سياسة مقالات

اختصاصات المنظمات الدولية – ج 5

اختصاصات المنظمات الدولية – ج 5

بقلم : صلاح الدين ياسين – المغرب

 إن الإعتراف بالشخصية القانونية للمنظمة الدولية بما يعنيه ذلك من تمتعها بإرادة مستقلة عن إرادة الدول الأعضاء فيها له صلة وثيقة بنوعية ومدى الإختصاصات الموكلة إليها، وهو ما يقودنا إلى التساؤل عن طبيعة هذه الإختصاصات والصيغة التي تمارس من خلالها. فالمنظمات الدولية، وفي إطار العمل على تحقيق أهدافها، تزاول مجموعة من الإختصاصات التي تمنح لكل منظمة بموجب ميثاقها المنشئ، ولذلك فهي تسمى بالإختصاصات الممنوحة لكونها ناتجة عن إرادة الدول المنشئة لتلك المنظمة.

تأسيسا على ذلك، فإن المنظمات الدولية ليس لها من حيث الأصل كامل الصلاحيات، بما يعنيه ذلك من عدم تمتعها بالسلطة التقديرية كما هو الحال بالنسبة للدول التي تتمتع بمقتضى حقوقها السيادية بكامل الصلاحيات لممارسة مهامها. فالمنظمات الدولية لها فقط اختصاصات محددة ومحصورة في تلك المنصوص عليها في الميثاق.

غير أن المنظمات الدولية تتمتع وإلى جانب الإختصاصات الممنوحة المنصوص عليها في ميثاقها المنشئ – باختصاصات ضمنية وهي الإختصاصات التي تعد ضرورية لقيام المنظمة الدولية بمهامها وذلك عملا بنظرية الإختصاصات الضمنية. وتستمد هذه النظرية وجودها من الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي صدر في سنة 1949 تعقيبا على توجه الجمعية العامة للأمم بالمتحدة بطلب رأي استشاري حول ما إذا كان يحق لها المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بموظفيها أثناء تأدية مهامهم على إثر اغتيال العصابات الصهيونية الكونت برنادوت وسيط الأمم المتحدة بفلسطين عام 1948.

فقد جاء في هذا الرأي الإستشاري بأنه يلزم الإقرار بأن أعضاء المنظمة الدولية حينما يحددون وظائفها بما يترتب على ذلك من حقوق والتزامات فهم يمنحون المنظمة في نفس الوقت الإختصاص اللازم لأداء وظائفها : حسب القانون الدولي، فالمنظمة الدولية يجب أن تعتبر كما لو كانت لها هذه السلطات (أي سلطات حماية موظفيها) والتي إذا لم يتم التنصيص عليها صراحة في الميثاق تكون كنتيجة حتمية تمنح للمنظمة لضرورة ممارسة مهامها.

وعليه، فقد أكدت محكمة العدل الدولية بأنه يجب الإعتراف للمنظمة الدولية بالإختصاصات غير المنصوص عليها صراحة في الميثاق، إذا كانت هذه الإختصاصات ضرورية لها من أجل ممارسة وظائفها، ومن هنا فقد اعترفت المحكمة بنوع من الحماية لموظفي هيئة الأمم المتحدة وهو ما يسري بدوره على سائر المنظمات الدولية الأخرى على أساس أن ذلك يضمن قيامها بتأدية وظائفها وتحقيق أهدافها.

أما بالنسبة للشكل الذي تمارس من خلاله المنظمة الدولية اختصاصاتها فهو يختلف من منظمة إلى أخرى، ويتمثل أساسا في الأعمال القانونية التي تصدر عن تلك المنظمات، والتي قد تكون على شاكلة توصيات التي هي عبارة عن اتخاذ موقف معين تتوجه به المنظمة إلى دولة أو دول معينة أو أي هيئة دولية أخرى دون أن ينطوي على وصف الإلزام.

وإضافة إلى التوصيات، نجد القرارات التنفيذية الملزمة التي تعبر عن إرادة المنظمة الدولية، فللقرار صفة إلزامية في مواجهة الدول الأعضاء بخلاف التوصية، إذ يرتب مسؤولية الدولة المخالفة قانونا. كما تتمتع المنظمات الدولية بسلطة إصدار اللوائح التنظيمية والمتعلقة بتحديد أسلوب عملها داخل المنظمة، وكذا داخل الأجهزة والفروع المختلفة. هذا دون إغفال المعاهدات الدولية كوسيلة لممارسة المنظمة الدولية لاختصاصاتها، بحيث تتمتع بأهلية إبرامها كنتيجة لتوفرها على الشخصية القانونية.         

ويشار إلى أن المنظمات الدولية تزاول اختصاصاتها طبقا لنوعيتها والغرض من إنشائها، فثمة منظمات تمارس اختصاصات عامة غير محصورة بحيث يشمل نشاطها أكثر من مجال من مجالات التعاون الدولي السياسية والإقتصادية والإجتماعية وغيرها كمنظمة الأمم المتحدة التي تختص بوظائف عامة. في حين ثمة منظمات يتم إنشاؤها لتحقيق هدف أو غرض محدد، بحيث تختص في مجال محدد دون غيره (كمنظمة الصحة العالمية، ومنظمة التجارة العالمية) والتي يطلق عليها الفقه الدولي وصف المنظمات المتخصصة.

 

* المصادر :

– نادية الهواس (محاضرات في قانون المنظمات الدولية).

– أمل المرشدي (نبذة تعريفية عن اختصاصات المنظمات الدولية).

– محسن أفكيرين (قانون المنظمات الدولية).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.