سياسة مختارات مقالات

حسن نصر الله يرد على مطلقي النار عليه

كتبت هبة داودي:

وجه الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله، عددا من الرسائل في خطابه المتلفز، والذي كان مقتضبا مقارنة بخطاباته المعتادة، وأتى في أعقاب تموجات سياسية، وجدل واسع، بعد الانفجار الضخم الذي لحق بمرفئ بيروت، وأدى الى خسائر مادية وبشرية معتبرة، وارتدادات سيظل لبنان يعرفها لأشهر عديدة مقبلة.

ولم يتأخر رد فعل حزب الله، كما كان متوقعا، في مسعى الى توضيح العديد من النقاط المثارة، وكذا لتبرئة النفس من الإتهامات التي سارعت بعض وسائل الاعلام المحلية والدولية، وكذا بعض الأطراف السياسية إلى توجيهها صوبه، خاصة في ظل المؤثرات والضغوط التي يواجهها، سواء على مستوى الداخل اللبناني أو الاقليمي وحتى الدولي.

وتدرك قيادة الحزب اللبناني الموصوف بأنه ذرع من أذرع إيران في لبنان، سواء على أن حادث انفجار مرفأ بيروت سيدفع قوى عديدة الى اطلاق النار عليه، بصورة مباشرة أو ضمنية أو توظيفه مجددا لتحميله المسؤولية بشكل أو بآخر، وعلى هذا الأساس، فإن حسن نصر الله حدد نقاطا عديدة ،من خلال اطلالته الجديدة على اللبنانيين، انطلقت من التأكيد على أن حادث الانفجار، الذي وصفه بالفاجعة، عابر للطوائف والمناطق، مع الإشارة الى أن بيروت تحتضن كل اللبنانيين، وأهل بيروت يختصرون كل اللبنانيين، ومن هنا يتضح أن أمين عام “حزب الله” كان يريد الاشارة الى أن الضحايا أو المستغلين للمرافق الخاصة بالميناء، ليسوا من طائفة معينة، فمن المعلوم أن اللجنة المسيرة لمرفأ بيروت قريبة من التيار الوطني الحر للرئيس اللبناني ميشال عون، والذي يترأسه باسيل جبران، ورغم أن هذا الأخير قريب من “حزب الله”، الا أن ممثل المسيحيين الموارنة ليس بالضرورة مرتبطا ارتباطا عضويا بـ “حزب الله”، وإن اشتركا في حكومة رئيس الوزراء حسان دياب، كما أنه سجل من بين ضحايا انفجار بيروت أمين عام حزب “الكتائب اللبنانية” نزار نجاريان، مع العلم أن منطقة ميناء بيروت معروفة بكون موقع الجغرافي والسياسي مختلف عن المرافق الأخرى، مثل مطار بيروت القريب من الضاحية الجنوبية لبيروت معقل الشيعة، والذي يقع على تخوم مناطق سنية ومسيحية.

نفى حسن نصر الله، في خطابه أيضا، وجود صواريخ أو مواد في مخازن بالمرفأ، حيث سعى من خلال ذلك الى الرد على اتهامات وجهت لـ “حزب الله” باستغلاله لتهريب السلاح الى حد جعل الكيان المحتل يقول إن “ميناء بيروت أصبح ميناء حزب الله”، في إشارة إلى أن الحزب بسط هيمنته على كل مفاصل الحياة في لبنان، ومن الواضح أن مسألة السلاح هي من بين أكثر النقاط حساسية، والتي اثارت الكثير من الجدل، ووظفت سياسيا، لذا فإن مسألة هيمنة حزب الله على الميناء، وقضية استخدامه نقطة ارتكاز لتهريب السلاح، وتخزينه، كانت من النقاط التي تم التركيز عليها، إذ اشار نصر الله إلى أن التحقيقات “ستؤكد موقفنا بعدم وجود أي مواد لنا في المرفأ… وما جرى هو تضليل ظالم”، كما فند ما اعتبره مزاعم أن “حزب الله “يدير المرفأ، ليوجه ردا ضمنيا الى الكيان المحتل حينما قال “قد نكون على علم بما هو موجود في مرفأ حيفا، ولكن ليس في مرفأ بيروت”.

كما أتى في الخطاب إشارة الى انتقاد النخب السياسية اللبنانية، مع التأكيد على وجود مساعي لتوظيف سياسي للحادث، حيث أن هناك ادراك لتحميل الحكومة المحسوبة على “حزب الله” وحلفائه، المسؤولية وزيادة الضغط عليها، وقد شكلت استقالة وزير الخارجية ناصيف حتي، يوما قبل الانفجار، والانتقادات المتكررة لأداء الحكومة بخصوص ملفات الأزمة المالية والنقدية ومشكل النفايات والطاقة والكهرباء عوامل ضغط متعددة، حيث اشار حسن نصر الله الى وجود استغلال سياسي للانفجار، مشددا “نحن مصرون على أن اللحظة الحالية ليست لحظة محاسبات سياسية وحزبية”.

وقد جاءت هذه الملاحظات في وقت بدأت فيه ملامح تحرك سياسي، على خلفية اعلان النائب مروان حمادة عن الحزب التقدمي الاشتراكي لجنبلاط استقالته، فاتحا الباب امام سيناريو استقالات أخرى، ناهيك عن انتقادات سمير جعجع قيادي حزب الكتائب اللبنانية لما يصفه “حكومة حزب الله “، وكذا تأكيده على ان “طرفا ما” قام بتخزين المواد المتفجرة، فضلا عن الدعوة إلى تحقيق دولي عن أسباب الانفجار، وهو ما يبدي بشأنه “حزب الله” مخاوف عدة، لكون سيقود الى وصاية جديدة، ادارة و تسيير دولي للميناء، بل وهو ما يرفضه أيضا الرئيس ميشال عون، ويعتبره مضيعة للحقيقة.

ووجه الخطاب المقتضب، رسائل باتجاه الخارج، سواء عبر تثمين المساعدات ومواقف الدعم أو بالإشارة إلى السلوك الفرنسي بطريقة غير مباشرة، فـ “حزب الله” المستهدف بضغوط متعددة، بداية بالامريكية التي تصنفه تنظيما إرهابيا، ثم من اطراف اوروبية على غرار ألمانيا، وأخرى اقليمية كالعربية السعودية، وجد سندا خلال زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، الذي اكد على الاصلاح السياسي وحوار الاقطاب السياسية ومحاربة الفساد، حيث قام ماكرون باجتماع في قصر الصنوبر مع الأطراف اللبنانية، والتقى رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، محمد رعد، وهي الجناح السياسي لـ “حزب الله” في مجلس النواب اللبناني، في إشارة سياسية من قبل الرئيس الفرنسي.

وكانت باريس قد رفضت في وقت سابق وضع “حزب الله” على لائحة الإرهاب، ومن الواضح أن فرنسا التي تأمل في تعويض ما خسرته في العراق، ثم في سوريا، وهي تعي جيدا وزن وثقل “حزب الله” في المشهد السياسي والمعادلة اللبنانية وأن تحييده سيكون صعبا جدا، بل ويكاد يكون مستحيلا.

كما اعتمد خطاب حسن نصر الله نقطة الاجماع في لبنان، المتمثلة في المؤسسة العسكرية أو الجيش، من خلال التأكيد على إسناد التحقيق للجهة التي يثق بها جل اللبنانيين، تفاديا لأية تأويلات، حيث اقترح أمين عام “حزب الله” أن يتولى الجيش الذي ينظر إليه في لبنان كمؤسسة مستقلة، قائلا “إذا كانت مؤسسة الجيش موثوقة لدى كل اللبنانيين والقوى السياسية اللبنانية والزعامات السياسية، تفضلوا وكلفوا الجيش اللبناني طالما تقولون إنكم تثقون به… ليحقق الجيش ويعلن النتائج”.

ومع ذلك، فإن المقاربة للجيش اللبناني تضعه تحت نفوذ المسيحيين الموارنة، والمقربين من “حزب الله” فقائد الجيش اللبناني هو جوزيف عون منذ 2017، وتكون في الكليات العسكرية السورية، فيما تعد وزيرة الدفاع اللبنانية زينة عكر من المسيحيين الارثوذوكس، ورئيس الجمهورية ميشال عون، فيما يعد العميد الركن أنطوان سليمان منصور مديرا مخابرات الجيش من المسيحيين الموارنة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.