ثقافة فنون مختارات مقالات

فضائل غنائية: مصر بين زمانين

فضائل غنائية
مصر بين زمانين
“الحداثة مبكرا”

كتابة خفيفة بمناسبة العيد

بقلم/ مصطفى رحمة
كنت مستلقي بين الصحو والنوم على كنبة بالبيت، فإذا بمقدمة قصيدة كليوباترا تبث من خلال المذياع بصوت نقي، المقدمة تعرفونها كذلك الكلمات ولن أشرحهم، فأنا أعتمد في السماع للموسيقى الكلاسيك، بتعقيداتها وجمالها التي لا تنفك على حدس وحساسية أتميز بهما، حتى عندما أقوم بصنع لوحاتي، وأبداً لم يخيب ظني في أحايين كثيرة
فمدخل القصيدة ذات ملامح مشابهة للافتتاحيات المسرحية تعطي انطباعا بأننا نتابع مراسم ملكية.
الحركة الثانية لحن مميز على إيقاع رباعي بتفاعيل خاصة، يوحي بحركة المواكب، تعاد بحوار آلي بين آلة القانون وباقي الأوركسترا.
لن أُكمل شرح القصيدة ولأنني لست متخصص في قراءة اللحن وتفكيكه.
دائماً ما أتذكر الحالة التي كان عليها المجتمع وقت تلحين الأغنية، ذلك الذي خلّف لنا أعمال مازلنا نستلهمها كمقياس لجودة وإمتياز وتفرّد كنا ومازلنا نفاخر به، فمصر تميزت عن مثيلاتها من الدول العربية التي لم تكن بالكثرة مثلما الآن بأن عاشت ليبرالية ناشئة ببداية القرن المنصرم ، كانت دولة يحج إليها الناس من كل فج ، الإقامة فيها أمنية ، لن أقول عن سعة و نظافة بالشوارع ، وسلوك حضاري لافت ، بل كانت أعجوبة بحق، في ذلك الزمان كان العقل الجمعي يتناول قضايا يصعب تناولها اليوم لضيق الأُفق ولغياب العقل العلمي، الذي حل مكانه عقل ذهان، وقتها كان المثّال العظيم محمود مختار يصنع منحوتاته العابرة للأزمان، وقبل أن يأتي من يحرّمها، كذلك أغلب فنانينا كلً بمجاله يشارك في نهضة ليخلّفوا وراءهم أعمال رائعة ومبهرة جداً
ولأن القاهرة والأسكندرية كان يقطنهما أُرستقراط، وأغلبية طبقة وسطى عليا، يليها طبقة وسطى بما فيهم التجار والأعيان، من متذوقي الفن الذين كانوا يرتادون دور السينما والمسرح وحتى الملاهي الليلية ونوادي القمار والبارات والخمارات بحسبها من معالم المدينة، وشعب لديه ذائقة، كانت هناك حياة، أيام كان الشباب أكثر جمالا وكذلك الشابات، وكان الحب العذري يجمعهم، والخطابات مؤطرة بعطر وبورود، فقد كان للأنوثة والحياء وجود، ولم يكن يوجد من يجرؤ على قول خادش مما نسمعه الآن . ولم تخرق آذاننا كلمة تحرش.
ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن القاهرة أحفل بلد في الشرق الأوسط بالترويح عن النفس، كان الناس جميعهم يلهون ويطربون.
لذا فعندما يشدوا محمد عبد الوهاب برائعته التي استمعت إليها وأنا بين الصحو والنوم، فكان لتأثير الأغنية عليّ لكبير، كان (لروقان الناس) ماكانوا يرضون بغير الأصوات الجميله، كان جمهور السميعة يقطعوا أشواطاً من كل فج كي يستمعوا لمطرب أو مطربة يشنّفوا آذانهم.
فقد كانت ممارستهم للحياة أكثر رحابة وعمقاً، وكانوا أكثر فهماً لكينونتنا وثقافة قيد لها أن تندثر، فقد كانت لنا ريادة حقيقية لا مراء في ذلك، فكلما أستمعت لجُمل موسيقية بعدما أدخل عبد الوهاب الحداثة في الموسيقى من خلال آلات لم يكن قد عرفها المستمع بعد
على سبيل المثال لا الحصر الفيولونسيل (تشيللو) والكاستانييت (آلة إيقاع أسبانية) في رائعته في الليل لما خلي، وغيرها كثير.
عبد الوهاب ولأنه تعلم وتثقف على أحمد شوقي قبل الأربعينات وبعد أن توقف عن التمثيل إلى أداء الأغاني الطويلة نسبياً مثل “الكرنك” (المرعبة بحسب عمار الشريعي) و”الجندول” و”كليوباترا” وهي علائم هامة في مسيرته الموسيقية أكدت توجهه نحو الموسيقى التعبيرية الرشيقة وتمكنه من ترجمة المعاني بجمل نضرة وأنيقة عن طريق تلحين الأبيات كوحدة شعرية وموسيقية عوضاً عن تلحين الكلمات.
وعودة مرّة آخرى لقصيدة كليوباترا ،قال مستلهما أشعار على محمود طه، وإقرأوا معي جمال الشعر وكيف كان إختيار الكلمات متوافقة وثقافة عبد الوهاب
” يا ضفاف النيل ويا خضر الروابي
هل رأيتنّ على النهر فتىً غضَّ الإهابِ
أسمرَ الجبهةِ كالخمرةِ في النور المُذابِ
سابحاً في زورقٍ من صنعِ أحلامِ الشبابِ
إن يكن مرَّ وحيّا من بعيدٍ أو قريبٍ
فصفيهِ وأعيدي وصفهُ فهو حبيبي”
يالجمال الشعر والموسيقى والأداء، كلاهما ينبأوا عن زمان غير الزمان الذي نحياه الآن، زمن الناس تسمع بأرجلها لا بأذنيها، والقول لعبد الوهاب.
ولأن عبد الوهاب وأم كلثوم من الذكاء بأن اختاروا كلمات أغانيهم لتحيا عدد من العقود
فكثيرة هي الجُمل الموسيقية التي أقف عندها مندهشاً كيف لهؤلاء المؤلفين أن يأتوا بهكذا الحان، ولن أنسى” مليش أمل ” التي غنتها الكروانة ليلى مراد ولحنها عبد الوهاب على ايقاع التانجو و بمقدمة لأنور منسي صولو على الكمان والتي أخذ عليها خمسون جنيها من عبد الوهاب نظير عزفها على الكمان، وما أدراكم ما الخمسين جنيها وقتها
فمثلاً كلنا استمعنا لرائعة ليلى مراد أنت وأنا والتي لحنها عبقري آخر رياض السنباطي، اللحن كرر نفسه طيلة الأغنية، متخذا من صوت الفسبة (دراجة نارية) التي كان يقودها أنور وجدي ومن خلفه تجلس ليلى مراد بالفيلم الشهير
كذلك أغنية ” ياحبيب الروح ” بمدخلها الفاجنري الضخم بإيقاعاتها الرهيبة
وماذا عن لحنه لشهرزاد الذي أغضب منه أم كلثوم “ياناسيني” مستشرفا اللحن بعزف على العود صولو بشكل متفرد ومنفرد، وهو الذي لم يفعلها مع أيً من المطربين والمطربات
ولأن ملحنينا زمان كانوا يتطلعوا للآت الغربية بغية التجديد وإيثار تميزوا به وقتها
كذلك فريد الأطرش الذي تأثر بالتانجو والبوسانوفا بأغلب أعماله كما يازهرة في خيالي “وأحبك ياني” لصباح الأطرش لا شك ملحن جبار هو الآخر، لكن كان يعيبه اختيار غير موفق للكلمات، فجاءت أغلبها ركيكة بخنوع وخضوع للحبيبة في الطرف الآخر،فعندما يقول
هاتولى من الحبيب كلمه تواسى العاشق الحيران
ولماذا يأتوا له فليذهب بنفسه للحبيبة
أو يقول: من يوم ما فاتنى وراح شدو البلابل نواح والورد لون الجراح
ويقول في أغنية آخرى: نسيت حياتى اللى قبلك وكل الآلام اللى فيها
وروحي تتمنى ظلك يمشي ويخطر عليها
أغان لن تعيش كثيراً وكلام يصعب سماعه بزماننا، وإن كان وقعه لكبير على المحبين وقتها
كان هناك ثلاثة ملحنين لم يأخذوا حظوظهم في شهرة يستحقونها، محمود الشريف وأحمد صدقي وعبد العظيم محمد الذي لحن أغنية أعجوبة للكبير محمد عبد المطلب، “في قلبي غرام” والتي تجاوز بها اللحن التقليدي لكل من لحن لطلب، كان للطبلة بإيقاعاتها المتفردة ممسكة بتلابيب اللحن من بدايتها، مؤكد الطبّال قدير، أما محمود الشريف الذي ملأ الدنيا صخباً بألحانه المتفردة، ولكني أنبهر كلما سمعت ليلى مراد وهي تشدو بأغنية “أطلب عنيه” على أنغام التانجو ، وهو أيضا الذي لحّن “فاتو الحلوين” العجيبة، ولأن هدى سلطان غنتها بخمّارة فجاء اللحن وكأنه خارج من لدن خمّارة بحي شعبي وعلى إيقاع الأكوردين، وهو من لحن “رمضان جانا” لعديله الكبير محمد عبد المطلب.
كذلك أحمد صدقي صاحب العدد الكبير من الأغاني، من منا لم يطرب ل يامسافر وناسي هواك، والمية والهوا.
وحتى عبد العزيز محمود بألحانه المميزة فعندما أستمع وحياة محبتك، خاصة في الصباح وأنا بسيارتي، أندهش للحن بدأها بالساكسفون والآت ايقاع، غالبا درامز على إيقاع واحد طوال الأغنية، كذلك أسمر ياجميل التي تصلح للأفراح.
ظهر بعدها بوقت قليل شباب الملحنين الموجي والطويل وبليغ ومنير مراد الذي غنت له صباح لحن عجائبي، حتى أن عمار الشريعي خصص لها حلقة من برنامجه غواص في بحر النغم، أغنية “علمني الحب” بما فيها من تنويع بالمقامات بين الشرقي والغربي، ولأنه كان مفتون بالموسيقى الأمريكاني وقتها.
وكان أن فجّر الموجي عالم السماع والطرب بلحن خطير لفايزه أحمد، يامّا القمر عالباب، بدخول يناسب الحالة بالفيلم ولأنهم غوازي فلا يملكون سوى الناي والدفوف والرق والصاجات، فجاء اللحن فلته من فلتات الموجي العظيم الذي أعقبها ب أنا قلبي ليك ميال، ولمحرم فؤاد الحلوة داير شباكها بكلمات المجدد مرسي جميل عزيز.
عبد الوهاب هو الآخر لحن الكثير لفايزة وقبل ما يقرر عدم التلحين لها بعدما وجهت له نقداً: أنت نشزت يا أستاذ عندما غنى”كل دا كان ليه” على المسرح، كما قاطع شادية ولأنها لم تغني اغنيتها “بسبوسه” التي لحنها لها بأحد الأفلام ، لكني أندهش بأفتتاحية أستخدم فيها آلات التشيلوا الرصينة والجادة، بأغنية فايزة الجميلة ياغالي عليا ياحبيبي ياخويا، ومدخل ولحن عبقري آخر للأستاذ بأغنيتها خاف الله، كذلك للتشيلوا حضور قوي بأغنية “ساكن قصادي” التي كتبها شاعره الأثير لديه حسين السيد، عندما استخدمه بالزفة بديلا عن الدفوف والصاجات حزناً على الحبيب الذي تزوج بغيرها.
كان لظهور آخر العنقود بليغ حمدي بألحان ليس لها شبيه، وهو التلميذ النجيب لسابق عصره محمد فوزي الذي يحتاج إلى مقال وحده لجمال أغانيه وألحانه على كثرتها
فبعدما ظهرت للناس “تخونوه” بوقعها المتميز، على نغمات الچاز الذي أدخله بليغ ضمن اللحن والذي لم يخرج على إيقاع السيكا وأحيانا النهاوند الشرقي.
مؤكد هناك ألحان وأغان كثيرة لم أتناولها.
فقد قصدت من كتابتي تلك الوقت والزمن الذي صنعوا فيه كل ذلك الجمال، وما بعده بقليل، الأغاني كانت رائعة ولأن القاهرة كانت نظيفة وجميلة بناسها الذين طربوا وغنوا ويستعيدوا أغانيهم حتى اللحظة، الحفلات التي كانت تقام للمطربين والمطربات، كان أغلب مرتادوها جمهور متأنق ، يظهر عليه علائم سعادة، كذلك كان هناك ذوق لافت على ملابس الجميع ممن نراهم بحفلات الست، ولتماسك الطبقة الوسطى حتى زمن قريب.
فكلما كنت بالسيارة أجد زحام أفتعلناه يصيبني بامتعاض، زحام من دون معنى، وحتى قلب المدينة أمتلأ لحى وحجاباً ونقاباً، واصبح السلفيين كثرة ببلدي مما أحدث خلل بالمنظومة المجتمعية داخل المدينة التي كانت جميلة وخلل في الذوق العام وأصبح الجمهور يرضى بالمبتذل من أغاني بكلمات مبتذلة وألحان أقل مايقال عنها وضيعة وضعها صانعوها وهم تحت تأثير المخدرات.
وبالشوارع التي كان البعض يخشى وطئها تجد محلات متلاصقة يعرضون بواجهتها ملابس المحجبات إلى جانب محلات الأحذية ومحلات الملابس الداخلية للنساء، أقول لنفسي مستحيل هكذا مجتمع ينتج أعمال كالتي طربنا لها منذ عدة عقود.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.