أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

يا رايح كثّر ملايح

“يا رايح كثّر ملايح”
إنشاء وخاطر

بقلم/ ماجد صالح
هناك لحظة، أو ساعة يدركها من انغمس حتى أذنيه في إنجاز مهام محددة عظيمة: مرّ بهذه اللحظة الموظف أمام مهمة دقيقة، أو التلميذ في دراسته لامتحان نهائي، أو المهني لإنجاز طلب معقد لعميل صعب المراس، أو أمّ نام أطفالها أخيرا، أو طالب أنهى توّا بحثه الأهمّ، أو محامٍ فرغ قبل لحظات من كلمات مرافعته الأطول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في حياة موكّله. تلك اللحظة التي أسميها تندّرا بلهجة محليّة: لمّ العدّة (جمعها).

أنهيت صباحا عملا مضنيا احتاج لتسليمه إلى أيام متواصلة بفترات نوم متطقعة قصيرة، وهو أمر ليس جديد على طبيعة عملي؛ التي قد تتطلب أحيانا التحضير لأحداث تبرز فجأة بتاريخ قريب ووقت ضيق، فأسابق نفسي لإنهاء المطلوب بسرعة وبأخطاء أقل.

أما عن إجهاد العمل فأمره هيّن لا يستوجب الحديث عنه. إن ساعات طويلة تقضيها مشغولا أخف على القلب من دقائق قيادة في طريق مزدحم.

وأما عن تلك اللحظة التي تقف فيها كقائد منتصر ومنهك بين جنودك الذين غرسوا لك العلم في مكانه تماما ثم قضوا مع مغيب الشمس بين قتيل وجريح فتلكم هي المسألة. اللحظة الأقصر التي لا تعرف كيف تعبرها بلا مرور إجباري على مئات الأفكار التي عجنتها عشرات المرات وأعدت معالجتها مرة تلو مرة لترضى بصورة لها لا تعرف أكانت كافية لما وُجدت له أم لا. اللحظة التي تلتفت فيها تنظر أيها المستهلَك إلى الأوراق والملفات المفتوحة إلكترونيا أو على الطاولة صنوان وغير صنوان. وإلى القرطاسية المبعثرة والأكواب البلاستيكية العالقة في زوايا المكتب. تنظر فيها جميعا مؤمنا بحقها عليك في جنازة لائقة تظهر فيها الشكر وتبطن الامتنان. لكنها جنازة مكلفة، وأنت قد استهلكت قبل قليل آخر كيلو واط في جسدك لإبقائه مضاءً بما يكفي حتى عودتك للبيت أو للفراش أيهما أقرب. هل تتركها إذا؟ كف عن هذا؛ فلا معنى لكل ما سبق وهذه التفاصيل حولك تنادي.

لا أعتقد بأننا نملك الخيار حينها بترك كل شيء خلفنا على حاله. هذه طاولة عمليات وقد أنتهيتَ للتو من شق بطن هذا المريض وأخرجت منه ما أخرجت، يعطيك العافية.. الآن خِط الجرح الذي فتحته وأعده سيرته الأولى وإلا التهبت لوحة المفاتيح وخزانة الملفات وقلم الحبر الذي ربما قد جلست عليه دون أن تدري.

في عالمٍ مواز افتراضي، وفي فضاء روائي غارق في التفاصيل كقصتي مريود وعرس الزين للطيب صالح و رواية”الأشياء تتداعى” لتشنوا أتشيبي وسلسلة “المغامرون الخمسة” لمحمود سالم، في هذا الفضاء المتخيّل قد تُفرض عليك أخلاق الكاتب فيكون عليك أن تكون شاكرا للتفاصيل التي مشت معك حتى المكان الذي تجلس فيه. لكننا في عالم واقعيّ ينصب العداوة للخيال. لذا أنهِ ما بدأته وضَعْ كل ذا شرف عند مقامه لأن العبرة بالخواتيم، التي لن تعيشها مرتين.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.