أدب و تراث مختارات مقالات

أرض البرتقال الحزين لكنفاني

قراءة في رواية أرض البرتقال الحزين
للكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفانى

بقلم: م. حسام شلش – مصر

كم نفتقد في تلك الأيام كاتب القصة القصيرة ذات الهدف و المغزى القوى ، والذى يستطيع من خلال كلمات بسيطة دقيقة أن يمرر فكرة أو يناقش قضية بكل سهولة تامة وفى خلال سطور موجزة لا تحتوى الكثير من الكلفة أو الأوصاف ، فكاتب القصة القصيرة يستطيع من خلال اختيار كلمة واحدة أن يشرح حالة نفسية صعبة أو يوضح مشكلة معقدة أو يطرح قضية للنقاش وفى رأى الشخصي كقارئ فهذا ما يميز الكاتب (غسان كنفانى) ، فكم أستطاع أن يطرح و يثير القضية الفلسطينية من خلال مقالاته و كتابته و قصصه القصيرة والتي تتضح في مظهرها أنها قصيرة ولكنها بالحقيقة هي سرد لحقائق مروعة ذات تأثير نفسى قوى على كل قارئ ، تجعل من يقرأ يعيد التفكير وتغير منظور الرؤية للكثير من الأحداث التي تحدث فيما حولنا.

في مجموعة (أرض البرتقال الحزين) يناقش الكاتب مجموعة من أهم القضايا الفرعية والتي تناقش في مظهرها القضية الفلسطينية ولكن برأى الشخصي هي مناقشة عامة لنتائج الحروب والصراعات الإنسانية بشكل عام وتأثيرها على الأشخاص والمجتمع والأجيال بشكل عام.

ارض البرتقال الحزين - غسان كنفاني

فالحروب ما هي إلا نتائج صراعات تدور في الخفاء ولا يعلم أحد الهدف الرئيسي منها سواء أطماع شخصية أو اضطرابات نفسية للطبقات الحاكمة والتي غالبا ما يكون ضحية تلك الحروب هي الشعوب والطبقات التي لا ذنب لها إلا أنها وجدت نفسها في مواجهة طبقات أخرى مطلوب منها المواجهة حتى تبقى على قيد الحياة بشكل أو بأخر.

ويتعمد الكاتب في القصص المختلفة في (أرض البرتقال الحزين) التركيز على التأثير النفسي للاحتلال بشكل عام ونتائج الحروب سواء على الأشخاص أو المجتمعات، فكم من أفراد ظلت أحياء جسديا ولكنهم قتلوا ألف مرة نفسيا بسبب صراعات لا ذنب لهم بها.

وكم من أطفال تشردت أو قتلت وأسر تفككت وأسر أخرى تم تهجيرها تاركين وطنهم دون داعي أو أسباب واضحة.

كذلك يأخذنا الكاتب في رحلة بداخل الصراعات الفكرية الداخلية التي تدور بداخل مختلف المشاركين ومن تأثروا بالاحتلال فهناك قصة الفدائي وطرح فكرته عن الموت مقابل الوطن ليكون أخر لحظة في حياته و اقتناعه التام بأن لا قيمة للحياة إلا في حالة وضع الموت في المواجهة حيث أنه يموت مقابل قضية للأجيال القادمة من بعده.

كذلك قصة الجندي ضارب الرصاص الخطأ والذى كان ينتظر أن يتم محاكمته واذا يتم إخلائه و كتابة تقرير بأنه مجرد انهيار عصبي طالما أن الموتى من الشعب الأخر ، حتى يتعجب الجندي من ردود الفعل ليعرف أنه ما هو إلا ضحية و دمية في أيدى بشر تهمهم المصالح الخاصة.

يمتلك (غسان كنفانى) أسلوب سرد قوى موجز ولايوجد به إطالة تماما فهو كما ذكرت قادر على صيغة الكثير والكثير من خلال جمل و كلمات بسيطة ، وقادر على أثارة قضية من خلال موقف يتخيل القارئ أنه موقف عابر ولكن مع التدقيق يكتشف القارئ بأن (غسان كنفانى) يوضح فكرته بأسلوب ملتوى يستدعى التدقيق في القراءة.

فكم من مرات بعد قراءة قصة من الكتاب أحاول أن أفهم ما يرمى إليه في تلك القصة من خلال الموقف الذى يسرده أو استخدام أدوات أو تشبيهات ذات معنى أخرى أو دلالة أخرى، وهذا يدل على براعة الكاتب في إشراك القارئ معه بداخل القصة حتى يستطيع القارئ أن يدلى برائيه ويكون فكرة عامة عن القضايا التي يتحدث عنها (غسان كنفانى).

لا أستطيع تمييز أو اختيار أيهم القصص أفضل لي كقارئ، فكل قصة مختلفة عن الأخرى و تناقش قضية فرعية من منطلق مختلف و منظور مختلف تام، فتارة نجد الراوي طفل و تارة أخرى شيخ و تارة أخرى جندي احتلال مرغم، ولكن ما أتفق عليه بجميع قصص المجموعة هو قدرة الكاتب كما ذكرت على صياغة الصراعات و الحالات النفسية وتوصيلها بأبسط صورة إلى القارئ حتى يستطيع تكوين رايه الشخصي عنها.

على الرغم من أنها ليست الأفضل للكاتب وفى بعض الأحوال شعرتها مبهمة ببعض النقاط أو ذات نهاية تحتاج تفاصيل أدق و أكثر ولكن المجموعة بشكل عام جيد تثير شجن القارئ بمواقفها المختلفة وقضاياها المثيرة وطريقة طرحها وأنصح بقراءتها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
حسام شلش
مهندس مصري، كاتب ومهتم بتقديم عروض الكتب والروايات.. حائز على المرتبة الثانية على مستوى الجمهورية في مسابقة “اقرا ودون” من وزارة الشباب والرياضة المصرية لعام 2020م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.