تاريخ مختارات مقالات

ما علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالنازية الألمانية؟

ما علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالنازية الألمانية؟

بقلم: هبة داودي

على خلفية فتح الارشيف الخاص بتاريخ الكنيسة الكاثوليكية المثير للجدل، خلال نهاية الثلاثينيات وبداية الاربعينيات، لاسيما في عهد البابا بيوس الثاني عشر، أثناء الحرب العالمية الثانية، ما بين 1939 و 1945، وقبيل هذه الفترة، مع اعتلاء الحزب الناري رأس السلطة في ألمانيا، أثيرت مسألة العلاقة القائمة بين الفاتيكان والرايخ الثالث، في وقت كانت ايطاليا تعيش في عهد “الدوتشي” النظام الفاشي بزعامة موسوليني، ورغم أن ألمانيا كانت تنحو باتجاه البروتستانتية، علما أن تاريخ المسيحية شهد حادثة الطرد والحرمان الكنسي، أين عاقبت الكنيسة الكاثوليكية الراهب الألماني والقسيس وأستاذ اللاهوت، مارتن لوثر، الذي اعترض على صكوك الغفران، وأشعل أوروبا بانقلابه على الكاثوليكية في رسالته التي تضمنت 95 أطروحة، والتي يُنظر إليها الآن باعتبارها الوثيقة التي أشعلت شرارة البروتستانتية.

ومن بين ما أثير من جدل، ذلك المتعلق بغض الطرف من قبل الكنيسة عن ممارسات النازية، لاسيما في المحتشدات والقتل الجماعي، مقابل اشارة اطراف اخرى الى أن الفاتيكان والبابا بيوس الثاني عشر الذي شغل منصبا دبلوماسيا في هذا الأخير، عملا في الخفاء على إنقاذ اليهود، وقد شاهد البابا بيوس، الذي كان آنذاك الكاردينال أوجينيو باتشيلي، صعود النازية عندما كان سفيرا للفاتيكان في ألمانيا، قبل أن يعود إلى الفاتيكان ويتولى منصب البابا.

وبرزت عدة أطروحات بخصوص العلاقة القائمة بين الكنيسة الكاثوليكية والنازية، اذ تشير قراءات إلى أن الكنيسة الكاثوليكية عانت من الإضطهاد الديني في ألمانيا النازية، خاصة وأن النازيين عملوا على السيطرة المطلقة على جميع الأنشطة على اختلاف انواعها، والتدخل في شؤون التعليم الكاثوليكي، ولم تقبل الأيديولوجية النازية استقلالية الكنيسة، بل فرضت أن تكون الأخيرة خاضعة إلى الدولة، حيث شن وزير الدعاية السياسية جوزيف غوبلز، ووزير داخلية الرايخ الألماني هاينريش هيملر ومارتين بورمان حملة ضد الكنائس والقساوسة.

بالمقابل، فإن أطروحات ثانية تشير الى أن الفاتيكان كان أول مَن عقد مع زعيم ألمانيا النازية أدولف هتلر، معاهدة دولية، عام 1933، بهدف حفظ موقع الكنيسة في ألمانيا، فيما تركز قراءات هي أقرب الى القراءات المساندة للتيارات الصهيونية، على أن الكنيسة سكتت عن ما يعرف بالهولوكست أو المحرقة اليهودية، وأنها امتنعت عن الكلام والتنديد بعمليات الترحيل، رغم التقارير التي وصلتها، وقد برزت هذه القراءات بالخصوص على خلفية قرار فتح الأرشيف السري للفاتيكان، في 2 مارس 2020، لأول مرة.

لكن الجانب “المظلم” الذي برز أيضا، هو التواطؤ القائم بين الفاتيكان ورموز وقادة النازية، والذي كشف عن بعض جوانبه تقرير لمجلس الاساقفة الكاثوليك الألمان، والاعتراف بوجود دور للكنيسة في ألمانيا النازية، لاسيما أن الشبكات الدبلوماسية للفاتيكان عملت على تبييض وتهريب قيادات نازية، وكان ذلك بعلم البابا، وتطرق مؤرخون إلى منح آلاف التأشيرات من قبل الفاتيكان، فبعد ماي 1945، ومع سقوط برلين ونهاية الحرب العالمية الثانية، وكذا سقوط النظام النازي، وعلى خلفية الفوضى التي شهدتها ألمانيا، تمكنت رموز وقيادات نازية من الهرب بتواطؤ من دوائر وشبكات منها الكنيسة الكاثوليكية، وسجل هروب بعض أهم الشخصيات ضربة، ومنهم أحد المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث، وضابط في القوات الخاصة الألمانية أو ما عرف وقتذاك بقوات العاصفة ادولف ايخمان، وجوزف مانجيلي والطبيب والضابط في كتيبة الشوتزشتافل المعروف بالملاك الأبيض أو ملاك الموت، إلى جانب ضابط الشرطة الموظف في برنامج القتل الرحيم تي-4 وقائد قوات الأمن الخاصة في ألمانيا النازية فرانز ستانغل، وهي شخصيات اتهمت بأنها اشرفت على محتشدات إبادة على غرار معسكر أوشفيتز بيركينو، وهو أحد أكبر ألمانيا النازية، وشغلته خلال احتلالها لبولندا، وكذا معسكر تريبلينكا الذي شيد واستغل أيضا في نفس الفترة، ومعسكر الإبادة سوبيبور، وشغله الشوتزشتافل كجزء من عملية رينهارد، مع الإشارة إلى أنها كلها محتشدات في بولندا.

واعتبر مرؤخون انه لولا دعم الكنيسة الكاثوليكية، لما نجح عدد كبير من النازيين من الفرار، حيث تشكلت شبكات من المهربين في النمسا وإيطاليا، وأوجد ما يعرف بطريق “خط الفئران”، عبر جبال الألب بالنمسا، وصولا الى ميناء جنوة الإيطالية، ثم امريكا الجنوبية، ونجحت قيادات نازية من الهرب بجوازات سفر للصليب الاحمر، موثقة من قساوسة، والتحق اعداد منهم بإسبانيا، التي كان يقودها نظام فرانثيسكو فرانكو بوهاموند، ليغادروا أوروبا انطلاقا من برشلونة.

لكن لم يكن الكاثوليك الوحيدين الذين ساعدوا رموز النازية، حيث اشارت تقارير الى دور لمصالح الاستعلامات الامريكية التابعة للجيش الأمريكي، في تهريب رموز نازيين، بما في ذلك الضابط النازي نيكولاس كلاوس باربي، الملقب بسفاح ليون، باتجاه بوليفيا، بعد تهريبه انطلاقا من إيطاليا سنة 1951، عقب تجنيده لصالح الامريكيين في نفس السنة، في سياق مواجهة التيار الشيوعي، مع الإشارة إلى انه ولد ونشأ في أسرة كاثوليكية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.