مقالات

شلة ليبون

قراءة في رواية شلة ليبون
للكاتب هشام الخشن

بقلم: م. حسام شلش – مصر

نادرا ما أجد الكاتب البارع والذى يستطيع بطريقة أدبية أن يجعل من الجماد كبطل رئيسي لرواية على الرغم من وجود العديد من الشخصيات الروائية بداخل الرواية ، ولكن على الرغم من القراءة وتطور الأحداث الروائية بين الشخصيات والأزمنة المختلفة  إلا أنك لا تنسى تماما أن بطل الرواية الرئيسي هو مجرد جماد يستخدمه الكاتب بحرفية شديدة لصياغة فكرة الرواية بكل سهولة تماما كما يستخدم العازف البارع الألة الموسيقية لكى يخرج لجمهوره أفضل الألحان وفى النهاية الأداة الموسيقية ما هي إلا مجرد جماد وكذلك (أوراق الكوتشينة) التي أستخدمها الكاتب ليسرد من خلالها الرواية ما هي إلا جماد أيضا.

 (شلة ليبون) هي التجربة الثانية لي مع الكاتب (هشام الخشن) بعد تجربة (أدم المصرى) منذ 5 سنوات تقريبا ومازالت أتذكر إعجابي الشديد بتفاصيلها ودقة وصف الأماكن والبيئة المحيطة بأحداث الرواية وخاصة أنها كانت تدور في لندن وليست بداخل مصر ولذلك أيقنت أنى أمام كاتب مهتم بسد الثغرات و دائم الاهتمام بدقة السرد و الوصف سواء في المشاعر أو صياغة الحبكات أو الشخصيات أو أماكن حدوث الرواية.

 (شلة ليبون) تدور أحداثها الرئيسية بداخل أحدى شقق عمارة (ليبون) بحي الزمالك الشهير بالقاهرة ،وبالفعل العمارة قائمة وحقيقية وشهيرة دائما بأنها عمارة الطبقة الأرستوقراطية ، وبداخل احدى شققها يجتمع 7 أشخاص تجمعهم الصداقة منذ صغرهم ، فهم أصدقاء دراسة ينتمون لنفس المدرسة ولنفس الطبقة الاجتماعية بشكل أو بأخر ، حيث منذ طفولتهم تجمعهم لعبة (البوكر) ، وعلى مدار السنوات يجتمع الأصدقاء سنويا بليلة رأس السنة من أجل اللعب و الحديث عن الأحوال شكل عام والتطورات الى تحدث لكل منهم على مدار السنوات منذ أن كانوا بالمدرسة إلى أن يقتربوا من الشيب و الكبر، و تدور أغلب أحداث الرواية بشكل خاص في ليلة رأس السنة الخاصة بعام 2010 حيث أنها ستكون ليلة فاصلة لديهم لإتخاذ قرار مهم أثناء اللعب سيتم بناء عليه حدوث بعض التغييرات ومعرفة خلفية الأحداث التي أدت لذلك التغيير الطارئ على تلك السنة خصوصا.

بشكل عام وكما ذكرت سابقا إعجابي الشديد بفكرة الكاتب على تطويع الجماد لخدمة الحبكة الرواية كما أستخدم (الكوتشينة) ليصف أوراقها و يشببها بالسنوات و الأحداث بشكل عام ، فكما ذكر الكاتب فالكوتشينة بأربع علامات حيث تشير لفصول السنة ، وتحتوى على أثنين و خمسون ورقة كما عدد أسابيع السنة وعدد أوراق الصور 12 كعدد شهور السنة ، وكذلك احتواء الورق بشكل عام على جميع أنواع الخطط التي تشير إلى خطط الإنسان الحياتية بشكل عام والمجازفة في إتخاذ القرارات ، ولكن أشد ما أعجبني في وصف حياة الإنسان وقدره بالكوتشينة هو مقدار الغموض المغلف لألعاب الورق حيث كل لاعب لا يعلم مصير أوراقه النهائية أثناء المباراة وطوال المباراة جميع الاستنتاجات و التوقعات ما هي إلا توقعات شخصية مبنية على تفكير الشخص وتوقعاته.

محور الشخصيات يمثل سبعة أشخاص كل منهم يمثل تيار فكرى معين وطريقة حياة وتطلعات مختلفة وحياة وسنوات كاملة شاركت في تكوين شخصية كل منهم حيث يجتمع (العلم و القوة و الفن و المال و الجمال و الكمال و حب الخير) ولكل من الأشخاص حول طاولة البوكر صفة من تلك الصفات يحاول جاهدا استخدامها من أجل الفوز بمباره البوكر بليلة 2010 ، وفى رأى الشخصي كقارئ أستطاع الكاتب أن يقوم بترتيب الشخصيات بطريقة سهلة و بارعة حيث في بداية الرواية يعود الكاتب لطفولة أبطال الرواية حيث البداية ليتعرف الكاتب على فطرة كل شخص منهم والتي ستؤثر عليه بشكل أو بأخر على مدار حياته فنجد مثلا (كريم) المتفوق دراسيا محب العلم والذى يسير كل ما في حياته بطريقة علمية دراسية بحتة ثم نجد أيضا (عزيز) لاعب الملاكمة والذى يتطلع لاستخدام القوة بشكل عام في جميع محطات حياته و مواقفه الشخصية مرورا بباقي الشخصيات مثل (إبراهيم) الأديب الناجح و الممثلة و الأستاذة الجامعية و رجل المال والأعمال.

أيضا ترتيب الأحداث والحبكة والتلاعب بها بشكل محترف يدل على إمساك الكاتب بجميع خيوط الأحداث والشخصيات بطريقة قوية ومتقنة حيث البداية التي نعود بها لطفولة أبطال الرواية ثم الإنتقال لمرحلة الشباب الطائش و الصدمات التي يتعرض لها كل منهم ثم زمن ليلة الأحداث بعد أن يتجاوز كل منهم أزمته الخاصة والتي جعلته يعيد التفكير والنظر حول كل شيء ، كذلك يظهر حرص الكاتب على الإمساك بتركيز القارئ الكامل في الكثير من الأحداث وذلك من خلال استخدام التنوع في السرد ،فكم من بعض الصفحات كنت أشعر برتابة الأحداث و المرور فوق السطور بعيني لمجرد القراءة ولكن دائما ما كنت أنتظر تفاصيل و سرد و كشف أسرار الشخصية التي تليها ومن هنا أستطيع القول بنجاح الكاتب في الإمساك بتركيز القارئ بل والتعجل في جعل القارئ أن لا يترك الرواية .

كذلك دقة الكاتب في الوصف بشكل عام لكل ما هو محيط بالمشاهد التي يرويها، مثلا وصف وجه الأب وشعوره المضطرب أثناء لعب البوكر وأثناء شرح قواعد اللعبة للأبطال في محاولته الظهور بمظهر الثبات أمامهم، كذلك وصف الصراعات النفسية الداخلية بداخل كل شخصية أثناء اللعب وتجسيد الحوار بداخل عقل كل منهم ووصف ملامح وجه كل شخصية عند المواقف الجادة بحياتهم الشخصية بطريقة بسيطة سهلة التخيل وتدل على قوة ملاحظة الكاتب بشكل عام فيما يدور حوله من أحداث.

ولا أنكر أيضا سهولة اللغة وأسلوب السرد المستخدم والبسيط حتى يشمل جميع مستويات القراء بشكل عام مع دقة الوصف بشكل خاص، حيث تطويع اللغة بشكل مباشر وسهل لخدمة الوصف وسياق الأحداث بدون التطرق لمصطلحات صعبة أو خارجة حتى عند وصف العلاقات ما بين الرجل والمرأة والتي تم تناولها بأسلوب بسيط غير مكلف أدبيا تماما يستطيع القارئ من خلاله الفهم والربط بسهولة.

الرؤية العامة للرواية جيدة وطريقة تناول الفكرة من وجهة نظري كقارئ جديدة من بداية الغلاف الذى يحتوى على ( 7 قلوب) والتي تشير إلى عدد شخصيات الرواية إلى نهاية الرواية البسيطة السلسة والتي تناقش فكرة ثبات القدر والمكتوب لكل إنسان ، حيث أن الإنسان بشكل عام مهما وصلت به مراحل الحياة من علم وقوة أو شهرة كمال فلن يستطيع أن يتغلب على القدر حيث كم من شخصيات أدعت و توهمت أنها أستطاعت التفوق من خلال إستخدام العلم أو المنطق أو المال ولكن في النهاية يحدث ما لا يعلمه الجميع لتتغير الحياة تماما حتى يقوم الشخص بوقفة نهائية ينظر من خلالها إلى طريقة تفكيره وأسلوب حياته بشكل عام ومراقبة أحداث الحياة من حوله.

في رأى الشخصي الرواية سهلة جميلة تستحق القراءة ومن الممكن كتابة الكثير عنها وعن فكرتها الفلسفية ولذلك أنصح بقراءتها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
حسام شلش
مهندس مصري، كاتب ومهتم بتقديم عروض الكتب والروايات.. حائز على المرتبة الثانية على مستوى الجمهورية في مسابقة “اقرا ودون” من وزارة الشباب والرياضة المصرية لعام 2020م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.