مقالات

ميشيل دي مونتاني … البحث عن قيمة الحياة

ميشيل دي مونتاني … البحث عن قيمة الحياة

علي حسين

مونتاني : أهذا أنت، سقراط المقدس؟ ما أسعدني بلقائك لقد جئت لفوري إلى هذا المكان، ومنذ تلك اللحظة كنت أبحث عنك. وأخيراً وبعد أن ملأت كتابي باسمك وبامتداحك وبالثناء عليك، أستطيع أن أتحدث إليك.

سقراط: أني سعيد أن أرى إنساناً ميتاً يبدو أنه كان فيلسوفاً، ولكن حيث إنك جئت من هناك أخيراً… دعني أسألك عن الأخبار كيف حال الدنيا؟ ألم تتغير كثيراً؟ .

مونتاني : حقاً تغيرت كثيراً. قد لا تعرفها.

سقراط: كم ابتهج بسماع هذا. أنا لم أشك قط في أنها ستصبح أحسن أو أعقل مما كانت في زماني.

مونتاني: ماذا تقول؟ إنها أشد خبلاً وفساداً من أي وقت مضى. وهذا هو التغيير الذي أردت أن أناقشه معك. وكنت مترقباً أن أسمع منك أبياتاً عن العصر الذي عشت فيه، والذي ساده كثير من الأمانة والعدل.
سقراط : وأنا، على العكس، كنت أنتظر لأعرف منك عجائب العصر الذي عشت فيه منذ أمد قصير. ماذا؟ ألم يصلح الناس من الأخطاء والحماقات القديمة؟ ، كنت أؤمل أن تتجه الأمور نحو العقل، وأن يستفيد الناس من خبرة السنين الطوال.
مونتاني : ماذا تقول ؟ يستفيد الناس من الخبرة ؟ إنهم مثل الطيور التي كثيراً ما تركت نفسها نهيباً للشراك التي وقع فيها بالفعل مئات الآلاف من نفس النوع. إن كل فرد يدخل جديداً إلى الحياة، وتقع أخطاء الآباء على الأبناء، وللناس على مر القرون نفس الميول والنعات التي لا سيطرة للعقل عليها. ومن فإنه حيثما وجد الناس وجدت الحماقات والأخطاء، بل هي هي نفسها .
سقراط: إنك أضفيت مثالية على العصور القديمة لأنك غاضب على عصرك…. إننا في حياتنا كنا نقدر أسلافنا أكثر مما كانوا يستحقون. والآن يمجدنا أعقابنا فوق ما نستحق. ولكن أسلافنا وأنفسنا وذريتنا كلهم سواء.
مونتاني : ولكن أليست هناك أزمان أفضل وأزمان أسوأ؟.
سقراط: ليس هذا بالضرورة. فالملابس تتغير، ولكن هذا لا يعني أن شكل الجسم يتغير كذلك. فالتهذيب والفظاظة والمعرفة والجهل ، ليست إلا خارج الإنسان، وهي التي تتغير، ولكن القلب لا يتغير بأية حال، وكل الإنسان هو في القلب، وبين الجمهور الغفير من الناس الذين يولدون على مدى مئة من السنين، تنثر الطبيعة هنا وهناك نفراً قليلاً لا يتجاوز عددهم ثلاثين أو أربعين. ممن يتمتعون بعقول راجحة .
هذا اللقاء المتخيل بين الفيلسوف اليوناني سقراط الذي عاش في العام 400 قبل الميلاد ، والكاتب الفرنسي ميشيل دي مونتاني الذي عاش في القرن السادس عشر ، قد جاء في كتاب مثير للجدل صدر عام 1683 بعنوان ” محاورات الموتى ” كتبه رجلٌ اسمه ” برنارد فونتنيل ” كان من المؤمنين بالتقدم العلمي ، والعشاق لمبادئ ديكارت ، لكنه عاش حياته دون أن يتبع أي مفكر سوى إيمانه بأن ديكارت له الفضل الأول على عصر التنوير :” إن الرجل العظيم يملي أحياناً اتجاه العصر ، ويصح هذا عن ديكارت الذي يستطيع الافتخار بوضعه فلسفة وضعت العقل في مكانه الحقيقي ” .
ولد برنارد فونتنيل في الخامس والعشرين من أيار عام 1657 لأب كان محاميا بارزاً ، ولأم تعشق الرسم ، خشيت والدته ان يموت قبل ان ينقضي عليه اليوم الاول لولادته ، فارسلت في طاب القسيس ليعمده ، لكنه خيب ظنون الجميع وعاش مئة عام ألا شهر ، يعاني من الهزال والضعف طوال حياته ، تاثر بخاله المسرحي المعروف ” بيير كورني ” ، حيث حلم ان يصبح مثلم مؤلفا مسرحيا ، ثم جرب حظه مع الشعر ، فكتب عدداً من القصائد وصفتها والدته بأنها هزيلة مثل جسده ، نصحه والده أن يتخذ من المحاماة مهنة ، لكنه فشل في ممارستها بعد حصولة على شهادة في القانون ، وجد في كتب ديكارت ملاذه : ” كأن نوراً انبثق داخل روحي ” ، يكتب أرنست كاسيير أن فونتنيل كان أول من احتفل بموضوع عصر التنوير” ، حيث أيقن إن الرياضيات هي ” مفخرة العقل الإنساني ” ، في أول كتبه ” حوارات الموتى ” أصر على مناقشة الصراع بين القديم والحديث ، وقد شارك فونتنيل الذي عاش في عصر فولتير وديدرو وروسو في تنمية الشك بصدد الحقائق الدينية ، حيث نشر كتابه الاول وهو في سن الثالثة والعشرين وكان بعنوان ” أصل الحكايات الخرافية ” وفي هذا الكتاب يرفض الرأي القائل بان الأساطير والخرافات ترجع لا الى العقل ، وإنما الى عبث القوة التخيلية ، فالأساطير اليونانية مثلا نشأت من الرغبة في تفسير الظواهر ، وكانت من إبداع العقل ، حتى وإن كان للخيال دور في تطويرها . إن ذهن الإنسان في العصور القديمة لم يكن مختلفاً جوهرياً عن ذهن الإنسان ، فكل من الإنسان البدائي والحديث يحاول أن يفسر الظواهر ليرد المجهول الى المعلوم . والفرق بينهما إن المعرفة الايجابية في الزمن الماضي كانت ضئيلة ، وكان العقل مجبراً على اللجوء الى التفسيرات الأسطورية ، بينما العالم الحديث نمت فيه المعرفة الإيجابية الى حد أصبح التفسير العلمي يحل محل التفسير الأسطوري يكتب فونتنيل :” لم يكن هناك سبب مقنع للقول بأن الخرافات كانت تعزى الى نشاط الجن ، أو أن العرافات أخرست عن الكلام بمجيء المسيح ، لايمكن القول إن هذه النقاط موضع الجدال لها أهمية كبيرة ، فهي يعوزها أي أساس تاريخي ” ، وهكذا فالله عند فونتنيل ليس إله أي دين تاريخي ، لكنه إله الطبيعة الذي يتجلى في التصور العلمي للعالم
كان فونتنيل أول من صاغ فكرة تقدم المعرفة كمذهب كامل ، وأول من نادى بفكرة تقريب العلم للناس ، وكان من نتائج تغلغل هذه الفكرة وانتشارها في عقول عامة الناس وتحولها الى قوة حية في المجتمعات المتحضرة ، أن تحقق إدراك معنى العلم وقيمته ، وانتشار منجزات العلم التي ساعدت على جذب انتباه الناس الى فكرة التقدم ، وقد استطاع فونتنيل الذي كتب رسالة عن نيوتن ، أن يبسط في كتابه ” العوالم وكثرتها ” ، علم الفلك ، حيث يقوم أحد العلماء بشرح علم الفلك الجديد الى سيّده في حديقة منزل ريفي ، ويعد مؤرخو الفلسفة كتاب فونتنيل هذا ، أول كتاب يُعرف عامة الناس بالعلم ، حيث لعب دوراً كبيراً في تسرّب أخبار المكتشفات العلمية البارزة الى خارج الدوائر الاكاديمية ، فكان العلم موضع أحاديث الصالونات ، ودرست السيدات للمرة الأولى الميكانيكيا وعلم التشريح ، الأمر الذي أثار حفيظة الكاتب المسرحي موليير فكتب مسرحية ” النساء العالمات ” والتي قدمت على المسرح عام 1672 … لقد كان كتاب فونتنيل ” العوالم وكثرتها ” شيئاً عظيماً إذ للمرة الأولى يشرح بتعاطف ثورة الكونيات التي ارتبطت باسماء كوبرنيكوس وغاليلو وكبلرونيوتن ، وساهم في تنمية خيال القراء يكتب فونتنيل :” هذا هو العالم ، إنه كبير للغاية مما جعلني أتوه فيه ، فلم أعد قادراً على معرفة أين أنا ، واصبحت شيئاً لايزيد عن لا شيء ، فالأرض صغيرة بدرجة مفزعة ” .
في عام 1571، اعتزل المفكر والفيلسوف الفرنسي ميشال دي مونتاني، الناس والحياة العامة والنشاط السياسي ملتجئاً الى مكتبته، كان آنذاك في الثامنة والثلاثين من عمره، هناك راح يقرأ ويفكر:”ليس ثمة أجمل من القراءة والتفكير، لزيادة معرفتنا، وانتشال أرواحنا من الظلمة”.
كان مونتاني يعيش في الريف الفرنسي في بيت أشبه بالقلعة اشتراه جده من عمله في تجارة الاسماك ، في هذا البيت فتح عينيه على مكتبة كبيرة تضم أكثر من ألف مجلد في الفلسفة والشعر والتاريخ، هناك قرر ” الاستمتاع بالحياة ” وليكتب مقالاته التي تفرغ لها طوال حياته لتصدر بعدة اجزاء وبعنوان ” المقالات ” ، أصبح واحداً من المؤلفات الأساسية في الفكر الإنساني ، وجد فيه معظم فلاسفة القرن العشرين، كتاباً بالغ الأهمية عن حرية الإنسان، حيث نجد مونتاني يتنقل بين موضوعات الحرية والسعادة والصداقة والحب والعدالة والحرب والسلم والتسامح والتربية وفلسفة الطبيعة، ليثبت أن الإنسان حر على رغم كل شيء ، فهو يقرر أن الشرط الأساس للحصول على السعادة هو الشك الشامل بالأشياء المحيطة بنا ، فاذا اتبع الإنسان ذلك المبدأ وحرّر نفسه من كل المقولات الجاهزة استطاع أن يستمتع بحياته ، يكتب برتراند رسل :” بينما كانت فرنسا يمزقها صراع ديني واجتماعي ظهر رجل يتمتع مقدماً ، في قراره نفسه بالسلام ، وقدّم لمواطنيه الذين شغلهم الحماس الجنوني للسياسة ، نصائح تدلهم على طريق الحقيقة وأين تكمن السعادة ، وكيف يضعون العقل في مكانه الصحيح ” .
ولد ميشيل دي مونتاني سنة 1533 في مقاطعة شمالي فرنسا على أرض اشتراها جده ، وهكذا ولد أبوه ثرياً فعمل في الجيش وتدرّج في الرتب حتى أصبح عمدة لمدينة بوردو ، وقد عمل مونتاني في بداية حياته عضواً في المحكمة التابعة للبرلمان ، لكنه بعد مدة قصيرة ترك هذه المهنة وتفرع للقراءة فقط ، وبعد وفاة والده ورث ثروة كبيرة جعلته يعتزل العالم ويعيش في قصره ، يقرأ ، ويعلق على ما قرأه ، متطرقاً الى معظم أوجه المعرفة ، يكتب :” إن أعظم ما في العالم أن يكون المرء لنفسه ” ، وقد تجمعت له من مقالاته اكثر من كتاب حيث نشر عام 1580 كتاب ” المقالات ” بجزئين ثم أضاف لهما جزءاً ثالثاً عام 1588 ، وكان يعمل على تنمية هذه الكتب بالكثير من المقالات الى أن توفّي عام 1592 متاثراً بمرض في المثانة ، وقد اختار مونتاني عنوان ” المقالات ” لكتابه لأنه قرر من خلال مقالاته اليومية تقديم صوراً حية عن الحياة ، كان فيها حريصاً على أن لايترك شأناً من الشؤون دون أن يبحثه . في الفصل الأول من الكتاب والذي اسماه ” الفراغ ” يحدثنا مونتاني عن الغاية من هذه المقالات ، وفي فصول أخرى كثيرة نجده يركز على مفهوم التربية ، وخصوصا تربية الأطفال وهو الفصل الذي أثار اهتمام جان جاك روسو فيما بعد في كتابه الشهير ” إميل أو التربية ” الذي صدر عام 1762، ، وقد صاغ روسو أفكار كتابه هذا على نمط مونتاني ورؤيته التربوية القائمة على فكرة صلاح الفرد وفساد المجتمع ، فالفرد يولد بفطرة طيبة نقية وطاهرة، لكن بيد المجتمع إفسادها أو حمايتها، فالشر الذي يحدثه الإنسان ليس أصيلاً فيه. يكتب جان جاك روسو في عبارة مشهورة استهلَّ بها كتابه: ” كل شيء يخرج من يـد الخالق صالحاً، وما إن تلمسه يـد الإنسان، يصيبه الاضمحلال ” .ومثل مونتاني يؤمن روسو أن الإنسان يولد طيباً في طبيعته، لكن ظروف المجتمع هي التي، تمارس أثرها السيئ عليه، ما يفقده بالتدريج طيبته.،
ومثلما يبدو روسو ثورياً في كتابه ” أميل” ، حين يؤكد أن الإنسان الذي لا يكون شيئاً عند ولادته ، سيصبح ذات يوم كل شيء . نجد عند مونتاني إن تطوّر الفرد يعكس إذاً تاريخ نسله ، ومع هذا الفرق نجد أمام كل طفل إمكانية مستقلة ، فليس الطفل بالنسبة لروسو امونتاني مثلما سيكون لروسو من بعد ، إلا أحاسيس ، ثم عقلاً حسياً ، ومن ثم يغدو ” عقلاً عقلانياً ” وأخيراً ضميراً أخلاقياً ، فكيف نساعد الطفل لئلا يبعثر حظه في تطوير ملكاته العقلية ، نجد الإجابة عند مونتاني في كتابه ” المقالات ” أن هدف التربية أو التعليم هو تكوين الحكم على الأشياء :” رأس جيد التكوين ، لا رأس جيد الشحن ” ، ولهذا يؤكد مونتاني إن الطفل يستطيع أن ينمو نمواً صحياً وعقلياً من دون عنف أو قسر ، وهو يكتب : ياللجهل وقلة الاستطلاع من وسادة ناعمة يستريح فوقها من لايفهم معنى التربية ”
كان روسو يعلق أهمية كبيرة على كتاب ” المقالات ” وكتب الى ديدرو ، إن كتاب مونتاني يجب أن :” يكون حجر الزاوية في ما نريد أن نطرحه من أفكار جديدة ، لأننا سنجد في مؤلفاته نواحي الإصلاح التي يجب إدخالها على المجتمع ” ، وقد كان روسو يدرك مثل مونتاني إن أحداً لا يستطيع أن يشرع في إصلاح الدنيا من دون أن يسعى الى إصلاح التربية وقد حرّص روسو أن يوضح لقرائه ، كيف إن الأفكار الواردة في أميل مكملة لمبادئ مونتاني ومتماشية مع أفكاره .
يقدم لنا مونتاني فلسفة غايتها إشاعة السلام والطمأنينة ، فالحياة خير إذا جُردت من كل ضروب الاصطناع التي يفرضها الإنسان :” إذ أن من الكمال المطلق أن يعرف الإنسان كيف يتمتع بكيانه استمتاعاً نزيهاً عن الوسائل التي تحقق هذا الاستمتاع النزيه ” ولهذا نجد إن دعوة مونتاني لممارسة ” فن الحياة ” ، تنحصر في الرجوع الى الطبيعة ، ولهذا ينبغي التماس الحقيقة في الشعور بالنفس ، لا في الأفكار البعيدة عنا ، ولا في ما هو غريب عنا ومن شأنه أن يفسدنا ، والناس ملاقون في نفوسهم ذاتها كل ما يحتاجون إليه من أجل الحياة .أن حياتنا في داخل ذواتنا ، ومن ذواتنا ينبغي أن نستمد المعارف الضرورية للوصول بها الى الخير ، وكل ما عدا ذلك فهو غريب عنا ..ولهذا يجد مونتاني أن هدف التعليم أو التربية كما جاءت فيما بعد عند جان جاك روسو ينحصر أولاً في تكوين الحكم الصائب على الأشياء ، أي تكوين عقل يتجه الى الحقيقة وضمير يتجه الى الخير :” ينبغي للكتب والمحادثات والرحلات والدراسات وضروب اللعب أن تتجه كلها الى هذا الاتجاه – تكوين عقل يتجه الى الحقيقة – ، ويجب علينا رياضة الجسم والعقل في آن واحد ” ، أن تكون للإنسان قيمة أولية ، وأن يكون هو غايتنا الرئيسة ، وأن يكون لدينا شغف بالعمل لخير الإنسانية ، تلك هي خلاصة أفكار مونتاني ، والتي شكلت القاعدة الرئيسة لمعظم أفكار جان جاك روسو وعدد كبير من فلاسفة التنوير الذين ظهروا قبل وأثناء الثورة الفرنسية .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.