ثقافة مختارات مقالات

النقد الثقافي… من يستلهمه؟

النقد الثقافي… من يستلهمه؟

بقلم: نادية هناوي – العراق

كثيرا ما يُظن أن النقد الثقافي يتحصل عليه بالبحث في مسائل تدهش المتلقي، أو أنه يتحقق بإسقاط الموضوعات العصرية على موضوعات تراثية، كالبحث عن وظيفة ما في عصر من العصور الإسلامية، أو في تشكيل اجتماعي معين أو بالتتبع لثيمة من الثيمات عند مجموعة من الشعراء.. فهذه وما شاكلها هي موضوعات وأساليب، ليس فيها أي تنقيب عن أنساق خفية تنطوي على استغوار معرفي.

بهذا الشكل يستسهل النقد الثقافي شكلا ومحتوى بلا دراية بالمعايير، ولا إدراك لفاعلية هذا النقد الفلسفية، وأطره المنهجية، ولا فهم للدواعي التي تحمل الناقد الأدبي على أن يكون ثقافيا بكيفيات وتوظيفات ونظريات وآليات ومصطلحات معينة، بها لا ينفصل البحث في النص عن علاقاته الداخلية وروابطه، والدلالات المتناولة ثقافيا في أنساقه، وعلاقاته الخارجية المرئية وغير المرئية، واستلال أبعادها الفكرية.

ولا يخفى أن هناك متغيرات ثقافية تجبر الناقد الأدبي على مواكبتها، فيدخل المنطقة الثقافية، التي هي أيضا منطقة نقدية، لكنها لا تعتمد على منهجية محددة في التحليل والتأويل، بل تتعداها إلى مناهج أخرى، تشخيصا ورصدا وبوظيفة غير نمطية، هي ضرورة من ضرورات الاتسام بالتجدد والسيرورة.

ولا يكمن التحدي النقدي في مغادرة منطقة قرائية والدخول إلى منطقة أخرى وحسب؛ وإنما التحدي الإساس هو في الكيفية التي بها يثبت الناقد قدرته على تجديد نفسه، مطورا أدواته المنهجية، مبتكرا أو متماشيا مع متغيرات النقد بمنهجياته ونظرياته وأدواته وطروحاته، بتصميم حقيقي وليس بمظهرية ذات لمعان براق يشدُّ أنظار القراء، موهما إياهم بأن ما يرونه أمامهم هو جديد ومستحدث، بينما هو في الحقيقة يتدارى في المعتاد متقوقعا داخله، لتظل ممارسته النقدية موسومة بالاتباع، مشدودة إلى المجاراة في انتهاج السياقات القرائية السايكولوجية والاجتماعية والتاريخية والسيرية والانطباعية، بما يجعل سمات العرض والتقديم والتجميع بادية عليه، ليكون ناقدا أدبيا في الوقت الذي يصبو فيه إلى أن يكون ناقدا ثقافيا.

ومعلوم أن أهم سمات الناقد الثقافي قدرته على التفكيك والحفر والإرجاء والتأويل، والتأجيل والاختلاف، والتمحيص في الأثر المقروء، من باب المغامرة التي تنبذ كل صور التنميط والتحجر والاتباع، كأن تجاري السياق مرتهنة بالبناء الفني منغلقة عليه، أو تقف عند مؤلف النص مستجلية تاريخه وطبيعة صلاته بواقعه، ومرجعيات إبداعه، ومنابع تأثير التراث الإنساني فيه، إلى غير ذلك من الاهتمامات الدائرة حول النص المقروء، التي عادة ما تعني الناقد الأدبي وتغريه، بينما هي لا تعني الناقد الثقافي إلا بالقدر الذي تفتح له مسارات ما بعد نصية، وميتا حولية، أو ما وراء نقدية.

وهذا التوصيف النقدي الذي نضعه لممارس النقد الثقافي، هو رهان عويص بالنسبة للناقد الأدبي، الذي تعيقه مسيرته النمطية عن التجدد، وتحرمه من التحرر. والسبب ثقل ما يحمله من تركة مراحل نقدية سابقة تظل لصيقة به، جاثمة على كتاباته، موجهة مساراته النقدية من جهة، وتغدو من جهة أخرى دليلا على فشله في مغالبتها. ومهما حاول أن يفر من قيودها، يظل عاجزا عن تطوير قابلياته، وإن استعان بالمصادر ونقّب في المراجع راجيا ومتأملا أن تتسم مظهريته بشيء من التجديد؛ لكن أغوار دواخله تظل حبيسة في هذه التركة النقدية، التي تحاصره بضنك فلا تتيح له الإفلات منها أو الانطلاق إلى غيرها. وهذه إشكالية كبيرة عند كثير من النقاد، الذين أوهمتهم مصادرهم الحديثة في النقد الثقافي، بأنهم نقاد ثقافيون، غير مدركين أن ما يمارسونه بوعي وقصدية ليس من النقد الثقافي في الأعم، إلا اللهم في الظاهر، الذي هو عادة ما يلمع ويبرق، وما ذلك إلا لكون عماد النقد الثقافي النزوع الفكري الغائر في العمق، والمتجه نحو التفلسف الذي به تقلب الثوابت وتتهشم التابوات وتنهار منظومة الثقافة المركزية، ليعاد تركيبها في هيئة جديدة لا مركزية، تشحذ الهمم، وتستفز الحواس وتستنهض العزائم، محرضة على التغيير وداحضة التردد ومغربلة الحقائق، ناقضة الزائف منها.

 

وموضوعات النقد الثقافي لها علاقة بقضايا الإنسان الكبرى، لا تلك التي لا قيمة لها سوى لفت النظر، ولا تقدر على إثارة رؤى فكرية؛ بل تثير المتعة وأحيانا الدعابة، فتتسطح أطراف العملية الإبداعية من ناحية النص، ودلالته الفكرية والرؤيوية.

 

وهذا ما يجعل ممارسة النقد الثقافي معتركا للصراعات التي تتطلب تقديم التضحيات، ومنازلة الأنداد، ومناورة الخصوم، وإيجاد الفرص وصناعة استراتيجيات يبتكرها الناقد الثقافي ابتكارا، والمنهجيات التي يصهرها صهرا، ليكون الناتج منهجا يتفرد به هو لوحده، ليراهن بعد ذلك على نجاعته في فض الاشتباكات، وفك الإشكاليات، ولملمة الخيوط، وكشف المغيب والمتواري، وهو طريق شائك ما كان لرواد النقد الثقافي أن يسلكوه لولا مقدار كبير من الإيثار والتباري والتحدي، مواجهين صنوفا من الامتعاض والنهر والتخوين والتآمر.

وموضوعات النقد الثقافي لها علاقة بقضايا الإنسان الكبرى، لا تلك التي لا قيمة لها سوى لفت النظر، ولا تقدر على إثارة رؤى فكرية؛ بل تثير المتعة وأحيانا الدعابة، فتتسطح أطراف العملية الإبداعية من ناحية النص، ودلالته الفكرية والرؤيوية، والمبدع وطريقة رؤية نصه، والمتلقي ومخاطبة الجانب المسطح من وعيه. وليس بالأمر اليسير كسر قيم العقل وتحريرها من المنطقية، بالمراهنة على الجنون مثلا أو اللاتاريخ، أو الأحلام مع الاتسام بالتشظي والتشكيك، واعتبار كل ما هو أساس ثانويا، وكل ما هو ثانوي أساسيا. ولهذا عُدت طروحات دريدا وإدوارد سعيد وفوكو وليوتار وسورتو والتوسير وهايدن وايت وغيرهم، بمثابة ثورات فكرية وبسبب ما لاقته من صدى صارت فتحا معرفيا مهما يُشار له بالبنان. والسبب أنها ما كانت مجرد مظهريات توحي لرائيها بأنها جديدة، وإنما هي هموم كبرى غايتها الصميمية اكتشاف الحقائق والتدليل عليها، وإن شوهت تلك الحقائق ثوابت بنيت عبر قرون وزعزعت قناعات بُذلت في سبيل ترسيخها مساع استغرقت عقوداً من السنين.

فالتتبع التاريخي لمسار قضية ما مثلا يتطلب مسايرة لا تغطيها نسقية واحدة تتجاهل الأنساق الأخرى أو تتمركز ضمن حاضن بعينه وتنسى حواضن أخرى كان قد همَّشها تاريخ الأدب، كي تتوسع مسارات النقد للقضية المدرسة فتتوضح صور تمثيلاتها كلها أو أغلبها. من هنا يصبح النقد الثقافي شاحذا للذي يمارسه كي يتغير. والمعادلة الأساس في كل ذلك متأتية من ازدواجية النظر إلى ثنائية الكوني /الإنساني، وهذه المعادلة التي محصلتها الحقيقية هي بغية الناقد الثقافي وموضع اهتمامه والمفاد الذي ينقطع له انقطاعا تاما ويقدم في سبيله كل ما لديه من طاقة ومعرفة ووعي. وإذا كان الرهان المنوط بالناقد الثقافي صعب المراس في المجتمعات الليبرالية والمتقدمة، فإن الحال أشقى في المجتمعات الأقل تقدما والأكثر محافظة وراديكالية، التي قد توصل الناقد الثقافي ـ الذي لم يتمرس جيدا وتعوزه الجرأة وينقصه حب المغامرة ـ إلى أن يقع صريعا لنمطية الفكر وصنمية العقل ونخبوية القيم التي تنميها قوالب جامدة تجاوزها العلم زمنيا، وعافتها المتغيرات العاصفة في مختلف حقول المعرفة الذهنية علمية أو إنسانية.

وإذا أضفنا إلى ذلك البعد الذاتي الذي يجعل الناقد ينوء بأعباء تركة نقدية سابقة، لا يستطيع الفكاك من هيمنتها عليه ولا يعرف كيف يتجرد من تبعاتها، فإن المتحصل تأسلب معيق، وتحجر عقيم، لن يكون للناقد فيه من خيار سوى الاتسام بكل ذلك التحصيل والتقوقع داخله. ولن تنفع قوة المنهجيات المستحدثة ورؤاها الخصبة في كسر حدة العقم والثبات، الناجمين عن مأثورية التنميط ومحتمات الإتباع. إن النقد الثقافي وريث النقد الأدبي وخليفته، الذي ينبغي أن يدفعه قدما نحو عالم جديد يطور فيه الناقد نفسه جاعلا منهجياته لا تعرف ثباتا ولا احتذاء ونظرياته دائمة التبدل ومتمظهرة باللاتموضع.

 

نقلا عن القدس العربي

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.