مقالات

قراءة أولية في حادث انفجار مرفأ بيروت وتداعياته

قراءة أولية في حادث انفجار مرفأ بيروت وتداعياته

إعداد: عمّارية عمروس/ باحثة جزائرية متخصصة في الشؤون الأمنية والإستراتيجية.

ظل لبنان ساحة للصراع والتجاذبات الداخلية والإقليمية خلال نصف قرن الأخير، وعاش تجربة قاسية تحت وطأة حرب أهلية دامت 15 سنة (1975-1990)، أذكت نارَها الطائفيةُ والمذهبية فراح ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى، فضلا عن التداعيات الاقتصادية، السياسية والأمنية التي لم يفلح اتفاق الطائف في احتوائها إلى جانب الطائفية السياسية التي تظل بارزة في منظومة الحكم بلبنان. ومنذ تأسيس حزب الله سنة 1982، يُعتبر التنظيم المسلح الأكثر عداءً لإسرائيل (على الأقل ظاهريا)، وقد اندلعت حرب بين الطرفين سنة 2006، انتهت بأزمات أخرى متتالية سياسيا وأمنيا. كما كان حزب الله متهما في حادثة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري (شباط/فبراير 2005)، وهو ينفي ذلك باستمرار باعتباره تنظيما يقاوم العدوان الإسرائيلي ولا يهاجم خصومه في الداخل.
مع بداية الحراك الشعبي في تشرين الأول/أكتوبر 2019، باسم الحرب على الفساد وتحت شعار: “تنقلعوا كلكُن”، انهارت منظومة الاقتصاد اللبناني ومعها المستوى المعيشي للمواطن بشكل رهيب، بحيث أصبح سعر الدولار الواحد يعادل 5000 ليرة لبنانية، ورافق ذلك غضبٌ اجتماعي وصراع سياسي لم يكن ليتوقف باستقالة سعد الحريري، ولم يكن ليهدأ –ولو نسبيا- تحت تأثير تصريحات رئيس الوزراء حسّان دياب المتكررة، الداعية إلى الوحدة الوطنية لتجاوز الأزمة والمزيد من الصبر للخروج من عنق الزجاجة.
لقد شكّل انفجارٌ بمرفأ بيروت مساء يوم الثلاثاء صدمة وذهولا كبيرين في لبنان وربوع المنطقة العربية وخارجها، وهو يأتي في ظل وضع سياسي، اقتصادي واجتماعي صعب جدا يعيشه اللبنانيون منذ اندلاع موجة الحراك خريف 2019. وبحكم خصوصية الوضع السياسي والأمني في لبنان والشرق الأوسط، لم يكن من السهل التصديق بأن انفجار ذخيرة تحتوي على أكثر من 2000 طن من نترات الأمونيوم (وهي مواد شديدة الخطورة، قابلة للانفجار في أية لحظة) محضُ صدفة وخارج نطاق التدبير، وهو الذي يمس واجهة البلد البحرية وموقعا إستراتيجيا وحيويا وعاصمةً سياحية (بيروت)، مع أن وزير الخارجية الإسرائيلي أكد أنه لا علاقة لإسرائيل بالحادثة.
بيروت مدينة منكوبة، حداد وطني لثلاثة أيام وحالة طوارئ لمدة أسبوعين، مع فتح تحقيق واسع، هذا ما تم إعلانه مباشرة بعد الحادثة التي خلّفت عشرات الموتى (158 لحد الآن) وآلاف الجرحى، وجعلت المتابعين من ذوي الاختصاص يَبنون تصورات واحتمالات قد تكون الأقرب حول الفاجعة، فضلا عن سيناريوهات حول تداعياتها على ما يجري داخل لبنان. كباحثين في الشأن الأمني والإستراتيجي، وانطلاقا من متغيرات الوضع الراهن داخليا وإقليميا، أَمكن القول إن حادثة الانفجار ستكون لها بالتأكيد تداعيات سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى، ويظل سيناريو الإطاحة بالحكومة واردا في ظل ضغط شعبي واسع وحالة من الغليان ومحاولات للتنصُّل من المسؤولية وتوجيه أصابع الاتهام.
ومن الأمور الملفتة أن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، لم يوجه خطابا مباشرة بعد الحادث تعليقا عليه، وهو الذي يتبادل باستمرار تهديدات وردودا مع إسرائيل من جهة، كما أنه فاعل محوري في المشهد السياسي والأمني بلبنان والصراع داخليا من جهة أخرى، وبعضُ عناصره متهمون في حادث اغتيال الحريري سنة 2005، لكن قرار النطق بالحكم في حقهم قد تَأجل إلى يوم 18 أغسطس/أوت 2020 بعد أن كان مقررا يوم 07 من نفس الشهر. ثم خرج نصر الله مساء يوم الجمعة ليلقي خطابه، مشيرا إلى أنه لم يكن يريد الرد على الاتهامات الموجهة إلى تنظيمه، مؤكدا أنه لا علاقة لحزب الله بما حصل، وداعيا إلى تأجيل الصراع السياسي في الوقت الراهن ومحاسبة المسؤولين دون تمييز على أساس الطائفة والمذهب.
تحليل خطاب حسن نصر الله يقود إلى تفسير مبدئي يتمثل في أنه بالفعل لا علاقة للتنظيم بحادثة انفجار مرفأ بيروت، وأن توجيه أصابع الاتهام نحوه يأتي استكمالا لحالة الاستقطاب السياسي في الداخل من جهة، كما يمكن لإسرائيل أن تستغله على أكمل وجه في ضرب ما بقي من مصداقية للتنظيم الذي يُصنف كتنظيم إرهابي بالمنظور الأمريكي والإسرائيلي. لذلك فإن خروج حسن نصر الله لينفي نفيا قاطعا علاقة الحزب بالحادثة هو محاولة لاحتواء المعارضين له في الداخل وإقليميا، والظهور مرة أخرى بمظهر المقاومة وليس الإرهاب.
حادث الانفجار تبعته موجه من الاحتجاجات العنيفة في العاصمة بيروت، بالتزامن مع ارتفاع عدد ضحايا الانفجار وعدد المصابين، وقد سيطر متظاهرون على مقر وزارة الخارجية رافعين شعارات ضد الحكومة، كما سقط عشرات المصابين منهم. كل هذا يجعل الباحث يتساءل حول السيناريوهات المطروحة التي يواجهها الوضع السياسي والأمني بلبنان، فهل ستستمر حالة الاستقطاب السياسي في الداخل، مقابل ارتفاع شدة الاحتجاجات؟ أم أن الحكومة ستقتنع بالتنحّي فورا لأنها تسير بالبلاد نحو مستنقع أسوأ؟.
يمكن تلخيص أهم تداعيات انفجار مرفأ بيروت على الصعيد الداخلي كما يلي:
– على الصعيد السياسي: كما سبقت الإشارة إليه، قد تكون الحادثة عاملا فاصلا في مسألة بقاء الحكومة من عدمه، وهي التي لا تحظى بثقة اللبنانيين باعتبارها فاسدة وفاشلة في التعاطي مع الأزمات الداخلية. هذا بالإضافة إلى تنامي الغضب تجاه تنظيم حزب الله إذا افترضنا أنه حقا متورط في الحادثة، أو يراد له أن يبرز كمتورط فعلي للتغطية على الإهمال الحكومي.
– على الصعيد الاقتصادي والمالي: يتحكم مرفأ بيروت في ما يقارب 70 بالمائة من عمليات التصدير والاستيراد، إلى جانب احتوائه على كميات كبيرة جدا من مخزون القمح تم تدميرها، مما يجعل الدولة تواجه أزمة غذاء حقيقية خاصة من حيث الاستهلاك المحلي للحبوب، فضلا عن حالة الاقتصاد المتردية منذ أشهر والتي يزيدها انهيارا انفجار أكبر مرفأ في البلاد.
– على الصعيد الاجتماعي والصحي: إلى جانب تداعيات أزمة كورونا (كوفيد-19) على الاستقرار النفسي والاجتماعي للفرد اللبناني، تسبّب الانفجار مساء الثلاثاء في حالة من الهلع والذعر والضغط على مصلحة الاستعجالات الطبية بمستشفى بيروت وغيره، خاصة مع ارتفاع عدد المصابين الذي تجاوز 5000 شخص، وهو ما أثر من ناحية الإسعاف والرعاية. وبالإضافة إلى تداعيات الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد، ستزيد موجة الاحتجاجات لتكون أكثر قوة وعنفا في ظل تعنُّت الحكومة ورفض التنحّي.
– على الصعيد الأمني: سواءٌ كان انفجارا أو تفجيرا مفتعَلا، يبقى المشهد الأمني في لبنان مضطربا، متفاعلا ومتأثرا بما يجري في جواره، خاصة وأن أصابع الاتهام اتجهت في البداية نحو إسرائيل ثم حزب الله. وتبقى تداعيات الحادثة على الصعيد الأمني مرتبطة بنتائج التحقيق من جهة، وبمدى إمكانية استغلالها لدى الجانب الإسرائيلي المستفيد دوما من حالة الفوضى الأمنية في الشرق الأوسط.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.