سياسة مختارات مقالات

ما قبل السقوط

بقلم/ غالب المقدم
يبدو أن رأس النظام العالمي الرأسمالي (أمريكا) بدأ الترنح على حافة الهاوية، وأمامه أزمات أكبر من الأزمات التي مر بها من قبل، مهما حاول إخفاءها، ولكن إخفاءه لها لم يكن محكم الإغلاق، فقد بدأت بالتسرب من القارورة التي وضعها فيها.
فجهوده لتسليط الضوء نحو كورونا، ليجعل منه البعبع الذي يخوّف به العالم، وحديثه المرعب (الأسابيع المؤلمة) الذي انشغل الكثيرون في تفسيره، يحاول من خلالها تلافي تهاوي العرش أو تفادي لحظة ما قبل السقوط.
هكذا تبدأ نهايات الامبروطوريات الكبرى بأحداث كبرى وأزمات أكبر وكوارث أعظم وأحداث تظن معها شعوب العالم أن لا حدود لها، وليس بالإمكان الخروج منها، ولكنهم لو قرأوا التاريخ، لأدركوا أن هذه هي حركة التاريخ. المؤشر الطبيعي لحدوث أي تغيير، لاسيما إذا كان هذا التغيير في جوهر النظام العالمي وشكله، كمؤشر ريختر الذي يرصد الإشارات التي تنذر بحدوث الزلازل أو الهزات الأرضية الكبرى التي تسبقها أعاصير وتغيرات مناخية، أو البركانين حين تبدأ بدفع حممها كمؤشر لما قبل اندلاعها. وهكذا يكون سقوط الامبروطوريات الكبرى. فمهما بلغت الدول من العظمة والقوة والنفوذ والمكانة والسيطرة والجبروت، ومهما كانت قوتها في اتساع أو تزايد مستمر، إلا أنه في نهاية المطاف ينتظرها ما تخافه دائماً، وهو السقوط.
وهذا ما تخشاهُ أية دولة قامت على أساس التكوين الامبروطوري، أو غيره من الآمال والطموحات والأمجاد التي تود تحقيقها، وتسعى إلى إبرازها بأنها التجربة الإنسانية المثلى، وتخشاه منذُ اللحظة الأولى لها،   وما ينتظرها وينتظر كل شيء على هذه البسيطة والنهاية الحتمية لكل كائن حي.. السقوط والاندثار والزوال، وهذه سنة الله في كونه.
فقد بدأ يتحقق ما تنبأ به المفكر المصري جمال حمدان، في أواخر القرن الماضي، لحظة الشماتة والسقوط للهيمنة الأمريكية. فقد قال: “أصبح من الواضح تماماً أن العالم كله وأمريكا يتبادلان الحقد والكراهية علناً، والعالم الذي لا يخفي كرهه لها، ينتظر بفارغ الصبر لحظة الشماتة العظمى فيها حين تسقط وتتدحرج، وعندئذ ستتصرف أمريكا ضد العالم كالحيوان الكاسر الجريح”، وهذه الملامح تبدو جليةً في الآونة الأخيرة، على الوجه الأمريكي الذي كساه الشحوب.
وهذا ما تؤكده الأحداث الجارية التي تشهدها الولايات الأمريكية من انفلات أمني وأعمال عنف وتخريب خرجت عن نطاق الأمن أولاً، وعن نطاق التعبير الديمقراطي ثانياً. فقد بدا الشعب الأمريكي أكثر شعوب الأرض وحشية وإجراماً، على عكس ما كان يصور لنا. وليس هذا وحسب، بل بدت الاختلالات الأمنية والعجز الأمني وضعف قبضته الأمنية التي لطالما جسدوها وجسموها وعملوا على حشوها في ذهن كل إنسان بأنها العين التي ترى كل شيء ولا يخفى عليها شيء.. تظهر هذه الحشود من المتظاهرين غير السلميين، حقيقة النظام الأمريكي وهشاشته، وتدني قيمه الإنسانية ومبادئه التي انعكست على ممارست الشعب ثالثاً.
أما بحق شعوب العالم، فأمريكا لم تبقِ عيناً نائمة بهناء، أو نفساً سالية منها، فقد بدأت بعضّ أذرعها (حلفائها) بالمنطقة قبل أعدائها، وأخذت تنهش في جسد العالم أجمع، في محاولةٍ منها للبقاء والقدرة على السيطرة، وعدم خروج تلك الشعوب التي ظلت تهيمن عليها، من تحت قبضتها التي ظلت لعقود من الزمن جاثمةً على صدرها، والاستمرارية في استنزاف خيراتها من الثروات المنتجة للطاقة التي تمكنها من البقاء في الصدارة متربعة على عرش العالم.
ولكن بعدما انكشف هذا الضعف الذي يسري في الجسد المترنح على الهاوية، بدأت تفكر هذه الشعوب بالتمرد عليه. وأما شعوبنا الحرة فقد استلهمت يقظتها من قيادة ترفض فكرة الاستسلام لغير الله، فكانت السباقة في قلب المعادلة، وكشف الغطاء عما هو مستور عن أعين العالم الذي يخاف أن يُغضب أمريكا، ويخشى نقمتها.
ومع هذا، هيهات أن تبقى الشعوب مستكينة كما كانت عليه من قبل، في ظل وجود قيادة حكيمة محورية ترفض وجود مشروع الكيان اللقيط على امتداد وطننا العربي المقاوم لهذا التحالف الأمريكي الذي أصبح غير قادر على إخفاء ضعفه، ولا يقوى على السيطرة على آلامه مهما بدا متماسكاً أمام عملائه، مدركاً أن علل الموت بدأت  تدب في سائر كيانه.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.