عروض كتب مختارات مقالات

اللص والكلاب

قراءة في رواية اللص و الكلاب
للكاتب نجيب محفوظ

“عن البراعة في تطويع الرموز أتحدث”

بقلم : م. حسام شلش – مصر

لا شك أن العديد من الأدباء وعلى مر الأجيال بشكل كامل يعانون من بعض الخوف في محاولة التعبير الكامل عن آرائهم وحريتهم الشخصيات، سواء الآراء السياسية أو الاجتماعية او القرارات المتخذة ولذلك نجد أن الكثيرين منهم حاول بقدر المستطاع ان يقوم بتطويع واستخدام الرموز بطريقة محترفة حتى يستطيع تسيل أفكاره وآرائه الى القراء والمهتمين بكل سهولة وانسيابية.

وفي رواية (اللص والكلاب) أستطاع الكاتب (نجيب محفوظ) بكل براعة أن يستخدم تلك الحبكة بشكل جيد وبسيط، ولا يجد أو يخفى على الاديب (نجيب محفوظ) احتفاظه بتلك القدرة المذهلة في صياغة أفكاره على هيئة رموز يتركها للقارئ ويزرعها بداخل جميع أعماله بطرق غير مباشرة لا يفهمها إلا القارئ المدقق.

فبداخل (اللص والكلاب) نرى قضية في ظاهرها هي قضية بوليسية تشويقية ولكنها في أعماقها تحمل طيات مختلفة لآراء و أفكار ، في الظاهر تروى قصة (سعيد مهران) اللص الماهر الخارج حديثا من قضاء فترة عقوبته بالسجن ، والذى يحاول العودة على حياته ورؤية ابنته ، الا انه يفاجئ بشكل مفجع بتخلي زوجته عنه و الزواج من أحد اعوانه القدامى والذى يدعى (عليش) ، وتصل ذروة الغضب بداخل (مهران) إلى أن تخاف منه أبنته وترفض مجرد الاقتراب منه حتى يتولد بداخله مزيج مختلف من الحصرة والغضب مصحوبا برؤيته لابنته ممسكة بالأم الخائنة رافضة حتى الاقتراب من ابيها ، ثم ينتقل بعد ذلك إلى متابعة أخبار أهم معارفه والعامل الرئيسي المشارك بتكوين ثقافته (رؤوف ) ليتلقى صدمته الثانية بثاني أيام خروجه من السجن ، ليجد (رؤوف) شديد الثراء متخلي تماما عن القيم والمبادئ التي كان يناقش مهران دائما بها بل في بعض الأحيان مشجعا له على بعض افعاله مثل احتراف السرقة بحجة أنها لا مفر منها وانها نوع من أنواع الثورة على القطاعات الحاكمة ، إلى أن يعلن (مهران) الثورة بشكل عام على كل ما يحيط به مطلقا عليهم جميعا جم غضبه وناعتا لهم (بالكلاب).

وكما ذكرت سابقا أن اشد ما جذبني بداخل الرواية هو القوة في تطويع واستخدام الرموز الفلسفية المختلفة والتي تجعل دائما مخ القارئ في حالة تفكير بصورة مستمرة اثناء القراءة، فتارة نجد شخصية (نجيب محفوظ) المعتادة الممثلة في الشخصية الصوفية والتي تحاول دائما الدعوة إلى الصلاح والارتقاء بالنفس للسمو والفطرة والتوكل على الله بشكل عام ودائم، ثم ينتقل الكاتب إلى أكثر الموز والتي كانت محيرة لي كقارئ، وهي استخدام الفتاة (نور) وطريقة اختفائها بشكل غامض ومريب.

و برأي الشخصي بعد قراءة الرواية أعتقد أن الغرض من استخدام تلك الشخصية بتلك السمات كان لإظهار جانب الوفاء بداخل الأنسان بشكل عام وحتى يحدث التوازن المطلوب في الحياة ، فكما رائينا الزوجة الخائنة (نبوية) والتي كانت من قبل تحب زوجها إلى أن سقط في يد الحكومة ، فكان لابد أن نرى شخصية (نور) حيث الفتاة التي تشعرها من الظاهر انها لعوب مخادعة إلا أنها من داخلها كانت تكن كل الحب لبطل الرواية وبكل إخلاص و ثقة ، وأرشح أن سبب اختفاءها وبتلك الطريقة الغامضة بداخل الرواية كان رمز من (محفوظ) للتوضيح للقارئ بأن ولع الانتقام بشكل عام قادر على قتل الصفات الحميدة بداخل الانسان قبل أن يقوم الانسان بقتل الاخريين ، حيث أن بداية القتل بشكل عام تبدأ بموت القاتل نفسا من البداية.

ويتضح كذلك جانب أخر من الحياة في جعل اللص مثقف مولع بالقراءة والكتب ، وأعتقد أن الهدف من هذا المزيج العجيب هو التنبيه بشكل عام فحينما يتم تهميش الانسان المثقف نتيجة أصوله الاجتماعية ومحاولة وضعه بداخل قالب لا يستطيع الخروج عنه يتحول لك المثقف إلى شبه إنسان يسعى دائما للانتقام ودائم البحث عن حقوقه ولو بشكل غير قانونى ، ودائما الشخص المثقف بصفة عامة يتميز بحب المعرفة والفضول والتفكير المنطقي ويتضح ذلك بشكل مفصل في المشهد الخاص بمواجهة (مهران) و (رؤوف) بعد إطلاق صراحه و ظهور إمارات التعجب بداخل نفس (مهران) من غرابة المناقشة و تبدل المبادئ الخاصة بصديقه ، على الرغم من أن (رؤوف) كان هو العامل الرئيسي لتفتيح أفاق (مهران) وجعله إنسان يسعى للأفضل ولو باستخدام الطرق الغير مشروعة بحجة أخذ الحق بالقوة طالما استخدام القانون لا يسمن ولا يغنى.

ونرى أيضا استخدام الكتاب للكلب في الإشارة الى الخائنين من أصدقاء (مهران) ودوام استخدام نباح الكلاب بداخل تفاصيل السرد المختلفة، وذلك يثير الانتباه حيث أن الكلب بصفة عامة معروف بالوفاء ولذلك يطرح (محفوظ) تساؤل هام بداخل القارئ حيث ما هي أهمية تشبيه الكلب والخائن؟

الرواية بشكل عام فلسفية ومثيرة للتساؤلات العديد على الرغم قلة احداثها إلا أنها دسمة ونواة للكثير من التشبيهات وحالات الإنسان المختلفة وأنصح بقراءتها قراءة دقيقة متمهلة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
حسام شلش
مهندس مصري، كاتب ومهتم بتقديم عروض الكتب والروايات.. حائز على المرتبة الثانية على مستوى الجمهورية في مسابقة “اقرا ودون” من وزارة الشباب والرياضة المصرية لعام 2020م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.