فكر مختارات مقالات

في المثاقفة والتثاقف

في المثاقفة والتثاقف

بقلم: ا.د. علي المرهج

يرتبط مفهوم “المثاقفة” بمفهوم التداخل أو التفاعل، أي تداخل ثقافتين أو أكثر لينتجا لنا وليداً آخر غادر أو سيغادر موروثه الثقافي، وكلما كانت ثقافة جماعة ما أو أمة ما أكثر رسوخاً وتطوراً نجدها هي الأكثر حظاً في التأثير لتجعل من الجماعة الأقل تطوراً أكثر تداخلاً منها، بل وستطغي عناصر الجماعة الثقافية الأقوى حضوراً على الثقافة الأقل حضوراً للتشاكل معها وتصبح مماثلة لها، وفي كثير من الأحيان تابعة لها.

أرى أن فعل “التثاقف” ليس إختيارياً، تختاره جماعة ما للإطلاع على ثقافةأخرى أكثر تطوراً منها، بل هو يكاد يشبه فعل (الغزو الثقافي).
أما في “المثاقفة” فلك في حضارة اليونان الثقافية والفلسفية مثالاً يخدمك في فهمها، فقد تمكنت فلسفتهم من ثقافتنا، فصار أكثر فلاسفتنا يتغنون بفلاسفتها وفي مقدمتهم أرسطو (المعلم الأول) ، فقيل عن الفارابي أنه (المعلم الثاني) لأن أرسطو هو (المُعلم الأول)، وذكر فيلسوف التصوف (ابن سبعين عن ابن رشد”أنه كان يتبع أرسطو حذو النعل بالنعل، فإن قال أرسطو القائم قاعد، قال مثله)!.
وستجدون في الفكر الإسلامي حينما كان في أوجه وزهوه”مثاقفة” لاتينية لجهود فلاسفتنا العلمية والفلسفية، فكان هناك سينويون وغزاليون ورشديون في أوربا، بل وصارت للرشدية مدرستان: الأولى هي الرشدية المؤمنة، والثانية هي الرشدية الملحدة، فكان لابن رشد حضوره الفلسفي والثقافي الكبير في الفلسفة المسيحية، حتى وصفت فلسفة (توما الأكويني) بأنها نسخة رشدية بإمتياز.
على الرغم من أن الكثيرين يدمجون بين مفهومي “المثاقفة” و “التثاقف” إلا أنني أميّل إلى التمييز بينهما، بوصف الأول “المثاقفة” على أنها فعل طبيعي في التأثر والتأثير، وكل أمة أو جماعة لها باع في الثقافة والفن والعلوم لا بُد أن يسطع نورها على باقي الثقافات الأخرى لتستمد من اشراقاتها العلمية (عصر أنوارها)، ولكننا نجد أن مفهوم “التثاقف” يحمل بين طياته ما يشي لنا بأن هناك قصدية يُمارسها الطرف الأكثر تطوراً ثقافياً وعلمياً على الطرف الأقل منه نتاجاً وتأثيراً، ليجعله نسخة مُكررة منه.
ما يقف حاجزاً أمام “المثاقفة” هو طغيان الشعور بتميّز الذات، والخوف من تشظي “الهوية الوطنية” أو “الهوية القومية” أو “الهوية الحضارية” لكل شعب أو أمة من الأمم.
لذلك ظهرت في مجتمعنا إتجاهات (سلفية) أو “تراثية” وسمّها “ماضوية” تتكور حول ثقافتها الأحادية وتنزوي في التاريخ، وتتغنى في الماضي المجيد، فكانت هذه الإتجاهات رغم نقدنا لتطرفها، إلا أنها كانت خط الصد في مواجهة الإستعمار وما حمله من نزعة تغريبية و “غزو ثقافي”.
في “التثاقف” نزعة للدمج والإلغاء للآخر المستضعف ثقافياً، وفي “المثاقفة” بعض بقايا وجود لتبني مقولة “حوار الحضارت”.
لنتذكر سياسات “التتريك” و “الفرنسة” و “الأنكلة” التي حملتها قوى الإستعمار للعمل على إلغاء الهوية الحضارية للأمم المُستعمرة، هذا النوع من السياسة الثقافية هو “غزو ثقافي” أعده نوعاً من “التثاقف” الذي تفرضه القوى الأكثر تطوراً على الأمم الأقل تطوراً، فهو ليس “مثاقفة” إنما هو “تثقاف”.
لأذكركم ببيت الحكمة الذي أسسه الخليفة العباسي (المأمون)، إنه نوع من أنواع “المثاقفة” التي تختارها الأمم المقبلة على التطور الحضاري من دون أن تفرض القوى الغالبة ثقافتها عليها.
في المقابل هناك “العولمة” وهي ممارسة اقتصادية إرتكنت لنظرية الحرية الاقتصاديثة على قاعدة “دعه يعمل، دعه يمر” وهي حرية رأسمالية، حاول دعاتها أن يخلقوا نمطاً ثقافياً يكون هو الأنموذج الأمثل الذي ينبغي على دول العالم الثالث (المتخلف) إتباعه وتقليده، ليخلقوا لنا وفق مفهوم “القرية الكونية” شعوباً مُنتجة، وأخرى مُستهلكة، وكي لا تشعر الشعوب المستهلكة أنها شعوب مُستلبة، فقد وفرت العولمة وربيبتها (الثورة المعلوماتية) بكل ما فيهما من خدمة إنسانية شعوراً لدى الشعوب المُستهلكة بأنها يُمكن أن تعيش على وفق نمط في الحياة الشعوب المنتجة، ولكنه “تثاقف” وليس “مثاقفة” ينطوي على خديعة، ألا وهي العيش تمثلاً لأنماط حياة رأسمالية لشعوب لا قدرة لها ولا عطاء ثقافي وعلمي ليجعلها مشاركة في خط سير (قطار العولمة) السياسي والاقتصادي والثقافي، لتتحول هذه الشعوب لنسخ مشوهة أنتجتها (الرأسمالية الجديدة).

حاول محمد علي باشا خلق فضاء ثقافي إيجابي للمثاقفة حينما عمل على إرسال بعثات علمية لفرنسا، فكان من نتائجها بروز نجم (رفاعة رافع الطهطاوي) و(علي مبارك)، فالأول نقل تجربته في فرنسا في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) ومن ثم كتب كتابه الشهير (المرشد الأمين للبنات والبنين) وأسس (مدرسة الألسن) فيما يُقابل عندنا اليوم (كلية اللغات)، وقدم رؤاه الملفتة لولي النعم (محمد علي باشا) كم يرغب أن يُسميه الطهطاوي، ومن ثم ترجم كتباً في الجغرافية والفلك والعلوم العسكرية.

أما (علي مبارك) فقد كان رائد النهضة العمرانية الحديثة في مصر، فأسس القاهرة الحديثة أو ما يُمكن تسميته (خُطط القاهرة) أو ما أسماها هو (الخطط التوفيقية).

وهذه من إيجابيات “المثاقفة” أو ما تُسمى “المثاقفة التلقائية” لا “التثقاف” الذي يصح بديلاً له مفهوم “المثاقفة المفروضة”.

هل تصح أن تكون “المثاقفة” داخلية؟، أي بين جماعات مشتركة في “الهوية الوطنية”، أقول هي ما يُمكن ليّ أن أسميها “المثاقفة الحقة”، ففي كل مجتمع تتعدد أثنياته مثل العراق تحتاج الجماعات المختلفة للـ “المثاقفة”، لأنها تكشف عن معنى وجود الآخر الذي يُكمل وجودك الوطني.

في المُقابل، هل يصح “التثاقف” الداخلي، وفرض ثقافة المذهبي والأثني أو العرقي الأقوى على الآخر المشترك معك في الموطنة؟، أقول لا تصح، لأن ممارسة تشي بنزوع إقصائي يُمارسه الأقوى سطوة والمؤثر في القرار السياسي على (الأقلية) المستلبة بفعل سطوته.

في “المثاقفة” حوار يقبل الآخر ويُقبِل عليه، وفي “التثاقف” نزوع نحو إقصاء هذا الآخر، ومحاولة الإنقضاض عليه ثقافياً. بقصد تهميش وجوده الثقافي أو إلغائه.

يُقابل مفهو “التثاقف” عندي مفهوم “التهميش الثقافي” ويُساويه، لأن القصد الكامن في المفهومين هو سعي الثقافة الأقوى لإلغاء الثقافة الأقل حضوراً، والعمل على محوها وكسب جماعتها لدمجها وإدخالها في مُحيطها الثقافي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.