مجتمع مختارات مقالات نصوص أدبية

المغتربة الفلسطينية آلاء السوسي تتحدث عن الغربة

بقلم/ د. آلاء السوسي

عامان من الغربة الكاملة، والعزلة غير المتخيلة. جف خلالهما القلب من التعلق، وصَفَت الروح من الاحتياج، واعتاد الزمن أن يدوسنا، واعتدنا أن نقبل عبوره فوق أعمارنا باستسلام.

منحتنا هذه الغربة حكمتها أحياناً، وقسوتها أحيانا أخرى، وفي مرة ثالثة منحتنا ألماً لم نكن نتخيله، احترقنا فيه، وبنينا أنفسنا من رماد، حين نعود -إن عدنا- على الجميع أن يعلم أننا كائنات مبنية من مرات ومرات من عملية الاحتراق وإعادة الوقوف من الرماد.

منحتنا الغربة جسارة التفوق على كل شيء، هذا لا يعني أننا لا نتألم، بل إننا في كل مرة وجدنا مخرجا، أفكر أحيانا أننا حين نعود -لو عدنا – فلن يكون بإمكاننا شرح قسوة تلك اللحظات التي احتجنا فيها أحداً إلى جانبنا فلم نجده، وحين لم نجده اضطررننا لحذفه، وللتعامل مع أنه غير موجود أبداً، حتى اقتنعنا أنه غير موجود بالفعل، فأصبحنا كائنات تتجاوز حزنها بذاتها القاسية القوية، واعتادت على ذلك.

تعوِّدنا الغربة على أن الآخرين غير موجودين، أبداً، الموجود هو نحن والزمن والمكان. المكانُ الذي لا ننتمي إليه، بل نتعايش معه وهو لا يحاول أن يتعايش معنا، لكن الآخرين غير موجودين.
أحياناً: يبدو انعدام وجودهم منحةً حقيقية لاكتشاف الذات، أحياناً: يكون عذاباً، لكننا – وفي كل الحالات- اعتدنا: الآخرون لا مكان لهم، إننا هنا مع الزمان والمكان، فإما أن ننتصر على كل شيء، أو ننتصر، لا طريق للعودة. لا يعود المغتربون أبداً من غربتهم.

تعوِّدنا الغربة أن نقول لكل الذين نحبهم أننا سنتقابل يوماً ما، أن نعدهم ويعدوننا باللقاء، لكننا نعلم في قرارة أنفسنا أنه لا لقاء، وأن لقاءنا الوحيد هو في الذاكرة، ذاكرتنا التي تحتفظ بهم مجمدين عند آخر لحظة قابلناهم فينا، كما يحفظوننا مجمدين بآخر لحظة قابلونا فيها، وكأن الزمن لا يمر، وكأننا لا نتغير، وكأن مرارة الحياة لا تحمِّص قهوتنا فنصبح شيئاً آخر، نعد باللقاء الذي لن يتم، وإن تم فسيكون لكائنات جديدة مختلفة تماماً، وصادمة. فالذين سافروا ليسوا هم الذين عادوا، والذين ودعناهم ليسوا هم ذاتهم الذين ودعناهم.

ثمة حقيقة وحيدة يمنحها لنا البعد: الحياة تسير دونك كما تسير بك، الحياة تسير في كل الأحوال، في بعدك وقربك، في بعدهم وقربهم، الزمن يمر، ونحن ننسحق تحته، وكلٌّ غارق في تجربته، لا أحد يتجاوز ذاته إلينا، ولا يمكننا عبور ذواتنا إلى الآخرين، كلٌّ محاصرٌ بسياج حياته: أحزانه التي يستشعرها وحده، وفرحته التي يخاف فقدها، وطمأنينته التي يسيّجها من ذوات الآخرين بزيادة حراستها من عبورهم إليه.

غرباء مرة واحدة، غربا للأبد إذن.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.