا يولد المرء امرأة .. بل يصبح كذلك”، وهي بهذا تؤكد ان الجنس ليس مرادفا للنوع، فالجنس حقيقة بايلوجية، أما النوع فهو بناء اجتماعي .. تعترف انها في طفولتها كانت تأمل ان تكتب رواية مثل “كوخ العم توم” لتصبح شهيرة مثل هارييت ستاو، او “كبرياء وهوى” ليعترف بها الرجال مثل جين اوستن .. لكن بعد سنوات ستكتشف ان الفلسفة دخلت حياتها بطريقة مفاجأة .. عندما انهت بوفوار دراستها الاعدادية في مدرسة للراهبات، قررت ان تدرس الفلسفة الأمر الذي اثار غضب المعلمات الراهبات، فدراسة الفلسفة تفسد الروح على نحو مميت، لكن في النهاية رضخ والاب لاصرار ابنته البالغة من العمر ثمانية عشر عاما، فسمح لها بدراسة الفلسفة في السوربون.
عام 1929 كانت سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر ضمن اكثر من 70 طالب تقدموا لامتحان شهادة الاستاذية في الفلسفة، كانت في الـ ” 21 ” من عمرها، فيما احتفل سارتر قبل ايام بعيد ميلاه الرابع والعشرين .. وستعلن النتائج في السابع والعشرين من تموز، حيث حصل 27 طالبا على درجة النجاح كان منهم سارتر وسيمون دو بوفوار التي كانت اصغر طالبة تنجح في الامتحانات النهائية في تاريخ الجامعة الفرنسية، فقد انهت دراسة منهاج الفلسفة في ثلاث سنوات فقط، اما سارتر فقد تطلب منه ذلك سبع سنوات، وقد تجادل اعضاء لجنة الامتحانات طويلا حول منح الجائزة الاولى، لسارتر أم بوفوار، لكنهم في النهاية قرروا منحها لسارتر.. كانت الامتحانات فرصة لان تقترب من سارتر أكثر، كانا يلتقيان كل يوم تقريبا وسيقول لها ذات يوم: “من الآن فصاعدا، سآخذك باليد”، وفي كتابها “يوميات فتاة رصينة” تخبرنا سيمون دي بوفوار عن تلك الفتاة التي كانت تواجه الحياة بمفردها قبل ان تتعرف على سارتر: “لم أستطع التخلص من فكرة انني وحيدة في عالم منعزل، وجودي عند الآخرين كوجودي في مشهد غير اعتيادي .. تكتب في يومياتها: “كنت مجبرة على أن اعبر عن روعة الحياة المتنوعة، وقد كان عليّ ان اكتب لأنتزع وعي من الزمن ومن العدم، كنا وثقنا بالعالم وبانفسنا امام المجتمع، في حاله الحاضرة، فقد كنا ضده، ولكن هذا التضاد لم يكن فيه شيء من الشراسة، لقد كان يقتضي تفاؤلا متينا، كان ينبغي ان نصنع الانسان من جديد، وهذا الصنع كان جزءً من عملنا، ولم نكن نتصور أن نشارك في الخلق بطريقة غير الكتب، فالاعمال العامة كانت تضجرنا”.
كانت بوفوار قد جاءت من عالم المراة فيه تعيش منعزلة وضعيفة فقررت ان تعلن تمردها، كان ثمة أوقات وصفت فيها بوفوار تمردها على تقاليد عائلتها بانه معجزة، وقد أدركت ان الحب والحرية بالنسبة للنساء لا تنال إلا بثمن. وان المرأة بحاجة الى قوة استثنائية وسنجدها تكتب في يومياتها: “ارغب في أن املك الحق، في أن اكون امراة”.
في تلك السنوات كان قرار سارتر ان يعيش ليكتب، وكان قد أخبر سيمون دو بوفوار انه سيكون شاهداً على جميع الأشياء التي تحدث حوله، فيما كانت سيمون متلهفة لأن تتعرف على الحياة جيداً، ووجدت نفسها منخرطة في معرفة حقيقة وجودها ووجود العالم: “كنت اصر اكثر من اي وقت على أن املكها”.. كانت باريس انذاك تبدو لسيمون وسارتر وكانها محور الأرض، وستخبرنا في مذكراتها انها كانت تفيض سعادة لانها عثرت على رفيق سفر يمشي بنفس الطرقات التي قررت ان تمشبي بها وبخطوات: “اشد ثباتا من خطواتي”.
في البداية كانت اشبه بالمسحورة لم تصدق انها وقعت في حب الرجل المتفوق، الذي يعد الألمع بين اصدقائه ولم تكن تميل الى التذمر من سلوكه الغريب وقذارة ملابسه، فمنذ بداية علاقتهما بذلت جهدا كبيرا لترى الامور من منظور سارتر، وذلك بسبب شعورها بانها تدين له بكل شيء وايضا بسبب انها كانت على قناعة بانها تحبه اكثر مما يحبها. كل شيء تآمر لجعلها تسقط في فخ مفهومه للعشق، ونجدها بعد عشرين عاما تخصص في كتابها “الجنس الآخر” فصلا يدور حول المرأة التي ترى ان الحب هو الخلاص: “تحاول المرأة العاشقة ان ترى بعينيه، تقرأ الكتب التي يقرأها، تفضل الصور والموسيقى التي يفضلها، تهتم فقط بالمناظر التي تراها معه، بالافكار التي تنبثق منه، تتبنى صداقاته وعداواته ووجهات نظره، وحين تسأل نفسها تحاول ان تسمع إجاباته .. سعادة المرأة العاشقة القصوى هي ان ينظر اليها عشيقها كجزء منه، وحين يقول “نحن” فهذا يعني انها متحدة ومتماهية معه، تشاركه منزلته وتسود معه على سائر الناس، ولا تتعب ابداً من أن تكرر الى حد الافراط هذه الـ نحن المبهجة”.
تتذكر سيمون دي بوفوار انها في طفولتها كانت تتحدث كثيراً الى نفسها: “لم أكن طفلة .. كنت أنا”، وعندما بلغت الثالثة عشر من عمرها تمنت ان تصبح كاتبة: “كنت افكر أن الأدب يتيح لي أن أحقق هذه الأمنية، فإذا أكتب عملا تغدوه حكايتي نفسها، ساعيد خلق نفسي من جديد، وسأبرز وجودي”.
وهي تقول على لسان سيمون بطلة رواية يوميات فتاة رصينة: “كنت دائما ما اعطي للتمرد قيمة رفيعة. وإذ كنت في الثالثة عشرة قرأت فرجينيا وولف، احببت السدة دالاواي وقد اثارتني هذه الرواية، لقد كان من حق بطلة الرواية ان تضع نهاية لماساتها مع الحياة”
في “السيدة دالاواي”، كانت فرجينيا وولف تريد ان تقول لنا أن يوماً في حياة أي شخص يحتوي، إذا نظرنا اليه باهتمامٍ كافٍ، الكثير مما نحتاجه لنعرف كل شيء عن الحياة الإنسانية. تبدأ الرواية مع السيدة دالاواي وهي تشتري زهوراً لترسلها إلى رسام صديق لها يعيش حالة انهيار صحي بسبب مرض خطير، سيقوده في النهاية إلى الانتحار. وقبله حاولت السيدة دالاواي ان تجرب هذا الفعل – فعل الانتحار – بأن ترمي نفسها من النافذة لكنها فشلت بسبب الخوف الذي سيطر عليها ، في حين ينجح صديقها سبتيموس من تجاوز فعل الخوف فيرمي نفسه من النافذة نفسها ليموت.
تعترف سيمون دو بوفوار انها في مرحلة الشباب ارادت ان تعيش خارج كل شيء: “كنت في ذلك الوقت يسارية، نظريا فقط، ولكنني منت يمينية الاتجاهات، وكنت اظن ان الكتابة لا بد ان تكون نائية عن السياسة تماما، وقد كشفت لي الحرب، كيف انني مضطرة ان اعتمد على الآخرين، وانني مضطرة للتضامن معهم”.
ولدت سيمون دي بوفوار في التاسع من كانون الثاني عام 1908، ” كان ابي في الثلاثين من عمره، وامي في الحادية والعشرين”، كانت إبنة لعائلة ميسورة الحال، والدها حسب تعبيرها في وضع وسط بين الارستقراطية والبرجوازية، اما والدتها فامرأة كاثوليكية متدينة، أعطت لابنتها تربية جادة وصارمة وثقافة دينية وشعوراً حاداً بالواجب، لا يعرف المماطلات والتنازلات، كانت لها شقيقة واحدة، وصديقة واحدة ايضا، في البيت لم تجد حولها سوى الملل، فاشتد احساسها بالوحدة وذات يوم قالت لأمها: “هل يمكن ان تسير الحياة كما تسير الآن، ملل وراءه ملل”، بعد سنوات تقرأ الجملة المثيرة لفيلسوف الوجودية الاول كيركجارد: “علينا ان نعيش حياتنا مهما كانت تعيسة او مفرحة، لانها محسوبة علينا”، منذ تلك اللحظة قررت أن تعيش حياتها، لأنها “لن تعيش سواها”، واكتشفت انها تستطيع ايضا ان تصنع حياتها بنفسها، “ان تجرب الحياة كما تنسج اي امرأة شالاً من الحرير”.
وتخبرنا في روايتها “مذكرات فتاة رصينة” انها دائما ما كانت تحاول ان تختلق المشاكل لكي تتمرد على سلطة أمها، وتبحث بينها وبين نفسها عن طريقة للفرار بعيدا عن البيت العائلي. وأمام من يعرفونها، أو لا يعرفونها كانت تجاهر بعدائها لكل ما يتصل بالإلتزام نحو العائلة: “في العشرين كنت اعتقد انني يجب ان اعيش خارج المجتمع، وكنت يسارية لفظا ويمينة فعلا”.
خلال سنواتهما الاولى، لم يهتم سارتر ورفيقته الصغيرة بالأحداث السياسية الكبيرة التي هزت العالم في ذلك الوقت مثل صعود النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، والحرب الأهلية التي اندلعت في إسبانيا، فقد كانت الفلسفة كل ما يشغلهما. وكان طموح كل واحد منهما كتابة أعمال تخرج عن المألوف، وتنسف ما متعارف عليه من افكار. وكان سارتر قد أصدر في ذلك الوقت عملين جلبا له اهتمام النقاد والقراء هما رواية “الغثيان”، والمجموعة القصصية “الجدار”. أما سيمون دو بوفوار فلم تكن قد أصدرت أي شيء. ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، طلب سارتر الى التجنيد ليرسل إلى الجبهة. أما زميلته فقد واصلت تدريس الفلسفة في المعاهد الثانويّة، مهتمة، وشهدت فترة الأربعينيات من القرن المنصرم ذروة إنتاج دو بوفوار الأدبي والفلسفي، بدءاً من أولى رواياتها مذكرات فتاة رصينة واكتمالاً مع صدور كتابها المهم “الجنس الاخر عام 1941، وقد أثار الكتاب في حينه ضجة كبرى في فرنسا وخارجها وانتقده الكثير من الأدباء ومنهم احد أصدقائها الحميمين” ميرلو بونتي” الذي كتب في هجائه يقول: “كتاب يتسم بعدم اللياقة وبمخالفة الآداب العامة وبالوقاحة الصريحة”، واعتبره الحزب الشيوعي الفرنسي بأنه “إهانة للمرأة العاملة” فيما حرمته الكنيسة في روما، لكن سيمون دو بوفوار صمدت أمام جميع هذه الانتقادات لأنها صممت على خلق وعي ثقافي جديد في قضية المرأة اذ عرضت أوضاع المرأة من النواحي التاريخية والاجتماعية والنفسية والثقافية في القرن العشرين. حيث كانت المرأة تعاني اضطهاد الرجل الذي يتحول بفضل سطوته العاطفية عليها من إنسان بسيط الى رمز يشبه الآلهة.
وتتساءل بوفوار إذا كان تاريخ النساء من صنع الرجال، فهل يعني ذلك أن المرأة هي التي سمحت للرجل بأن يعتبرها جنساً آخر؟ أم ان المجتمع هو الذي حكم عليها لتكون جنسا آخر؟ تابعة خاضعة للرجل؟ وهل اختارت أن تكون في قفص عوضا عن أن تكون طائرا طليقا؟ وتضيف: “إن المجتمع هو الذي ساهم في خلق الصورة النمطية للمرأة لتكون أنثى، خاضعة للرجل، صنعها المجتمع لتكون جنسا آخر، ألغى شخصيتها وطمس إنسانيتها، واعتبرها أنثى بالمفهوم المطلق جسدا كمتاع، حسب أهوائه، لا يمكن للإنسان العاقل أن يختار العيش في قفص، إلا إذا حكمت عليه ظروف الحياة أن يعيش مقيدا بالأغلال”.
عندما توفيت سيمون دي بوفوار عام 86 قالت الفيلسوفة اليزابيث بادنتر: “يا نساء العالم، انتن مدينات بكل شيء لسيمون”، فبهذه الكلمة ودعت المرأة التي حرضت النساء على المطالبة بكل حقوقها لأنها “عالم آخر” وترفض ان تكون جزءاً تابعاً لعالم الرجل.
في دفتر يومياتها تكتب دي بوفوار: “لقد اصبح سارتر كل عالمي، وبفضله اصبحت اكثر فتنة حتى اني نسيت نفسي”.
من يريد إقناع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لتحويل كلماته لأفعال”، كانت هذه الكلمات تعيش معها، منذ أن سمعتها أول مرّة من رفيق رحلتها في الحياة والفلسفة جان بول سارتر. آمنت سيمون دو بوفوار أن الإنسان حر في اختيار مشروعه الذي يتطلع الى تحقيقه، والذي من خلاله يحقق وجوده ويثبت حريته. وبما أن حرية الإنسان هي أساس كل القيم، فهي أيضاً مصدر القانون والواجب والحق. وعلى أساس هذه القضية الرئيسية استطاعت سيمون دو بوفوار أن تتناول قضية المرأة التي كرست لها كتاباً يعد من أهم مؤلفاتها وأحبها الى نفسها، هو كتاب”الجنس الآخر”، الذي صدرت طبعته الأولى في فرنسا عام 1949، وأثار عاصفة من الاحتجاجات، وبسببه انهالت على سيمون دي بوفوار كتابات تصفها بأبشع الأوصاف، ووضع الفاتيكان الكتاب ضمن قائمة الكتب المحرمة، وكتب ألبير كامو مقالاً اعتبر فيه الكتاب رسالة سخرية صوّرت الرجل الفرنسي بشكل سيئ، وقال الكاتب الشهير فرانسوا مورياك: “لقد وصلنا فعلاً الى حدود الوضاعة”، كما هاجمه الحزب الشيوعي الفرنسي الذي اعتبره”إهانة للمرأة العاملة”، في حين وصفت فرانسو ساغان الكتاب الذي قرأته عندما كان عمرها 15 عاماً، بأنه واحداً من الكتب العظيمة القليلة في زمننا، وفي عرضها للكتاب ذكرت المجلة الشهيرة اتلانتيك، إن الكتاب يتلاءم جداً مع الوجودية المثيرة للاشمئزاز، إلا أن الكتاب حقق نجاحاً هائلاً في الأسبوع الأول لصدوره حيث نفذت جميع النسخ المطبوعة والتي تجاوزت الخمسة وعشرين ألف نسخة، وعندما صدرت ترجمته الانكليزية بيعت منه مليونا نسخة، كما تصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في اليابان لمدة سنة كاملة، وأصبح الكتاب المرجع الأساسي لرائدات تحرير المرأة في أوروبا وأميركا.
عام 1946 تخبر سيمون دو بوفوار عن حيرتها عما ستكتبه لاحقا. اخبرته انها تريد ان تكتب عن نفسها، وقد شجعها سارتر سارتر على ذلك، تتذكر انها قبل اسابيع خاضت معه حوارا حول سؤال: ما الذي يعنيه لك ان تكوني أمراة ؟ كانت قد اجابت ان ذلك لايعني لها شيئا مهما، فهي تشعر انها لا تختلف عن الرجال، ولم تشعر يوما انها بدرجة اقل منهم لكونها انثى، إلا ان سارتر اصر على استفزازها وهو يقول لها: “انك لم تتربي بالطريقة التي تربى بها الولد .. ولهذا ينبغي عليك ان تنظري في الامر من زاوية اوسع” .. كانت بوفوار متاكدة انها ستجد الاجابة التي تقنع سارتر وتجعله يستسلم امامها، ذهبت الى المكتبة الوطنية وبحثت في كل شيء وجدته يتعلق بالنساء: “كان ذلك كشفا مفاجئا، كان هذا العالم خاص بالرجال. لقد غذت طفولتي خرافات لفقها الرجال ولم تكن ردة فعلي عليها بذات الطريقة التي كانت تحدث لو كنت ولدا” ..قررت بوفوار ان تكتب مقاله مطولة عن الموضوع، لكن مع مرور الايام والشهور ومراجعة الاف الكتب، تحولت المقالة الى رزمة كبيرة من الاوراق، ثم ستنشر في كتاب باكثر من 800 صفحة.
عند صدور “الجنس الآخر” كان عمر سيمون دي بوفوار سبعة وثلاثين عاماً، وكانت هذه المرّة الأولى التي تتجرأ فيها كاتبة على المطالبة ليس فقط ببعض الحقوق ولبعض النساء وإنما طالبت بمساواة المرأة كلياً بالرجل وإن كلمتها المشهورة “لا يولد المرء إمرأة بل يصبح كذلك” تحولت الى إيقونة لحركة الدفاع عن حقوق المرأة”.
تكتب في “مغامرة الإنسان” – “إذا لم أكن أكثر من بدن، ومجرد مكان تحت الشمس واللحظة التي تقيس أنفاسي، فهأنذا قد تحررت من جميع الهموم والمخاوف، والخسارات. لا شيء يثير انفعالي، لا شيء يهمني. إني لن أتعلق إلا بتلك الدقيقة التي تملأ حياتي”.
تصر سيمون دو بوفوار في كتابها “الجنس الآخر” على إنها لاتتحدث عن المرأة إلا من خلال ظروف ومواقف محددة وبذلك فهي تخبرنا في كتابها “قوة الأشياء” –  إن “وضع القضية عندي يختلف تماماً عن وضعه في التفكير السائد، فعندي أن الانوثة ليست طبيعة ثابتة، بل هي مواقف خلقتها حضارات ابتداءً من بعض المعطيات الفسيلوجية، ولقد وضعت في كتابي (الجنس الآخر) كيف أن النساء كن أحوج من الرجال لما يشد أزرهّن ويصلب عودهّن ليجعل منهن مغامِرات”.
اعتدت بوفوار في كتابها على وثائق علمية وتاريخية وفلسفية تدل على سعة إطلاع سيمون دي بوفوار، فهي تدرس المرأة من ناحية تكوينها البيولوجي والعضوي والنفسي، حيث ترفض في الكتاب الحديث عن المرأة باعتبارها فكرة عامة على نحو ما ترفض قناعاتها الوجودية الحديث عن الإنسانية على نحو عام، وإنما تتمسك بالموقف الفردي الخاص بها وبتجربتها الشخصية، وإنكار سيمون دي بوفوار الحديث عن المرأة عموماً لا يعني إنه لايوجد إناث.وإنما تقصد من كل هذا إلى القول بأنه ليس هناك طبيعة انسانية تحدد من قبل شخصية الإنسان وعلى هذا النحو أيضاً، ليس هناك أنوثة خالدة تفرض على النساء شخصية معينة. وإنما تقول كما تقول الفلسفة الوجودية. ونجدها في القسم الثاني من “الجنس الآخر” تكتب: “إن الإنسان يكون هذا الشخص أو غيره بما يؤسسه ويفعله بحسب مشروعه الصادر عن حرية.. لا تولد المرأة امرأة وإنما هي تصير كذلك، وليس هناك أي قدر يشكل أنثى الإنسان في داخل المجتمع من الناحية البايلوجية او السيكولوجية أو الاقتصادية، وإنما الحضارة في مجموعها هي التي انتجت هذا الكائن الوسط بين الذكر والخصي الذي يوصف بالأنوثة”. ولعل السبب فيما ترى سيمون دي بوفوار، أن النساء قد عشن دائماً في عالم من صنع الرجال، عالم جاهز مغلق، ولم يحدث أن اتّحدت النساء في صف واحد مقابل الرجال، لم يحدث أن كوّنّ جبهة أو وحدة تجعل لهن كياناً يمكن أن ينطبق عليه قول”نحن”لم ينجحن في أن يكون لهن وجود أصيل يمكن أن يتصف بأنه ذات على نحو ما يوصف وجود الرجل في أكثر الحضارات، بل كن دائماً موضوعاً. ولم تلتق إرادة النساء أو مشروعاتهن على نحو ما تلتقي إرادة طبقة من طبقات المجتمع أو طائفة فيه، فليس وضعهن مثل وضع طبقة العمال مثلاً في مقابل أصحاب العمل، ذلك لأن لكل امرأة وضعاً نسبياً مختلفاً لأنه مقرون بالرجل دائماً، ومن هنا فقد أصبحت قضية المرأة قضية شائكة، لكن سيمون دي بوفوار تصرعلى أن المرأة ستأخذ موقعها الحقيقي في المجتمع: “إنه من السهل أن نتصور عالماً تتساوى فيه المرأة بالرجل تتربى تربية وتتحمل مسؤوليتها وتحصل على حقوقها، وتصل الى منزلة من الحرية والوعي بحيث لا تعود ترى في الرجل نصف إله، بل رفيقاً وصديقاً، وتكون معه ما تسميه علاقة (الزوج الانساني)”.
كتبت سيمون دي بوفوار كتابها “الجنس الآخر” خلال 14 شهراً، وفي الوقت نفسه كانت تقوم باجراء بحوث اخرى حول فكرة الوجودية فاصدرت كتيبا صغيرا بعنوان “الوجودية وحكمة الشعوب” ارادت فيه ان ترد الاتهامات على الفلسفة الوجودية وموقفها من الانسان، فهي تدرك ان قليل من الناس يعرف ما هي الوجودية، وكثيون يهاجمونها لانهم يتصورون انها تزرع اليأس في نفوس الناس .. وقد واجهت الوجودية انذاك حملة عنيفة يتهمها اصحابها بانها حركة تنكر الآخاء والصداقة، وترفض الحب، وتسعى لحبس الفرد في عزلة انانية وترد سيمون دو بوفوار قائلة: “ان الوجودية تريد ان تجنب الانسان الخيبة والغيظ المكظوم الذين تسببهما عبادة الاصنام الكاذبة، انها تريد ان تقنعه بان يكون انسانا بأصالة. ان مثل هذه الفلسفة تستطيع بجرأة ان ترفض تعازي الكذب وتعازي الاستسلام: انها تثق بالبشر رجالا ونساء”.
ومع كل الانتقادات التي وجهت الى الكتاب، فان “الجنس الآخر” ما يزال محتفظاً بأهميته مواحد من امهات الكتب الفلسفية التي تناولت قضية المرأة، وهو يشير باستمرار الى قضية المرأة ومعاناتها، اما افضل اجزائه فهي تلك التي تتحدث عن ابداع المرأة في مجالات الفنون والثقافة، وتقول في هذا الصدد، ان المرأة إن قصرت في هذين المجالين فيعود ذلك الى ما يقال عنها مثلاً لو كتبت محملاً حقيقياً، وأصيلاً وهو ميلها الى الفضائح.
تدافع سيمون ديو بوفوار في كتابها عن حرية المراة، وهي تستند في دفاعها الى مفهوم الحرية في الفلسفة الوجودية، وهو المفهوم الذي يمثل العمود الفقري الذي تدور حوله كل فلسفات الوجوديين مهما اختلفوا بصدد المشكلات الأخرى. والفلسفة الوجودية إذ تنادي بفكرة الحرية، إنما تريد أن تدع للإنسان فرصة التفكير في نفسه والرجوع إلى ذاته والاحتكام إلى رأيه الخاص في كل مشكلة تعرض له وفي كل موقف يتخذه بمناسبة من المناسبات: “الحرية تؤكد البدء دائماً، وبالتالي هي الجسر الدائم من اللاوجود إلى الوجود، من الإمكان إلى الواقع الحي. وننبه هنا إلى شيء في غاية الأهمية، وهو أن الوجود الإنساني في حد ذاته لا يعد وجوداً ولا ينظر إليه بوصفه واقعاً، وإنما هو إمكان مطلق، فمجرد وجودي أنا إمكانية فحسب لا تتحول ولا تصير وجوداً ولا تتجسم في هيئة واقع إلا بعد أن أتحرك وبعد أن آتي جملة من الأفعال. فهذه الحركات وتلك الأفعال هي التي يتوقف عليها الوجود الإنساني الذي يكون حاصلاً بالفعل. وما دام من المستحيل على كل إنسان أن يأتي أفعاله من غير ارتكان إلى نوع الاختيار أو قل ما دام كل عمل يصدر عن الإنسان هو تصرف مبني على فكرة خاصة، كان للحرية أكبر مقام في نفس الإنسان وأخطر أثر في حياته”. تعلن دو بوفوار مثلما اعلن سارتر في محاضرته الشهيرة “الوجودية فلسفة انسانية” ان الحرية هي الفيصل بين وجود الإنسان وغير الإنسان، بل إن الحرية هي الإنسان كما أصر سارتر. والمرأة حين تحقق حريتها، انما تثبت للاخرين انها ليست مجرد كائن منعزل، وانما هي كائن حر، وهي بحريتها انما تحقق وجودها ذاته.
عاشت دو بوفوار في باريس غير بعيدة عن قبر سارتر الذي توفي عام 1980، وستكتب عنه في سنواتها الأخيرة كتابا بعنوان “وداعا سارتر” تتحدث فيه عن سنواته الاخيرة وتابعت حياتها ونشاطاتها الأدبية حتى موتها في العام 1986.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.