مقالات

من يشعل برميل البارود اللبناني؟

من يشعل برميل البارود اللبناني؟

بقلم: د. وسام محمد

كان جبل لبنان في النصف الأول من القرن التاسع عشر عبارة عن موزاييك طائفي شديد التداخل، وإن غلبت بعض الطوائف على مناطق دون أخرى؛ وتقاسم المناطق الريفية من جبل لبنان أسر بعينها، استحوذت على مساحات شاسعة من الأرض، واستخدمت مستضعفي الطائفة في زراعتها؛ كانت هذه الأسر تجمع ما بين الثروة والسلطة، وحمل زعماءها ألقاب الأمير والشيخ، وأعتبرها مستضعفو الطائفة كبراؤهم؛ وصب الاحتقان ما بين الطوائف في صالح سيادة هذه الأسر، إذا سمح لهم أن يقدموا أنفسهم للمستضعفين من الطائفة كحماة لهم من تربص الطوائف الأخرى، ورضي المستضعفون بالخضوع لهم والاستغلال من قبلهم خشية من تمكن الطوائف الأخرى منهم؛ «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا»، ولكن هذا الوضع أشبه باللعب بالنار فوق برميل بارود، لذلك كان الاحتقان الطائفي يتحول من آن إلى آخر إلى حرب أهلية طائفة، أكبرها كانت تلك الحرب بين الدروز والموارنة عام 1845، وهي حرب خرج منها أمراء الطوائف أكثر ثراء وقوة، بينما ذبح فيها المزارعون من الطائفتين بعضهما بعضًا.

ومع خروج محمد علي من الشام، تبنى الأتراك العثمانيين الذين عاد الشام لحكمهم مجموعة من الإصلاحات الإدارية والتنظيمية، كان منها ما سمح بإنشاء وكالات تجارية ومصارف أجنبية على الأراضي العثمانية، ومنها جبل لبنان، وسرعان ما أنشئت وكالات تجارية وأفرع للمصارف الربوية، كان أكثرها فرنسي، في بيروت، ووجد زعماء الطوائف في هذه الوكالات والمصارف فرصة لاستثمار ثرواتهم، فانخرطوا للعمل معها، وعمل بعض أبناء الأسر الطائفية النبيلة وكلاء لهذه المؤسسات الأجنبية؛ ولكن كان هناك جانب آخر من الإصلاحات العثمانية يقضي بمنع زعماء الطوائف ومن في حكمهم من جمع الضرائب، وأوكل هذا الأمر إلى ممثلي الدولة، وهو ما مثل ضربة لهذه الجماعة، والتي كان أفرادها يجمعون عشرة ليرات ضرائب من المزارع البسيط في جبل لبنان، لتوريد ليرة واحدة لخزينة الدولة، بينما تذهب تسعة ليرات إلى جيوبهم؛ وقد تجاهل زعماء الطوائف هذا الجانب من الإصلاح، واستمروا في جمع الإتاوات من أتباعهم بالقوة، وإنزال العقوبة بمن رفض دفعها؛ وفي عام 1856 أعاد العثمانيين على تأكيد هذه الإصلاحات من جديد فيما عرف بخط هاميون، والذي أكد على منع جني الضرائب إلا من قبل موظفي الدولة المعينين ووفقًا لقوانين محددة ومعلنة، كما سوى بين رعايا الدولة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو الأثنية وضمن حياتهم وممتلكاتهم وحريتهم؛ ومرة أخرى تجاهل زعماء الطوائف هذه الإصلاحات واستمروا في التصرف كسادة من العصور الوسطى يملكون الأرض ومن عليها.

في عام 1859، اجتمع عدد من المزارعين المارونيين من أهل منطقة كسروان، شمال بيروت، ورفعوا عريضة تطالب بتطبيق إصلاحات خط هاميون على منطقتهم إلى الحاكم التركي في بيروت، ولكن الحاكم الذي بالكاد كان يستطيع فرض نفوذه في بيروت مقره حكمه، أعتذر لهم بأن هذا الأمر خارج عن مقدوره، وهو ما دعى أحد هؤلاء المزارعين واسمه طانيوس شاهين إلى أن يعلن أنه سوف ينفذ الإصلاحات في موطنه كسروان بالقوة؛ كان طانيوس حدادًا شبه أمي ولكنه كان ذا حضور طاغ، فاجتمع عدد من المزارعين حوله واتخذوه زعيمًا لقضيتهم، وتسلحوا وأنقضوا على أسرة آل الخازن، الأسرة النبيلة المارونية الحاكمة في كسروان، التي هزمت ولجأ أبناءها إلى حماية الحاكم التركي في بيروت، كون طانيوس شاهين ما يشبه مجلس للزعماء في كسروان وترأسه بنفسه وأدار شئون المنطقة؛ وحفز نجاحه المزارعين المارونيين في المناطق المارونية الأخرى في المتن والشوف على الانضمام لحركة طانيوس شاهين والتمرد على سلطة لوردات الحرب من الأسر النبيلة.

لم تكن حركة طانيوس شاهين حركة مدفوعة بأهداف طائفية، بل كانت حركة مارونية صرفة، هدفها التخلص من النظام الطائفي الهيراركي والذي يجعل أبناء الطائفة الواحدة مراتب يتحكم بعضها في رقاب البعض الآخر؛ ولكنها في الوقت نفسه مثلت تهديد لزعماء الطوائف الأخرى عن طريق تقديمها مثالً على إمكانية تخلص الطوائف من الأسر النبيلة، وشعر حاكم بيروت بخطورة الحركة على استتباب الحكم العثماني، وانزعجت المؤسسات المالية الأجنبية من فقدان حلفائهم من الأسر النبيلة مكانتهم بفعل تلك الحركة؛ وكان الحل هو إجبار الحركة عن التخلي عن هدفها وتحويلها إلى حركة طائفية تحترق في أتون الحرب الطائفية.

جاء الهجوم الأول من البطريرك الماروني بولس بطرس مسعد الذي هاجم طانيوس وحركته وأتهمهم بأنهم قطاع طرق ويعملون ضد مصلحة الطائفة المارونية، وخرج من بين جماعة طانيوس من تلقف هذه الدعوة وطالب طانيوس بأن يشن الحرب على الطوائف الأخرى لإنقاذ المارونيين من نيرهم، وهو ما اضطر طانيوس إلى أن يقدم نفسه أمام أتباعه وفي مراسلاته كحام للمسيحين المارونيين، ولكن الأمور كانت قد خرجت عن السيطرة بفعل الأموال التي أنفقها عملاء المؤسسات المالية الفرنسية، فقامت جماعة من اتباع طانيوس بالهجوم على قرية للشيعة، على الرغم أن هؤلاء كانت علاقتهم ودية بجيرانهم المارونيين، وظهر بين أتباعه من يطالب بطرد غير المارونيين من كسروان، ثم حدثت الكارثة الكبرى عندما أطلق جماعة من المسلحين المارونيين النار على مجموعة من الدروز عند أبواب بيروت فقتلوهم، وكانت هذه الحادثة بمثابة إلقاء شعلة من النيران في برميل البارود، فأنفجر لبنان والشام كله، إذ حمل الدروز السلاح والتفوا حول زعماءهم التقليدين واندفعوا لقتال خصومهم القدامى من المارونيين، ودرات رحى المعارك الطائفية في كل مكان، في جبل لبنان وفي اللاذقية وامتدت نيرانها إلى دمشق، وتورطت فيها طوائف أخرى دفعها سادتها إلى القتال لأغراض في نفوس هؤلاء.

انتهى الأمر بواحدة من أكبر المذابح الطائفية في تاريخ لبنان كله، قتل فيها الجار جاره، وعادت بعدها الأسر النبيلة القديمة إلى كامل سلطتها وثروتها باعتبارها حامية حمى الطوائف، ودفعت المؤسسات المالية الفرنسية نابليون الثالث – إمبراطور فرنسا والمؤسس الفعلي للفاشية في العصر الحديث – إلى غزو لبنان، وهو ما كان يمكن أن يتحقق لولا معارضة قوى أوروبية أخرى رأت أن التدخل الفرنسية يضر بمصالحها، ولكن أخطر من نتج عن هذه المذبحة ما عرف باسم النظام الأساسي للبنان، الذي فرضته فرنسا والقوى الأوروبية فرضًا على العثمانيين، وهو الذي مثل الأساس القانوني للدولة اللبنانية في العصر الحديث، وهو النظام الذي كرس فيه عملية المحاصصة الطائفية، وأنهى عمليًا أي مسعى في سبيل هوية لبنانية موحدة لحساب الهويات الطائفية المتصارعة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.