سياسة مختارات مقالات

ما تفكرون به أضغاث أحلام

 

بقلم/ غالب المقدم

مازالت السماء ملبدة بسحب الدخان المنذرة بقدوم فصل جديد من نزيف الدم، ومزيد من الدمار والخراب والرعب إذا لم تقم الأمة بأسرها بالتصدي لمشاريع الموت القادمة من غياهب مدن الظلام والموت: أمريكا وإسرائيل.
وما حدث في العاصمة اللبنانية بيروت، من تفجير لمرفئها، ليس إلا تدشيناً للمرحلة وتنفيذاً لمخططات الإرهاب التي تحمل الموت دون تفريق بين الأجناس والأعراق والطوائف.. كما أنهم يحاولون بها إرعاب الأمة حتي تستسلم لهم، محكمين عليها قبضتهم.. أو مواصلة لقديم جديد، وهذا ما توضحه الشواهد التي طرأت في الآونة الأخيرة على المشهد اللبناني، من توتر قائم بين حزب الله والعدو الصهيوني، وما نتج عنه من حالة قلق هستيري أصابت العدو الإسرائيلي، كدليل واضح يعري الموقف الإسرائيلي الذي أصبح غير قادر على مواجهة محور المقاومة بالسلاح المتمثل بحزب الله الذي أصبح رقماً صعباً يهدد أمن إسرائيل ومستقبلها، وما أرادته إدارة الحرب الإسرائيلية الآن، هو تسديد ضربة لإخضاع لبنان كله، وليس حزب الله وحده، للوصاية الدولية التي تقودها أمريكا وإسرائيل، وإن افتعال المشهد الأخير بالتفجير، ليس بالحدث الجديد، وإنما للفت أنظار المستعمرين القدامى، وحرف مسار الصراع، وحشر قوى أخرى بنفس الموقف كفرنسا وغيرها، وما هذا الهجوم الذي دمر المرفأ إلا برهان واضح لما صرح به وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي قال قبل أسبوع بتهديد صريح مفادهُ: سندمر لبنان إذا تم الرد من قبل حزب الله. وهذا يضعنا أمام عدة أبعاد:
البعد الأول: يريدون إيجاد حجة للدخول إلى لبنان من أجل استهداف حزب الله من الداخل، بالضغط الشعبي عليه، وخلق نفسية رافضة لسلاح المقاومة من خلال أدواتهم، ومن الخارج من خلال الرأي الدولي، وهو ما جسده موقف الرئيس الفرنسي بتصريحه بأنه لن يدعم الحكومة ولا حزب الله، وإنما الشعب. كما أن موقفه الآخر الذي تصرف فيه كأنه الوصي على هذا الشعب، بما قام به من دور غير معتاد، وبعيداً عن الأطر الدبلوماسية، إلى جانب ذلك اتهامات المندوب الإسرائيلي في مجلس الأمن لحزب الله دليل يؤكد أن إسرائيل من قامت بهذا العمل الإجرامي، وتخشى الآن من الرد، وواضح الأمر لما تنوي فعله الإدارة الأمريكية في الدخول إلى بيروت سواءً باسم الفرنسيين أو البريطانيين أو بطلب الوصاية أو غيرها من المسميات أو الذرائع التي تشرعن الدخول، فقد تختلف الأسماء والمسببات، ولكن العدو واحد، والهدف واحد.
البعد الثاني: في حين أن العالم منشغل بهذا الحدث المروع، إلا أن قوى العدوان تعمل على تمرير مشاريع أخرى في سوريا والعراق واليمن، وخصوصاً بعدما تم تسليم النفط السوري للأكراد الذين طعنوا سوريا العروبة في الظهر، وميناء عدن للإمارات.. بدليل أن القوات الأمريكية بدأت تتجه من العراق نحو سوريا، وفي لحظة كل أنظار العالم منصرفة نحو أوجاع بيروت، ومصرفة النظر عن أوجاع سوريا واليمن والعراق بسبب الانفجار الذي دمر المرفأ، وكما أن الإعلام اليوم يتحرك وفق ما تريد أمريكا، ويتوجه نحو ما ترغب به إسرائيل.. فـما حدث لمرفأ بيروت هو وجعٌ لصنعاء، وألم لسوريا، وحريق للعراق، وجرحٌ لمصر، ولكن لا يجعلنا أن نتناسى بقية الجروح المنكوءة التي مازالت تقطر دماً حتى الساعة.
كما أن مشروع قرار الضم الذي أثار سخط الشارع العربي، ستحاول الآن إسرائيل تمريره لأنها تجد في انفجار المرفأ المفتعل من قبلها، فرصة خصبة وسانحة لضم أراضٍ أخرى من الأراضي الفلسطينية، بل إنها تظن أن الوجع الجديد سوف ينسينا الوجع القديم، وهذا ما أصبح معروفاً لديهم كما أنهم دائماً ما يوجهون الرأي العام العالمي نحو كارثة مفتعلة منهم، ثم بعد ذلك يبدؤون في تمرير المشاريع التي تم التحضير لها، والشواهد كثيرة على ما أقول من وعد بالفور إلى الانتداب البريطاني لأرض فلسطين إلى قرار قيام الدولة الإسرائيلية على أرض فلسطين إلى اجتياح الجولان وبيروت، إلى أن وصل بنا الحال أن تقام مؤتمرات لصفقة القرن بأموال عربية وفي أرض عربية، وقرار الضم الأخير الذي صدر على مسامع العالم العربي المنشغل بأزمة كورونا ومظاهرات العنصرية في أمريكا، وليس هذا وحسب، بل نحن في حالة من التساقط أمام هذه المشاريع التي تكاد أن تعصف بنا بعدما غيبت الإحساس بالوجود والانتماء لهذه الأرض التي وجدنا عليها، وعملوا على إدخالنا في دوامة من التهاوي والصراعات التي لا حصر لها بسبب أنظمة العبودية التي كانت ولازالت تقدم الولاء والطاعة لأمريكا وإسرائيل، بل تنازلت عن القضية المركزية فلسطين، ومن بعدها سلمت زمام المبادرة في الوطن العربي بكله إلى قرن الشيطان (السعودية) التي هي بالأساس صهيونية العرب، لكن محور المقاومة بقي حزام الأمان لنا، والذي أحيا فينا روح الدفاع عن كرامة الأمة ووحدة الأرض التي مازلنا متمسكين بها حتى تتحرر ويعود حقنا المغتصب منا.
البعد الثالث: وبما أن محور المقاومة هو السيف الوحيد الذي يقطع تمرير كل هذه المشاريع، وبما أنه السد المنيع أمام سيول التطبيع والعبودية والخنوع والخيانة الجارفة التي جرفت معنى العروبة والعرب؛ والحامي الوحيد للأمة من الاندثار والسقوط المُريع الذي يحمي الأمة، والحزام الواقي وطوق النجاة، فإنهم سيحاولون بكل الوسائل ضربه والقضاء عليه تحت أي مبرر كان، وتحت أي مسمى، ولهذا دمروا مرفأ بيروت بغرض الضغط على محور المقاومة بالكامل، وليس حزب الله وحده، لأن القضية واحدة، وأطلقوا علينا اسم الإرهاب الذي يقلق أمن المنطقة، وألصقوا علينا كل التهم بغرض التشويه وبقصد العداء الذي تكنه لنا كل قوى الشر التي لا تريد السلام لنا.
وأخيراً، وكما هو معروف لديهم دائماً أن العرب سرعان ما يشعرون بالغضب، معبرين عنه بالبيانات والإدانات والاستنكار فقط، متناسين الجراح القديمة، مسرعين ومهرولين نحو جراح جديدة.. وهذا ما جعل العدو يكسب بعض الرهانات في معاركه معنا، محاولاً تصفية بقية القضايا المفتوحة على مهل، ولكن الآن حان الوقت أن نقول لا، ونقلب المعادلة بالاصطفاف والظهور كلنا أمة واحدة، وأن نثبت للعالم أن الوضع قد اختلف، وأن نربط القضايا ببعضها، لأن عدونا واحد، ونحن أمة واحدة، وجرح بيروت جرح صنعاء ودمشق وبغداد والقاهرة.. فلا ينفع التباكي على المرفأ، بل التحضير والاستعداد للمواجهة على كافة المستويات، وبكل السوائل المتاحة والممكنة، والتجهيز لحملات إعلامية تفضح المخططات الغربية التي تستهدف بيروت كلها، وليس حزب الله وحده، وتستهدف سوريا العروبة، وعراق النضال، ويمن المقاومة والصمود.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.