سياسة مقالات

هل يسير المشروع السوداني في خطى الانهيار السوفيتي؟

تأملات في انهيار الدول:
هل يسير المشروع السوداني في خطى الانهيار السوفيتي؟

بقلم: عبدالرحمن عبدالله – هيوستن، تيكساس

تابعت سلسلة من الحلقات تحدث فيها المارشال ديميتري يازوف (اخر وزير دفاع في عهد الاتحاد السوفيتي) عن الأوضاع السياسيه و الاقتصاديه التي صاحبت سقوط الاتحاد السوفيتي (في الفتره ١٩٩١-١٩٩٣). قدم المارشال نقدا عميقا لسياسات الزعماء السوفيت ابتداء بغورباتشوف و انتهاء ب يلسن. أزاح الستار عن طبيعة العلاقه بين الرجلين و نزاعهما حول السلطه؛ وهو النزاع الذي توج بإنهيار الاتحاد السوفيتي. تحدث عن نظرية غورباتشوف للإصلاح و عن الأوضاع الاقتصاديه المزريه التي عاشتها البلاد في تلك الحقبه. كشف عن حجم الفساد المهول الذي استشرى في أوساط النخبه الحاكمة و عن المنافسه المحمومه بين النخب في التودد الى امريكا.

فتح المارشال ملفا ظل منسيا منذ سقوط الاتحاد، وهو ملف خصخصة املاك الاتحاد السوفيتي. كشف عن الفساد الذي صاحب عمليات خصخصة المصانع المدنيه و العسكريه و أصول الدوله السوفيتيه. أبان ان طبقة الراسماليه الطفيلية التي ظهرت حديثا (والتي كانت تتغذى على علاقاتها الوثيقه مع القياده السياسيه الفاشله) قد إستاثرت بنصيب الأسد من تلك الأصول و دفعت مقابلها مبالغ زهيده. فكان من غير المستغرب ان يباع مصنع متكامل لإنتاج السيارات (قيمته السوقيه تفوق المليار دولار) بملغ لا يتجاوز المائة مليون دولار مقسط على عشر سنوات. ثم يقوم الملاك الجدد ببيع جزء من اسهم تلك الشركات و المصانع الى المستثمرين الاجانب (امريكان و أوروبيين) بما يفوق مبلغ البيع المقسط. وهكذا فقد شهدت روسيا في تلك الفتره ظهور عدد ضخم من المليارديرات و هو الشيء الذي لم يكن معهودا في فترة النظام الشيوعي.

تسابق المليارديرات الجدد في تحويل اموالهم للخارج، وهو الشيء الذي دمر قيمة العمله المحليه حتى اصبحت عديمة القيمه. كما انهم (وكذلك كبار الضباط و المسؤولين الحكوميين) اخذوا يتبارون في الحصول على جوازات سفر اجنبيه.

في المقابل حاول تصوير حجم الفقر الذي إستشرى في المجتمع؛ ذكر ان كابونات السلع الأساسيه كانت توزع على الجميع بما فيهم الوزراء؛ و ان كبار الموظفين و الضباط كانوا يقضون ساعات في صفوف البقالات للحصول على الخبز و الزبد و السكر. بينما كان يلسن يقضي يومه بين شرب الخمر و المسامرة مع طبقة الأغنياء الجدد. اما قمة الاهانه فكانت حين اجتمع غورباتشوف بالرئيس بوش في موسكو في حفل العشاء الذي نظمته السفاره الامريكيه؛ قال غورباتشوف للرئيس بوش: في الماضي كانت الدوله السوفيتيه توزع النياشين و الأنواط على كبار الضباط السوفيت؛ اما الان فإننا نوزع عليهم كابونات الطعام و الشراب؛ فرد عليه بوش بصراحة الامريكان المعهودة، ودون تنميق للكلمات: أنتم كقاده تتحملون مسؤولية هذا الفشل.

سؤل المارشال عن محاولتهم الفاشله للانقلاب على غورباتشوف؛ فرفض اعتبار تحركهم كمحاولة للانقلاب على السلطه، لكنه اعتبرها محاولة لتصحيح المسار و من ثم اعادة غورباتشوف الى سدة الحكم. وَمِمَّا يؤكد على نيتهم الحسنه انهم لم يسعوا الى اعتقال غورباتشوف و لم ينشروا الجيش في المدن. لكنه أبدى ندمه على عدم اتخاذ إجراءات اكثر حزما و عدم استلام السلطه.

لدى استماعي الى إفادات المارشال؛ بدأت أقارن بين الأوضاع والاحداث التي كان يحاول توصيفها و بين ما يحدث في بلادنا؛ حتى خَيل الي لوهلة انه إنما يتحدث عن السودان وليس الاتحاد السوفيتي:

الصراع على السلطه؛ الفساد، الطبقه الراسماليه الحديثه و التفافها حول مراكز السلطه، تحويل الاموال للخارج، اعتماد رئيس الوزراء عبدالله حمدوك على الامم المتحدة والمجتمع الدولي، تدخل السفير البريطاني في السودان في تفاصيل الشأن السيادي المحلي، دخول الملياردير البريطاني (من اصل سوداني) مو ابراهيم على خط اللعبة السياسية على طريقة رفيق الحريري، انهيار العمله، تودد بعض المتنفذين الى دول الجوار، ظهور طبقة حاكمة من حملة جوازات السفر الاجنبيه، و اخيرا وليس آخرا: الفوضى العارمة وعجز الاجهزة الامنية على بسط هيبة القانون.

يبدوا ان حكامنا لا يقرؤون التاريخ ولا يتعظون بسننه، ولو انهم فعلوا لوجدوا فيه عِبرة و عَبره. فهل تشهد الساحة السودانية تحركا عسكريا مشابها لتحرك المارشال ديمتري، خاصة بعد الاعتداء السافر الذي تعرض له الرجل الثالث في الجيش السوداني الفريق اول شمس الدين الكباشي من قبل مجموعة من الشباب الثائر والذي يطلق على نفسه “لجان المقاومة”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.