عروض كتب فكر مختارات مقالات

مراجعة في كتاب: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان 

المؤلف: الدكتور عبد الوهاب المسيري
عدد الصفحات:244

بقلم/ وفاء بونيف

إذا كان اكتشاف الشَّر في النفس البشرية قد قادني بعيدا عن الإيمان فإن اكتشاف الخير فيها قد عاد بي إلى عالم الإنسانية والإيمان هكذا فبدلا من الوصول إلى الإنسان من خلال لله،وصلت إلى الله من خلال الإنسان …عبد الوهاب المسيري.
الإنسانُ هو النقطة الّتي ينطلق منها المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري دائما وهو النقطة الّتي يعود إليها ،ولكن الإنسان الّذي اهتمت به الاتجاهات الفلسفية الحديثة ذات المنبت الغربي ليس هو الإنسان الذي دافع عنه المسيري؛فبعد فشل الكنيسة في تنظيم حياة الفرد الغربي،تبَّنت النخب فكرة توجيه دفة البشرية في تيار مادي بعيدا عن كل ما يمُّت للدين بصلة ومن هنا ظهرت فكرة الفلسفة المادية التي تفسر ظاهرة الإنسان باعتباره كائنا ماديا يتشارك مع بقية المخلوقات في بعض الصفات،يخضع لقوانين الطبيعة وضرورات الحياة وتسري عليه الحتميات التي تسري على غيره من الكائنات كالحاجة إلى الأكل والشراب،وعلى هذا الأساس تطرح الفلسفة المادية مفهوم الإنسانية الواحدة،رغم أن الفكر الهيوماني ذو المرجعية المتجاوزة داخل الإطار المادي والّذي دعا إلى تمركز الإنسان حول ذاته،إلاَّ أنَّه يبقى جزءا لا يتجزأ من الطبيعة و مساو لغيره من المخلوقات ممن يشاركونه وجوده المادي وهذا ما نسميه بالتسوية.تعددت آليات الفلسفة المادية في مختلف المدارس الغربية،والهدف واحد هو عزل الإنسان وجعله بين جدران صامتة، فالرأسماليين اعتمدوا على رأس المال،والعمالة للماركسيين، وكان للنظرية الداروينية الأثّر الأعمق في شتى مجالات الحياة؛ فقد دعت إلى تعميم قوانين العلوم الطبيعية لتكون أيضا سارية على العلوم الإنسانية؛ منطلقة من فرضية أنَّ قوانين التاريخ والمجتمع الإنساني تشبه قوانين الطبيعة ،وقد درس داروين تاريخ الكائنات من الجانب البيولوجي ،وحسب ما توصل إليه أنَّ أصل الكائنات واحد” الأميبي” أو كائن وحيد الخلية،تتفرع منه سلالات وكائنات وفق حلقات خالية من أي ثغرة، لتبدأ صراعها الدموي من أجل البقاء؛ وطبعا يكون الانتصار فيها للأقوى، فيتم توريث تلك الصفات إلى أجيال تستمر في التطور ومصارعة الكائنات التي أثبتت أن مقدرتها على البقاء غير مرتفعة لذا فهي تستحق الفناء،وتستمر الأخرى القوية في التطور ولو كان التطور طفيفا غير ملحوظ.
من هنا بدأت الإنسانية تعيش فرضيات جديدة،وبدأت بوضع قوانين جديدة،وشرعت في صياغة نتائجها بطرق علمية دقيقة كمية،ورفعت شعار وحدة العلوم ووجوب إدخال كل شيء (وهنا لم يُستثنى الإنسان لأنَّه تم تشييئه) في شبكية السَّببية المطلقة،فلا بد من إخضاع كل شيء للتجريب وبهذا يبدأ تأسيس علوم مجتمعية طبيعية أو إنسانية تستبعد الجوهر الإنساني ومفهوم الطبيعة البشرية ذات الثنائية.
الدول الغربية الّتي وعلى مرِّ العصور من عصر النهضة إلى الحداثة ،كانت ترتقي سلم الامبريالية العلمانية الشاملة ،فكانت  ومازلت تسعى للوصول إلى لحظة الصفر العلمانية ؛الّتي تلغي المرجعية ويبقى الثابت الوحيد بالنسبة لها هو النسبي المتغير أي There is no stability except for the laws of change،فعندما تبني انجلترا قيمها نسبة إلى عبئ الرجل الأبيض،وعندما تستنفر فرنسا لابتلاع خيرات القارتين الإفريقية والآسيوية تحت مسمى المهمة الحضارية، وعندما تُرَّوج أمريكا  ل لا أخلاق تحت بند القدر المحتوم، وعندما تحث الآلة الهتلرية الخطى نحو نهاية التاريخ بماديتها اللاعقلانية في كل بقاع الأرض؛ لتُحكِم قبضتها على كل شيء،توحد القوانين وتستعمل الإنسان وتوظفه. فتثبت بذلك تفوق الذات العضوية الغربية القومية وتحقق الفردوس الأرضي الّذي يشهر في وجه العالم جحيم ”’conflict، power   ،adaptation”’.
وبالتالي لا مهرب من تلميع نظريتهم العالمية الّتي تقوم عليها العولمة وهي :The whole living man dies to be replaced by an economic imperialist, because it does not contain the integral human essence within him
ورغم أن هناك الكثيرين ممن نادَّوا بضرورة ردِّ الاعتبار للقيِّم والتأكيد على الأُطر الأخلاقية في عصر ما بعد الحداثة،إلاَّ أنَّ غياب الرؤية المطلقة في الثقافة الغربية، جعل القيَّم مرتعا لأطروحات لم تستطع الوقوف على أساس صلب، ولم تستطع إخراج الإنسان من أزماته،بل على العكس فقد أغرقته في وحل صدام جديد يسمى بصدام الحضارات؛ والّتي قال عنها صمويل هنتجتون أنَّه الخطر الأكثر تهديدا للسَّلام العالمي،ولكنه الضامن الوحيد والأكيد ضد حرب عالمية.
أي إنَّ الحضارة الغربية بمدارسها وفلسفاتها ترى أن الصراع باقٍ مادمت البشرية باقية،ولا يمكن لها أن تتقدم دون خططهم الّتي تنادي بالمساواة وتحقيق الرفاهية، وتبطن في جوهرها الهدف الحقيقي وهو توظيف كل إمكانيات الدول الأخرى لصالحها.ألم تقع الحضارة الغربية في ثنائية المبدأ الحقيقي والأداة المستعملة،هل استطاعوا أن يتخلصوا من الثنائية وهم مازالوا يتعاملون بظاهر مقدَّس (المادية)وباطن شيطاني (الجوهر)؟؟؟؟؟؟
ألم يئن للحضارة الإسلامية أن تجد لها سبيلا وطريقا لنجاة البشرية من أزماتها؟ألن نتحرك لنوظف جميع إمكانيتنا وقدُّرتنا ونُطلق العنان لإنسانيتنا لنكون قِبلة الأنظار في معمورةٍ أفسدها الماديُّون؟؟؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.