فكر مقالات

الثورة في فكر نوري جعفر

كتب الأستاذ الدكتور/ علي المرهج:

كتبت منذ مدة عن نوري جعفر المفكر والإنسان، واليوم أكتب عن رؤيته لمفهوم الثورة.

ميّز جعفر بين نوعين من الثورة: الأولى هي الثورة الشعبية، والثانية هي ما أسماه “الثورة السياسية والعسكرية المُسلحة” .

في كلا الثورتين هناك (هياج جماهيري)، ميزته الأساس التأثر العاطفي والوجداني، وهما محركان لكلا الطرفين، الثائر والمُثار عليه، وكل يصف مخالفيه بأقذع الأوصاف، ولأن الثورة تُثير الهلع في نفوس الجماهير والحكومة (السلطة) على حد سواء، وربما كلاهما يلجأ للعُنف، ستجد كل طرف ينتقد عنف الجماعة المضادة له.

أن يموت الثوار فهذا أمر طبيعي إن كانت السلطة غاشمة ومُستبدة، وأن يقتص الثوار من رجالات السلطة بهياج ثوري، فهذا أمر وارد الحدوث.

هناك منتفعون من السلطة يمقتون الثورة، ولكنهم كما وصفهم جعفر (مُنتفعون)، وسيُغيرون ولاءاتهم بمجرد انتصار الثوار!.

لا توجد ثورة حقيقية من دون وجود أعمال عُنف تُرافقها، بل وإزهاق أرواح ربما، ولك أن تعتبر بثورات كبرى في التاريخ مثل: الثورة الفرنسية ١٧٨٩ والثورة الروسية ١م١٧ والثورة المصرية ١٩٥٢ والثورة العراقية ١٩٥٨.
يعتبر نوري جعفر أن ما يأتي من عُنف في أعقاب أي ثورة إنما هو من مُتمماتها، ليؤكد أن الثورة الحقيقية إنما هي “الثورة الحمراء” التي لا تكتمل إلا بالقضاء على رجالات العهد القديم!، لأن الثورة تستمد شرعيتها من تأكيد الثوار على ضرورة تحقيق “العدالة الاجتماعية”.
يعتبر نوري جعفر الثورة ظاهرة اجتماعية سواء أكانت عملاً مشروعاً أم غير مشروع.
الحاكمون هم من يضطروا المستضعفين أو المحرومين للثورة، وكلما زادت الهوة اتساعاً بين غنى الحاكمين وفقر المحكومين، كلما بانت تباشير الثورة.
يؤكد نوري جعفر على أن الثورة تكون وشيكة الحدوث حينما يشتد فساد الفئة الحاكمة، وكلما أوغلت الفئة الحاكمة في الفساد عُمقاً قربت ساعة إنهيارها وحفرت قبرها بيدها عاجلاً أم آجلاً.
تبدو ملامح وجود الثورة جلية حينما يشتد الصراع الطبقي، فتكون الفئة الحاكمة ورجالاتها منتفعة وتنهب أموال الدولة وغالبية الجماهير محرومة، ويكون (الولاء) هو سيد الوقف في الخلاف بين الحكومة والجماهير، وستجد أن المنتفعين من الحكومة أقل ولاءً من الجماهير للوطن والوطنية والشعور بالمواطنة، وما أن تحدث الثورة ستجد رجلاتها المتفعين مختفين ويختفي ولاؤهم العرضي ليحضر ولاء الجماهير الجوهري بديلاً له.
يتبنى نوري جعفر مفهوم الثورة بوصفها حركة جماهيرية أو إنقلاب عسكري (جذري) فيه من العُنف ما يجعل رجالات الحكم السابقين يشعرون بالهلع والخوف من القضاء عليهم.
في الثورة الجماهيرية يختفي الوعي العقلاني الفردي بما يجعل الحكومة وأجهزتها الأمنية رغم تجهيزها العالي غير قادرة على مواجهة (الهياج الثوري الجماهيري)، لذا نجد نوري جعفر يدعو الثوار لاستخدام كل قدراتهم في (العصيان المدني) و (التحريض) و (التظاهر) لتحقيق مراميمهم، بما فيها (الكفاح المُسلح) لتحقيق العدالة الاجتماعية وانتصار قوى الشعب على قوى الحكومة المستبدة والفاسدة.

لم يستبعد نوري جعفر إندساس بعض رجالات العهد القديم ليكونوا في خدمة رجالات الثورة، وهنا كما يقول:”يكمن موطن الخطر على الثورة”، وهذا أمر يحصل في كل الثورات، فقد يسعى المعتدلون من رجالات الثورة للاستعانة (مؤقتاً) ببعض رجالات العهد القديم، لكن ـ ربما ـ تكون لهذه الاستعانة عواقب لا يُحمد عُقباها، ألا وهي تتسلل هؤلاء وتسلقهم لسلم الثورة، وق يستغل رجالات العهد القديم صلاته المذهبية أو العشائرية بقادة الثورة ليتفادى العقاب أولاً، ليُمهد فيما بعد ليكون من قيادات العهد الجديد..
راجعوا تحولات الوضع في العراق ما بعد 2003 وقارنوا رؤية نوري جعفر للثورة ومآلاتها، ولكم الحكم

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.