أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

توجيه المراهق

من كتاب “المراهق” 
للدكتور عبد الكريم بكار

مهما نضج الإنسان، ومهما ارتقى مستواه العلمي والأخلاقي، فإنه سيظل في حاجة إلى النصح، وستظل في سلوكياته ومواقفه مفارقات بين ما يفعله، وبين ما ينبغي أن يفعله، وبما أن المراهق يمر بمرحلة تكون الرشد والرجولة، فإن حاجته إلى التوجيه أشد من حاجة الراشدين.

من المهم أن ندرك- معاشر الآباء- إننا نوجه، ونربي في ظروف مختلفة عن الظروف التي نشأنا فيها؛ فالمراهق اليوم يشاهد سلوكيات المراهقين الغربيين ومساحات الحرية الواسعة التي يتحركون فيها، كما يشاهد نماذج كثيرة لتنمرهم وتمردهم على آبائهم وامهاتهم، وهو يتأتى بكل ذلك تأثراً كبيراً وبطريقة غير واعية، وإذا نظرت إلى ما ينتشر الآن من أشكال الملابس، وقصات الشعر، والسماع إلى الأغاني والموسيقى الغربية وامور أخرى من هذا القبيل، إذا نظرت إلى ذلك أدركت أن الخطاب المطلوب توجيهه اليوم للأبناء مختلف عن الخطاب الذي خاطبنا به آباءنا ، وهذا مع الإشارة إلى شيء مهم، هو أن أساليب تربية آبائنا لنا لم تكن كاملة حتى نتخذ منها نموذجاً، نحاكيه ونقلده. ما الذي علينا يا ترى أن نقوله للمراهق، وكيف نقوله؟ وما الأوضاع التي يجب أن تسود حتى تؤتي توجيهاتنا ثمارها اليانعة؟ هذا ما سأحاول توضيحه بإيجاز عبر المفردات الآتية:

أ. ما هو أهم من الكلام:

يشكو المراهقون بكثرة من أن آباءهم وأمهاتهم يسرفون في وعظهم ونصحهم، وأن تكرار النصائح يعكر صفو حياتهم؛ لأن فيها نوعاً من الاتهام المبطن لهم بأنهم أغبياء لا يفهمون الكلام أو متمردون ومعاندون، والحقيقة إن من الآباء من يسرف فعلاً في إبداء الملاحظات، لكن علينا أن نقول أيضاً: أن لدى معظم المراهقين درجة عالية من رهافة الإحساس تجعلهم ينزعجون من أمور لا ينزعج منها الراشدون؛ المهم- على كل  حال- هو أن نتبين إلى أي مدى يكون تكثيف توجيه المراهقين مجدياً ومثمراً؟ أنا شخصياً أعتقد أن جدواه محدودة، بل أن الاحتياج إلى كثيرة النصح دليل على وجود خللٍ ما في وضع الأسرة؛ وذلك لأن الجو الأسري الجيد يجعل الذي يحيون فيه من الصغار يتشربون المبادئ والقيم التي يحملها الكبار عن طريق المعايشة اليومية، فإذا لم يكن الجو جيداً لجأ الأبوان إلى الإكثار من النصائح، إذن كلما وجدنا الأمور تمضي على نحو جيد مع القليل من الحاجة الى التوجيه دلّ هذا على أن البيئة الأسرية صحية وجيدة، والعكس صحيح.

الآن عليَّ أن أوضح ما أعتقد أنه ملامح لجو أسري صحي وملائم:

أ. استقامة عامة على أمر الله، وحرص من الجميع على أداء الفرائض، والكف عن المعاصي، مع التطلع إلى أن يكونوا أصلح واتقى.

ب. يشكل الأبوان في نظر المراهقين والمراهقات قدوة حسنة في أمور كثيرة، وعليهما أن يكونا كذلك.

ت. تفاهم عام بين الأبوين على أسلوب تربية الأبناء.
ُث. مسكن ملائم في مساحته لعدد أفراد الأسرة.

ج. يشعر الأبناء بالارتياح حين يعودون إلى منزلهم، ويشعرون بالانجذاب إلى الجلوس مع والديهم.

ح. حرص على التفوق والنجاح لدى الصغار والكبار .

خ. الانشغال بالشأن الخاص عن التحدث في شؤون الناس، والتوقي من الغيبة.

د. درجة حسنة من التعاطف والاهتمام المتبادل بين جميع أفراد الأسرة.

ذ. استعداد عام للاعتذار عند الخطأ.

ر. التشجيع والتحفيز، والشد على يد المحسن والناجح ، ونبذ الياس والإحباط.

2- الانصات أساس التواصل:

لا يستغني المراهق عن توجيهات أبويه، لكن التوجيهات مع القطيعة الشعورية تكون غير ذات جدوى، وهذه نقطة قلما انتبهنا إليها؛ إذ أن العلاقة الودودة بين الأب وابنه تمهد الطريق للإصغاء والتقبل، وحين تسوء العلاقة بينهما لأي سبب من الأسباب فإن بلاغة الأب مهما كانت فلن تكون قادرة على قرع باب قناعة الابن. نحن إذن في حاجة إلى أن نتواصل مع المراهق، وبداية التواصل تكمن في أن نكون قادرين على الانصات إليه والسماع منه، وإن كان يقول كلاماً يصعب سماعه أحياناً. وهذه إشارات سريعة في مسألة الانصات والتواصل:

أ. من المألوف جداً أن يكون المراهق قليل الكلام مع والديه؛ إذ أن من الملاحظ أن كثيراً من المراهقين يكونون مع أصدقائهم في هرج ومرج وضحك يسمع من بعيد، فإذا حضروا إلى بيوتهم أمسكوا عن الكلام، بل إن بعضهم يسأل عن عدد من الأمور، ويكون الجواب لديه في الغالب هو أن يهز كتفيه، ويقول: لا أدري! المهم أن ندرك أن هذا من المراهق ليس موقفاً شخصياً، إنه موقف أنتجه ضعف الاتزان الشعوري وشدة الارتباك الذاتي.

ب. في أحيان كثيرة تتحدث البنت إلى أمها وهي مقبلة على طبخ الطعام أو مشغولة بتنظيف حجرة من الحجر، وفي أحيان كثيرة يتحدث الولد مع أبيه وهو منهمك في قراءة جريدة، هذا ما تعوده كثير من الناس، وهذا قد يكون مقبولاً لدى بعض الأولاد، لكنه يعطي إشارة بعدم الاهتمام، لكن وقع هذه الوضعية قد يكون مؤلماً في بعض الأحيان.

هذه فتاة حصلت على تفوق باهر على زميلاتها حين احتلت المرتبة الأولى في الامتحان، فجاءت إلى المنزل وهي تكاد تطير من الفرح وما أن دخلت المنزل حتى اخذت تصرخ، وتبحث عن والدتهاـ وحين وجدتها قالت: أمي خبر ولا كل الاخبار، شيء لا يصدق، وكان رد الأم فاتراً جداً حين قالت: ما الخبر؟ قالت: ترتيبي في الامتحان الأخير كان الأول على زميلاتي.. فقالت الأم: المهم الامتحان النهائي بعد شهرين، هناك يظهر فعلاً ما إذا كنت متفوقة! إن هذا الموقف يسئ إلى مشاعر البنت إساءة بالغة، ويجهض فرحتها بتفوقها بطريقة فجة.

ت. في بعض الأحيان يتحدث المراهق بأشياء يكون صادقاً فيها، لكن لا يليق التحدث بها، ولا يكون هدفه هو ازعاج والده أو والدته؛ إنما يستهدف تمرين نفسه على التحدث مع والديه في أي موضوع يشاء، وشيء جيد أن يتفهم الأبوان ذلك.

ث. في كثير من الأحيان يجد الأب صعوبة بالغة في التحدث مع ابنه أو ابنته في موضوع من الموضوعات، وتجد الأم مثل ذلك، وفي هذه الحالة تكون استشارة أحد الأبوين لصاحبه والاستعانة به، شيئاً مثمراً، وربما فوّض أحدهما للآخر معالجة الموضوع والتحدث به مع المراهق.

ج. من المهم أن نتعرف وجهة نظر المراهق، ونستوعبها على نحو جيد، وذلك في أي موضوع يطرحه، والذي يحدث هو أن كثيراً من المراهقين يتحدثون عن بعض المشروعات والقضايا بحماسة شديدة واهتمام استثنائي، وينتظرون من الكبار المشاركة في تلك الحماسة، والتفاعل مع مشاعرهم الجياشة، لكن الكبار بما لديهم من خبرة يدركون أن هذه الحماسة في غير محلها، وأن المشروع الذي يقترحه المراهق فاشل، ولا يستحق أي اهتمام؛ ولهذا يكون الرد فاتراً جداً، وأحياناً يدفع إلى اليأس.

أحد الآباء أخبره ابنه أنه في الاجازة الصيفية سوف يتدرب على يد اعلامي كبير، وأنه خلال سنوات سيكون اسمه على لسان.. نظر الأب في وجه ابنه، وقال: خير إن شاء الله ، موفق، ثم خرج من الغرفة دون أن يزيد على ذلك ، وهنا انفجر الابن بالبكاء واغلق عليه باب غرفته.. إن الانصات لا يعني الاصغاء للكلام المنطقي الموزون فحسب. بل يجب أن ننظر إليه على أنه وسيلة لإبقاء قنوات التواصل مع المراهق ، وللاستمرار في تأنيس مشاعره وترويضه.

3- التشجيع غذاء الروح:

إن من مفردات الضعف البشري ذلك الشعور الملحَّ بالافتقار إلى تقدير الآخرين واحترامهم وتشجيعهم، وإذا كان ابن السبعين يشعر بذلك، فإن حاجة ابن الخامسة عشرة أكبر بكثير. فنحن نرغب بقوة في الثناء والتحفيز؛ لأننا غير متيقنين من نجاحاتنا وانجازاتنا، ولأننا أيضاً نود أن نعرف منزلتنا في نفوس من حولنا، ومن هنا فإن تشجيع الأبناء والثناء على انجازاتهم وإظهار الاهتمام بأي نجاح حقيقي، يجب

أن يكون جزءاً مهماً وبارزاً في مخاطبتهم والتواصل معهم.

ولديَّ ملاحظات قليلة في هذا الشأن؛ منها:

أ. بعض الناس يخاف من أن يؤدي الثناء على المراهق الى تراخيه وتوانيه في بذل جهد أكبر، وبعضهم يخشى من أن يؤدي ذلك إلى شعوره بالكبر والاستعلاء؛ وهذا الحذر مشروع وواقعي لكن علينا أن نقول: أن الاسراف في الثناء بسبب وبغير سبب يمكن أن يتسبب فعلاً في شيء من ذلك؛ ولهذا فإن التشجيع يجب – كما هو الشأن في كل الأشياء- أن يظل في اطار الاعتدال، ويجب أن يكون على انجاز وليس على صفة ثابتة؛ أي أن نثني على تفوق الفتى وانجازه، وليس على ذكائه أو جماله أو قوته البدنية. إن الثناء على هذه الأمور واشباهها لا يحتمل معنى الحث على تحقيق المزيد ولهذا فلا ينبغي أن نقوم به.

ب. كل انجاز يستحق التشجيع ولو كان أقل مما نتوقع؛ لأن إمكانات الأبناء والظروف التي يواجهونها مختلفة، وقد قال أحد المراهقين: كان يوم حصولي على الثانوية يوماً حزيناً بالنسبة إليَّ؛ لأن أهلي كانوا يريدون مني أن احصل على الدرجات التي تؤهلني لدخول كلية الطب، لكن ذلك لم يحدث بسبب مرضي ليلة اختبار الرياضيات، فتدنى مستوى درجاتي، ودخلت كلية الهندسة، إنني لم أتلق من أهلي أي تهنئة لأنني خيبت آمالهم، وبقيت أسبوعاً مكتئباً ونجح هذه السنة بمجموع أقل مني بكثير، ومع هذا فإن أهله احتفلوا به، وقدموا له هدية نفيسة، هذا ظلم واحباط.

من المهم حين نشجع ونثني أن نجعل التشجيع صافياً ومفرحاً، وإنما أقول هذا لأننا تعودنا أن نقول للولد: الشيء الذي قمت به ممتاز، ولو سمعت النصيحة لفعلت ما هو اكثر منه، كما تعودنا أن نقول: عملك الفلاني جيد، والتحدي الكبير لم يأت بعد، وحين تتجاوزه حينئذ تستحق فعلاً التهنئة!

ت. إن تشجيعنا للمراهق ومديحنا لإنجازاته وموافقه يشكل بالنسبة إليه دعماً قوياً، هو في أمس الحاجة إليه؛ وذلك لأن المراهق كثيراً ما يخوض معارك صامته، نحن لا نعرف عنها الكثير، فالمراهقون- مثلاً – كثيراً ما يشعرون بانخفاض الروح المعنوية، وكثيراً ما يشكون في مدى كفايتهم لخوض غمار الحياة في المستقبل بنجاح، كما أن بعضهم يعاني من ضغوط الدراسة والتكيف مع المواد، وبعضهم يعاني من نبذ أصدقائه له واعراضهم عنه.. وحين يلقى المساندة من أهله يشعر بالأمان والطمأنينة.

ث. لا ينبغي للتشجيع أن يقتصر على الكلام والمديح؛ يل ينبغي أن يتجاوزه إلى تقديم بعض الهدايا المناسبة، وكذلك التواصل معه عن طريق الجسد: الاحتضان، مسك اليد، تربيت على الكتف، المسح على الرأس، الابتسامة.. إن التعبير عن المشاعر بهذه الوسائط مؤثر جداً في نفسية المراهق، ولاسيما اذا تم ذلك أمام بعض الأقرباء او اما الضيوف.. وقد كان أحد المراهقين يقول: عودني أبي حين كنت في الثالثة عشرة أن يأخذني معه إلى السوق لشراء بعض حاجات المنزل، وكان طول الطريق يتحدث معي في موضوعات مختلفة، وكنت أُسرّ كثيراً للنقاشات التي تدور بيننا، لكن أكثر ما كنت أطرب له هو وضع أبي يده في يدي كما يفعل صديقان حميمان، قد كنت- فعلاُ- أشعر بأنني أحب الناس إليه، وفي إحدى المرات رآنا أحد أصدقاء الوالد، ونحن قادمان من السوق؛ فقال: يا سبحان الله كم يحب كل منكما الآخر!

باختصار؛ المراهق يريد أن يُغمر بكرم المشاعر حتى يحس بعمق الرابطة بينه وبين أبويه، وهذا الكرم مطلوب من الأب أكثر من الأم؛ لأن المراهقين والمراهقات قد تعودوه من أمهاتهم، وصار مألوفاً لديهم.

5. تثقيفية بالأحكام والآداب الشرعية:

من الواضح أن الجهود التثقيفية للأطفال تبدأ في وقت مبكر جداً؛ إذ أن الطفل يستوعب بعض ما يقال له من بداية السنة الثانية من عمره، والأسر المسلمة تلقن أطفالها بعض الأدعية والأذكار وهم في السنة الثالثة من أعمارهم، ومن المعلوم أن الطفل إذا بلغ السابعة كان لزاماً على أهله أن يدربوه على أداء الصلاة، وحين يصبح في التاسعة يدربونه على صوم رمضان بصورة تدريجية، وحين يدخل الطفل في مرحلة المراهقة؛ – أي في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة- يكون على الأهل أن يحدثوه عن الوضعية الجديدة التي صار على أبوابها؛ إذ أنه في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة سيكون بالغاً والبلوغ يعني الدخول في مرحلة التكليف، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: ” رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل” او ” يفيق”. أن المراهق لا يعاقب على التقصير في الواجبات، ولا يصبح محاسباً على الوقوع في المخالفات إلا إذا احتلم أو بلغ، لكنه إذا اتلف مالاً مملوكاً لأحد الناس فإنه يضمن ما اتلفه، ولو تورط في قتل شخص، فإن عليه أن يكفر عن ذلك، ويدفع الدية، ويعد قتله من باب قتل الخطأ نظراً لكونه لم يبلغ.

المهم أن يفاتح الأب ابنه، والأم ابنتها فيما يتعلق بشؤون الاحتلام والدورة الشهرية وكيفية التطهر، وبالإضافة إلى شرح ما يتعلق بأمر الصلاة والعورة والحجاب.. ومن المهم كذلك أن تكون هناك مفاتحة بالقدر المناسب حول مسائل الغريزة، وميل كل واحد من أفراد الجنسين إلى أفراد الجنس الآخر، وإن ذلك شيء طبيعي حتى يستمر الوجود البشري على هذه الأرض، ولكن لابد من الصبر والانشغال عن التفكير في هذا الأمر إلى أن يحين وقت الزواج.

يلاحظ إلى جانب هذا أن لدى المراهقين- ولا سيما في هذا الزمان- درجة عالية من عدم الاكتراث بهموم الوطن وقضايا الأمة والتحديات التي تواجهها، وأنا افهم مسوغ هذا؛ حيث أن المراهق مشغول أساساً بنفسه وهمومه، كما أن درجة النضج العقلي لديه لا تساعده على ادراك القضايا الكبرى لبلاده وأمنه، ولكن اشراك المراهقين في النقاش الذي يدور في المجالس، وتعمد سؤالهم عن أراءهم، ينمي لديهم الإحساس والاهتمام بالقضايا الكبرى والعامة، ويحفزهم إلى الاطلاع عليها.

6. مساعدته على اكتشاف ذاته:

مسألة معرفة الكبار والصغار بأنفسهم من المسائل المهمة للغاية؛ وذلك لأن المرء حين يعرف إمكاناته ونقاط ضعفه وقوته، كما يعرف ميوله وهواياته.. يستطيع أن يدير ذاته، كما يستطيع استثمار طاقاته بشكل جيد، ومن المؤسف أن وعينا بذاتنا لا يكتمل أبداً كما أن من المؤسف مرة أخرى أن الذين حولنا هو الذين يقومون بتعريفنا على أنفسنا، وكثيراً ما يخطئون في ذلك! المراهق يحتاج من أبويه إلى الارشاد والدلالة في هذا الشأن حتى لا تضيع الفرص العظيمة عليه، وحتى لا يقع في الأخطاء الفادحة أيضاً.

وهذه بعض الملاحظات في هذه المسألة :

أ. لا يتقبل المراهق ما تحدثه به عن ذاته بيسر وسهولة فإذا قلت له: إنك ماهر جداً في الرياضيات، ويمكن أن يكون لك شأن كبير في هذه المادة إذا أوليتها اهتمامك.. فإنه في الغالب لا يحمل كلامك على محمل الجد، أو يقول في نفسه: أنا لا أحب الرياضيات، وإن كنت أخذ فيها درجات عالية؛ ومن هنا فإن من الأفضل أن نضع المراهق في ظروف يكتشف فيها نفسه بنفسه، شجعه- مثلاً- على دخول مسابقة علمية في حل المسائل الرياضية المعقدة، وإذا كان لدى المدرسة أو الجامعة برنامج يتولى فيه الطلاب الممتازون تدريس زملائهم المتعثرين ، فشجعه على التسجيل في ذلك البرنامج ليكتشف بنفسه بأنه يمكن ان يكون مدرساً ممتازاً للرياضيات في المستقبل.

ب. لدى كل انسان نقاط قوة، ونقاط ضعف، فأنت تلمس لدى بعض المراهقين قدرة واضحة على الخطابة أو السباحة أو القيادة أو بناء العلاقات الجيدة أو الحفظ أو ضبط النفس.. ومهمتنا أن نرصد ذلك، ونساعد المراهق على تنميته، وقد يكون من المناسب مشاورة بعض أساتذته والاستعانة بمعرفتهم به، وإذا عدنا إلى التاريخ وجدنا أن بعض الآباء والأمهات والمعلمين سدلوا نجاحات عظيمة جداً في جعل المراهقين يعملون على تنمية مواهبهم وصقل مهاراتهم، وقد حصلوا من وراء ذلك على خير عظيم.

ومما يذكر في هذا الشأن: إن مالك بن أنس صاحب المذهب- رحمه الله- حين كان مراهقاً رغب في تعلم (الغناء) فقالت له والدته: يا بني إن الغناء إذا خرج من بين لحية وشارب- أي من فم رجل- لم يستحسنه الناس، ولكن اذهب إلى ربيعة بن عبد الرحمن، فخذ عنه، وتعلم منه الأدب قبل العلم، يقول مالك: فتركت المغنين، وتبعت الفقهاء ، فبلغ الله بي ما ترى.

ت. اكتشاف الذات يشتمل على معرفة الإيجابيات والسلبيات، ومن هنا فإن الأبوين يستطيعان تنبيه الأبناء إلى ما لديهم من صفات سلبية تؤثر في استقامتهم ونجاحهم، وهذا السلبيات كثيرة، فقد تكون العناد أو الاسراف أو الكبر أو عدم احترام الآخرين.. المهم أن نتعلم كيف ومتى نوجه النصح لهم، ومن خلال الملاحظة ندرك أن كثيراً من الآباء إذا رأوا سلبية لدى أبنائهم سارعوا إلى ابدائها دون التأمل في استعدادهم لتقبل النصح والتوجيه والتفاعل مع ما يسمعون.

إن التحدث إلى المراهق عن سلبية لديه يجب أن يكون على انفراد وفي ساعة صفاء، وبأسلوب لطيف، وأن العجلة في هذا تضر أكثر مما تنفع. أحد الآباء لاحظ أن ابنه قد كذب عليه حين قال له: إنه كان عند ابن خالته، ثم تبين له أنه كان مع بعض أصدقائه في السوق، واكتشف أنه كذب عليه مرة أخرى حين قال: إن أستاذ الفقه وبخه لأن شعره طويل، ثم يتبين للأب أن ذلك لم يحصل، واكتشف كذبات أخرى من هذا النوع، وكان الأب حكيماً، فلم يعلم ابنه بشيء من ذلك على الرغم من مرور شهرين على أو كذبة كذبها عليه، أنه كان يتحين الفرصة المناسبة للمفاتحة، وقد جاءت الفرصة صباح ذات يوم حين قال الابن لأبيه: أريد منك مبلغاً من المال حتى أقرضه لابن عمي؛ فأعطاه أبوه المبلغ وهو مستغرب من ذلك، وبعد السؤال تبين أن ابنه كان قد اقترض المبلغ من ابن عمه، وقد أخذه من أبيه كي يرده إليه، هنا أخذ الأب ابنه وخرجا إلى حديقة قريبة من المنزل، وبعد مداعبته وممازحته فتح معه الموضوع، ولم يرجعا إلى البيت حتى أخذ عليه العهد بعدم العودة إلى شيء من ذلك، وقد احترم الولد فعلاً ما قطعه على نفسه، واستقام أمره.

7. التفوق ليس خياراً:

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يحاول كل أب وكل أم ايصالها إلى أبنائهم وبناتهم جميعاً، فنحن في زمان الأشياء المتفوقة والمتميزة، أما الأشياء العادية، فقد فقدت الكثير من قيمتها، وأن الوضع في المستقبل سيكون أشد، حيث تحتدم المنافسة على موارد محدودة، ويكون البقاء حينئذ للأجود والأفضل والأسرع.

يظن المراهق أنه إذا قال أنه لا يحب الدراسة أو لا يحب القراءة  أو الاستيقاظ المبكر في إجازة الصيف.. فإن على الأبوين موافقته في ذلك؛ لأن عليهما احترام رغباته، ويظن كذلك أن رغبات الإنسان تولد معه، ولهذا فلا حيلة له سوى الخضوع لها، هذا الظن غير صحيح، فالمسؤولية التربوية للأب تلزمه بأن يوجه ابنه نحو ما يصلح، وتلزمه بأن يحمله على ذلك ويحضه على الامتثال له، كما أن رغبات الإنسان يمكن تعديلها وتهذيبها عن طريق التربية، فالواحد منا يستطيع أن يوجه رغباته ويتحكم فيها، ويستطيع اكتساب بعض العادات الجديدة، ومن هنا فإننا نرى أن معظم أبناء الأسرة المتعلمة تعليماً عالياً ينشاون على حب العلم، وينالون أرفع الشهادات ، كما أن كثيراً من أبناء الأسر غير المتعلمة  لا يجدون في أنفسهم رغبة في التفوق أو اكمال دراستهم، ومن هنا فإن على الأبوين أن يصرا على تفوق أبنائهم، وحتى يؤتي ذلك الإصرار ثماره؛ فإن من المهم مباشرة الآتي:

أ. حاول أن يدرس ابنك في مدرسة جيدة، والمدرسة تكون جيدة إذا كان فيها توجيه أخلاقي حسن، وإذا كانت جادة في تعليمها؛ أي أن الطالب يجد نفسه مشغولاً بقوة خلال الأيام الدراسية، ويجد أن التفوق فيها يحتاج إلى جهود كبيرة.

ب. حاول أن يبتعد ابنك عن صحبة الطلاب الكسالى والمهملين، وأولئك الذين لديهم تطلعات للعمل في مهن أبائهم؛ لأن الأصحاب كثيراُ ما يؤثر بعضهم في بعض في مسألة الخروج من المدرسة.

ت. التفوق مرتبط بالتركيز، ولهذا فإن من المهم اكتشاف المواد التي يحبها الابن ويملك فيها قدرات علاية، كي نساعده على الاهتمام بدراستها على نحو خاص جداً، ولا شك أن الدرجة التي يحصل عليها ، بالإضافة إلى رأي أساتذته، مما ساعد في مسألة الاكتشاف.

ث. للتفوق اليوم تكاليفه المتصاعدة، ويجب أن نستعد في وقت مبكر لدفع تلك التكاليف، ويتمثل أولها في التخطيط لدراسة الأبناء؛ وذلك من خلال توفير نسبة من الدخل ووضعها في حساب خاص بتعليم الأبناء، وقد اتبع اآباء هذا الأسلوب، ولمسوا فائدته الكبيرة.

ثم إن التفوق يحتاج في بعض الأحيان إلى شراء مراجع وحضور دورات علمية والسفر إلى بعض البلدان وأمور أخرى من هذا القبيل، وينبغي أن نتفق على هذا بسخاء، فالله – جل وعلا- يخلف، وهو على كل حال استثمار ناجح جداً.

ج. تحدث دائماً مع ابنك عن المستقبل وحدثه عن حاجة أمة الإسلام الماسة إلى الرجال الأفذاذ والعلماء الكبار وافتح وعيه على سِيَر وتراجم بعض أعلام هذه الأمة وأعلام الأمم من حولنا، واشرح له عن أخلاقهم وجهودهم على دروب المعالي والابداع، وإذا استطعت أن يصحبك في زيارة لبعضهم بين الفينة والفينة، وافعل، فإن للقاء بالعظماء تأثيراً كبيراً في النفوس.

إن في إمكاني أن أعرض لأمور عديدة أخرى في مسألة توجيه المراهق، لكن خشيتي من تضخيم هذه الرسالة تجعلني أتوقف عند هذا الحد؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.